المسألة الاجتماعية في البرنامج الحكومي 2026-2031: وعود اجتماعية بلا ضمانات التنفيذ

مقدمة:
يعلن البرنامج الحكومي للولاية التشريعية 2026-2031 انتقالًا في فلسفة التدخل الاجتماعي للدولة، من مرحلة التأسيس القانوني والمؤسساتي وتوسيع التغطية الاجتماعية إلى مرحلة يُفترض أن تتقدم فيها جودة الخدمات ونجاعة السياسات والأثر الملموس في حياة المواطنين. ولا يقتصر الأمر على استكمال الأوراش الإصلاحية القائمة، بل يمتد إلى إعادة تحديد معايير النجاح، بالانتقال من قياس حجم الاعتمادات المالية وعدد المستفيدين إلى تقييم النتائج الفعلية ومدى انعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر.
وتكتسب هذه الرهانات أهميتها من السياق الذي جاء فيه البرنامج، حيث تتزايد انتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وفرص الشغل، والقدرة الشرائية، والعدالة في توزيع ثمار التنمية. كما أعادت الاحتجاجات الشبابية التي شهدها المغرب خلال خريف 2025، تحت شعار «جيل زد »، إلى الواجهة أسئلة الثقة في المؤسسات، وفعالية السياسات العمومية، ومدى قدرة المرافق والخدمات الأساسية على الاستجابة لحاجات المواطنين وتطلعاتهم.
ولا تنفصل هذه الانتظارات عن الاختلالات التي يسجلها التشخيص الحكومي نفسه؛ إذ لا تزال البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب والنساء، تمثل تحديًا بنيويًا، فيما تستمر الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة والسكن والعلاج. كما أن توسيع التغطية الاجتماعية لا يضمن، في حد ذاته، الولوج الفعلي إلى خدمات ذات جودة، تمامًا كما أن زيادة التحويلات النقدية لا تكفي وحدها لتحقيق الإدماج الاقتصادي أو معالجة الأسباب البنيوية للهشاشة.
في هذا السياق، يقدم البرنامج الحكومي تصورًا يربط بين استعادة القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، وتحسين فرص التشغيل، مع التشديد على ضرورة استدامة الدولة الاجتماعية ماليًا. غير أن قوة التعهدات الإجتماعية لا تقابلها، بالقدر نفسه، هندسة مكتملة للتنفيذ والتمويل والتتبع، مما يطرح تحدي تحويلها إلى حقوق وخدمات مستدامة وقابلة للقياس والمساءلة. هذه المفارقة تطرح سؤالًا مركزيًا: إلى أي حد نجح البرنامج الحكومي في تحويل وعوده الاجتماعية إلى التزامات واضحة من حيث آجال التنفيذ، والكلفة، ومصادر التمويل، ومؤشرات قياس الأثر؟
أولًا: الهندسة الاجتماعية للبرنامج الحكومي: تحولات المفهوم وسقف التعهدات.
تحتل المسألة الاجتماعية موقعًا مركزيًا في البرنامج الحكومي، ولا سيما ضمن المحور الرابع المتعلق باستعادة القدرة الشرائية وترسيخ دولة اجتماعية قابلة للاستدامة، إلى جانب محور إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل. وتكشف الوثيقة الكاملة عن حضور كثيف للأهداف الكمية؛ إذ يحصي التقرير الاستراتيجي للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة 74 هدفًا كميًا في البرنامج، وفق منهجيته في العد.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في كثرتها فحسب، بل في التحول الذي تعكسه على مستوى الخطاب الحكومي: فلم يعد المطلوب مجرد توسيع البرامج الاجتماعية، بل تحسين مردوديتها، وربطها بالإدماج الاقتصادي، وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحاجات الفئات المستهدفة. ويتجسد هذا التوجه في أربع مرتكزات اجتماعية رئيسية.
