البوطاهري ينتقد غياب إجراءات جديدة لدعم المقاولين الشباب في مالية 2027

أكد النائب البرلماني، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، كريم البوطاهري، خلال مداخلته في المناقشة العامة لمشروع قانون المالية، أن هذا الأخير جاء بمجموعة من الإجراءات التي تشكل، في أغلبها، استمرارية للأوراش التي انطلقت في عهد الحكومة السابقة، لكن دون رؤية واضحة بشأن تمويلها وضمان استدامتها.
وأضاف أن مشروع قانون المالية عرف هيمنة المقاربة القائمة على توزيع الدخل، مقابل غياب آليات حقيقية لخلقه وتعزيزه، موضحا أنه إذا كانت الدولة الاجتماعية تقوم على عدالة التوزيع، فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تقوم أساسا على خلق الدخل وتعزيزه. واعتبر أن قياس النجاعة يظل غائبا في هذا المشروع، على مستوى الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقع، بعيدا عن الاكتفاء بقياس الموارد والنفقات.
وفي ما يتعلق بتنمية العالم القروي، يرى البوطاهري أن مشروع قانون المالية لم يرقَ إلى مستوى الانتظارات، مشيرا إلى أن هناك إجراءات متفرقة في هذا السياق، لكنها تظل محتشمة ولا ترقى إلى مستوى سياسة عمومية مندمجة تعكس تصورا واضحا للعالم القروي.
واعتبر المتحدث ذاته أن تأهيل 12 مركزا قرويا على المستوى الوطني لا يعكس طموحا حقيقيا لتنمية العالم القروي، ولا يجسد تصورا لخلق طبقة وسطى قروية قادرة على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن عدم السعي إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية في العالم القروي، من خلال تطوير السياحة البيئية والطبيعية وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، سيجعل مختلف الإجراءات مؤقتة ومحدودة الأثر. وفي السياق ذاته، أكد أن الحديث عن الجيل الجديد من برنامج التنمية الترابية المندمجة جاء مقتضبا، بما يعكس غياب تصور واضح في هذا المجال.
وفي مداخلته، أكد البوطاهري أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لم يأتِ بجديد يُذكر في الجانب المتعلق بتشجيع المقاولين الشباب والمقاولات الصغرى والمتوسطة، موضحا أن تخصيص حصة 30 في المائة من الطلب العمومي لهذه المقاولات إجراء قديم، وأن الحديث عن تعزيز ضمانات التمويل سيظل مجرد نوايا حسنة ما لم تواكبه إجراءات عملية وانخراط فعلي وجاد لمختلف مؤسسات التمويل.
وأضاف أن خلق طبقة من المقاولين الشباب يقتضي اعتماد برامج خاصة لتسهيل تمويل إحداث مقاولات جديدة، وتوفير التأطير والمواكبة اللازمين في مختلف المجالات، خاصة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والخدمات، على غرار ما تعتزم الدولة القيام به في مجال تمويل المشاريع الفلاحية وشبه الفلاحية لفائدة 16 ألف شاب قروي سنويا، من خلال قروض دون فائدة ومواكبة قبلية وبعدية.
كما أوضح أن خلق جيل جديد من المقاولين الشباب يقتضي إعادة النظر في سياسة تدبير الطلب العمومي، حتى تتجاوز حدودها المسطرية وتتحول إلى أداة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وشدد على أن تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة يجب أن يراعي نوعا من الإنصاف الترابي في الولوج إلى الطلبيات العمومية، خصوصا تلك المتعلقة بالمشاريع الكبرى والمهيكلة على مستوى مختلف المناطق والجهات.
وأضاف البوطاهري أن بلاغ الديوان الملكي جاء ليؤكد الفكرة نفسها، من خلال التشديد على ضرورة أن تنعكس الآثار الاقتصادية والاجتماعية لمختلف المشاريع على أقاليم المملكة كافة، وأن تعود بالنفع على الساكنة المحلية. وفي هذا الإطار، دعا الملك إلى تسريع وتفعيل برامج تكوينية ملائمة لحاجيات الأنشطة الناشئة، بما يسهم في تعزيز الاندماج المهني للشباب.
وفي ما يتعلق بدعم القدرة الشرائية، يرى البوطاهري أن تخفيف الضريبة على الدخل إجراء جيد من حيث المبدأ، غير أن آليات تنزيله تظل غير واضحة، متسائلا عن وضعية الفئات الواسعة التي تشتغل في القطاعات غير المهيكلة، والتي لن تستفيد من هذا الإجراء، رغم أنها من بين الفئات الأكثر هشاشة وحاجة إلى الدعم وحماية قدرتها الشرائية. وأوضح أن هذا الإجراء يفيد أصحاب الأجور المرتفعة، في حين أن الطبقة المتوسطة الدنيا هي الأكثر حاجة إلى الدعم.
وأضاف، في ما يتعلق بالدعم المباشر، أن مشروع قانون المالية يقترح دعما بقيمة 600 درهم، وهو ما يتوافق مع توجهات الحكومات السابقة ولا ينسجم مع الوعود الانتخابية. واعتبر أن عدم ربط قيمة الدعم بمؤشر التضخم يؤثر بشكل مباشر وملموس على القدرة الشرائية للمواطنين، مشيرا إلى أن المشروع لم يقدم آلية واضحة للاستفادة من هذا الدعم، بما يدل، حسب رأيه، على غياب رؤية واضحة في هذا الموضوع.
وفي السياق ذاته، جدد البوطاهري دعوته إلى رفع قيمة المنحة الجامعية، بما يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة والصعوبات المرتبطة بالقدرة الشرائية التي تعرفها المرحلة الراهنة.
وختم البوطاهري مداخلته بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه البلاد لا يتمثل فقط في تعبئة الموارد المالية، بل أيضا في توجيهها نحو خلق الثروة وتوسيع قاعدة الإنتاج وإحداث فرص الشغل وتعزيز دخل المواطنين. وشدد على أن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تستمر دون اقتصاد قوي ومنتج، كما لا يمكنها تحقيق أهدافها بالاكتفاء بإعادة توزيع الدخل، دون العمل على توزيع مصادر إنتاجه.