- إعادة هيكلة الدعم الاجتماعي المباشر:
يتعهد البرنامج بالرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر المخصص لرب الأسرة من 500 إلى 1000 درهم شهريًا، مع التوجه نحو الانتقال من الاستهداف القائم على المؤشر الاجتماعي والاقتصادي إلى استهداف يستند إلى الدخل الفعلي للأسر، من خلال التصريح الاجتماعي الموحد وتبادل المعطيات.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتصحيح بعض حدود الاستهداف، وتحسين ملاءمة الدعم مع الوضعية الاقتصادية الفعلية للأسر. غير أن نجاحه لا يتوقف على زيادة المبالغ المحولة أو تطوير أدوات التحقق من الاستحقاق فحسب، بل يتطلب أيضًا ضمان شفافية المعايير، وتقليص أخطاء الإقصاء والإدماج، وتيسير مساطر التظلم، وحماية المعطيات الشخصية، ومراعاة أوضاع الفئات التي يصعب عليها إثبات دخلها الفعلي.
- تعميم التغطية الصحية وتجاوز معضلة الحقوق المغلقة:
يسعى البرنامج إلى استكمال تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وإدماج أزيد من 4 ملايين من الفئات التي لا تزال خارج التغطية، ومعالجة إشكالية الحقوق المغلقة خاصة لدى فئات العمال غير الأجراء، بالتوازي مع إصلاح المنظومة الصحية العمومية. ومن أبرز أهدافه رفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات التأمين الإجباري عن المرض من 10% إلى 50%، وبلوغ كثافة 35 مهنيًا صحيًا لكل 10 آلاف نسمة بحلول 2031، إلى جانب تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وإنجاز أربعة مراكز استشفائية جامعية جديدة.
وتكمن أهمية هذه الالتزامات في إقرارها الضمني بأن تعميم التغطية الصحية لا يكتمل بمجرد تسجيل المستفيدين في الأنظمة، بل يقتضي توافر العرض الصحي، وتحسين توزيع الموارد البشرية والتجهيزات، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج. ومع ذلك، فإن مؤشرات التمويل والبنية التحتية والموارد البشرية، على أهميتها، تحتاج إلى أن تُستكمل بمؤشرات تقيس جودة الخدمات، وآجال الحصول على العلاج، ومستوى النفقات التي تتحملها الأسر مباشرة.
- تعزيز الأمان الاجتماعي للمتقاعدين والأرامل:
يتضمن البرنامج التزامًا بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريًا في مختلف الأنظمة، فضلًا عن تمكين الأرامل من معاش كامل يعادل 100% من المعاش الرئيسي للزوج المتوفى، بدلًا من النسبة المعمول بها حاليًا.
وتحمل هذه التعهدات بعدًا اجتماعيًا واضحًا، بالنظر إلى ارتباطها بالحد من الهشاشة في مرحلة الشيخوخة، وتعزيز الاستقلال المعيشي للأرامل. غير أن تحويلها إلى حقوق قابلة للتنفيذ يستلزم تحديد شروط الاستفادة، وجدولة الزيادات، وتوضيح كيفية توزيع الأعباء بين الأنظمة المعنية، مع مراعاة التوازنات الاكتوارية والحقوق المكتسبة واستدامة صناديق التقاعد.
- القدرة الشرائية والعدالة الجبائية: توسيع المنافع وتخفيف العبء الضريبي
يتجه البرنامج إلى إقرار تعويض اجتماعي عن كلفة الكهرباء للأسر المستحقة، في حدود فاتورة شهرية لا تتجاوز 100 درهم للمسكن الرئيسي، وإصلاح الضريبة على الدخل من خلال رفع عتبة الإعفاء إلى 60 ألف درهم من الدخل الصافي السنوي، وخفض المعدل الهامشي الأعلى من 37% إلى 30%.
وتعكس هذه التدابير رغبة في تخفيف الضغط على دخل الأسر، وتحسين توزيع العبء الضريبي. لكن أثرها الاجتماعي سيظل مرتبطًا بدقة تحديد المستفيدين، وكيفية تنزيل التعويض عن الكهرباء، والكلفة الجبائية للإصلاح، ومدى استفادة الفئات التي تواجه أشد الضغوط المعيشية. كما أن تخفيف العبء الضريبي لا ينبغي أن يُقيّم بمعزل عن أثره في موارد الدولة وقدرتها على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.
هكذا، يقدم البرنامج حزمة من الالتزامات الاجتماعية التي تجمع بين التحويلات النقدية، والحماية الصحية، والتقاعد، والتخفيف الضريبي. لكن الانتقال من إعلان هذه المنافع إلى ضمان استدامتها يقتضي فحص الشروط التي ستحدد توقيت تنفيذها وكلفتها ومردوديتها الاجتماعية.
ثانيًا: أربع مفارقات تختبر تنفيذ الالتزامات الاجتماعية:
على الرغم من كثافة الأهداف الاجتماعية الواردة في البرنامج الحكومي، فإن التحليل السياسي والقانوني المستند إلى القراءة النقدية الاستراتيجية يضع الوثيقة أمام حدود واضحة تتعلق بآليات التنفيذ والتمويل والالتقائية بين القطاعات الاجتماعية نفسها. ويمكن إجمال هذه الملاحظات النقدية الدقيقة في أربعة مفارقة رئيسية:
- وعود اجتماعية تفتقر إلى إجراءات عملية وأجندة زمنية محددة:
تتمثل المفارقة الأولى في أن البرنامج الحكومي يعلن الانتقال إلى منطق النتائج، ويؤكد أن الالتزامات ينبغي أن ترتبط بمؤشرات مرجعية وأهداف نهائية ومؤشرات سنوية وجهات مسؤولة، لكنه لا يقدم، في جميع الحالات، المعطيات اللازمة لتحويل هذه المبادئ إلى مسارات تنفيذية واضحة؛ حيث إن أزيد من 40 هدفا جاءت مطلق ولا تتضمن أجلًا صريحًا أو دورية سنوية للإنجاز. ويشمل ذلك التزامات اجتماعية مهمة، ومنها:
- الرفع التدريجي للمعاش الأدنى إلى 3000 درهم صيغ دون تحديد سنة مرجعية أو أجندة تدريجية ملزمة، مما يجعله عرضة للترحيل الميزانياتي إلى أواخر الولاية الانتخابية.
- تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وإنجاز 4 مراكز استشفائية جامعية جديدة ورد دون جدول زمني محدد للتوزيع الترابي والسنوي لمراحل الإنجاز والاعتمادات المرصودة.
- تخصيص معاش كامل للأرامل بنسبة 100% جاء خالياً من الإجراءات والتدابير المحددة للشروط وآليات الانتقال من صندوق الدعم الاجتماعي إلى المنظومة المعاشية.
- تطبيق التعويض التلقائي عن فاتورة الكهرباء للأسر المستحقة لم يُرفق بالإجراءات العملية المحددة لمعايير الاستحقاق ودورية الصرف وآليات التنسيق مع المكتب الوطني للكهرباء.
- هدف خفض عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل (NEET) بنسبة 50%: صيغ كهدف نتيجة دون رسم مسار تنفيذي أو تحديد آلية العمل الميداني الموحدة بين القطاعات التربوية والتشغيلية.
ولا يعني ذلك أن هذه الأهداف غير قابلة للتحقيق، بل إن غياب المسارات الزمنية المعلنة يجعل تقييم التقدم المحرز أكثر صعوبة، ويضعف القدرة على التمييز بين التأخر الظرفي والإخفاق في التنفيذ. كما يترك مجالًا واسعًا لتأجيل بعض التعهدات إلى المراحل الأخيرة من الولاية، بما قد يقلص أثرها الفعلي على المستفيدين.
- حقوق اجتماعية دائمة مقابل تمويل لم يُحسم بعد:
المفارقة الثانية أن جانبًا مهمًا من الالتزامات الاجتماعية يترتب عنه إنفاق متكرر لا يقتصر على سنة مالية واحدة، في حين لا تتضمن الوثيقة المنشورة معادلة مالية مكتملة تجمع الكلفة الإجمالية ومصادر التمويل والآثار المتوقعة على الميزانيات المتعاقبة. ويبرز ذلك بوضوح في عدد من الالتزامات، منها:
- الكلفة الإضافية للدعم المباشر: الرفع التدريجي للحد الأدنى من 500 إلى 1000 درهم يترتب عنه غلاف إضافي صافٍ قدره 6 مليارات درهم سنوياً عن كل مليون أسرة مستفيدة. وفي حال شمول جميع الأسر الـ3.9 مليون بالزيادة الكاملة، ستصل الكلفة الإضافية إلى 23.4 مليار درهم سنوياً (أي ما يعادل 81% من الغلاف الإجمالي المستهدف للدعم لسنة 2026)، دون العثور في الوثيقة على تحديد صريح لموارد التمويل الميزانياتي الدائم ودون ربطه بأجل محدد، في حين ربطه التصريح الحكومي بنهاية الولاية وهو ما يجعل الزيادة تفقد جدواها الفعلية في ظل ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة.
- الكلفة الاكتوارية للتقاعد: الرفع إلى 3000 درهم يترتب عنه غلاف إضافي قدره 2.4 مليار درهم سنوياً لكل 100 ألف متقاعد في القطاع الخاص (CNSS) و1.8 مليار درهم بالقطاع العام (CMR)، يُضاف إليها كلفة مضاعفة معاش الأرامل إلى 100%، دون إجراء دراسة اكتوارية مسبقة تُنشر نتائجها لتحديد مدى قدرة الصناديق على التحمل، أو التنصيص على إجراءات محددة لتوفير مصادر التمويل الكفيلة بتنفيذ الالتزام.
- عجز التغطية الصحية الإجباري (AMO) : تواجه المنظومة عجزا تراكميا متوقعا يبلغ 33 مليار درهم بحلول عام 2030، ولم توضح الوثيقة كيفية تحقيق التوازن بين إدماج 4 ملايين مستفيد جديد وتغطية الحقوق المغلقة وبين ترشيد نفقات العلاج وضمان الاستدامة المالية.
- الخسارة الجبائية للضريبة على الدخل: يترتب عن رفع عتبة الإعفاء إلى 60,000 درهم وتخفيض السعر الهامشي إلى 30% نقص متكرر في الموارد الضريبية للدولة يقدر بمليارات الدراهم سنوياً، دون تقديم محاكاة ميزانياتية تبين كيفية تعويض هذا النقص لحماية التوازنات المالية.
والمقصود هنا ليس المفاضلة بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي، بل إدراك أن العدالة الاجتماعية نفسها تحتاج إلى تمويل مستدام. فالحق الاجتماعي الذي لا تستند استدامته إلى موارد واضحة قد يظل رهينًا للتوازنات الظرفية، بينما تقتضي الحماية الفعلية ضمان استمرار المنافع والخدمات عبر الزمن.
- الاستمرارية الإصلاحية مقابل محدودية التجديد البرامجي
تكشف المقارنة بين الالتزامات الحكومية والأوراش التي انطلقت في السنوات السابقة أن جزءًا مهمًا من البرنامج يقوم على استكمال مسارات قائمة وتوسيعها، لا على إحداث قطيعة شاملة معها.
فاستكمال تعميم الحماية الاجتماعية، ومواصلة إصلاح الصحة والتعليم، وتطوير الدعم الاجتماعي المباشر، والاستمرارية في الدعم المباشر للسكن، كلها أوراش تستند إلى اختيارات قانونية ومؤسساتية وبرامجية سابقة. ولا يمثل هذا الاستمرار، في حد ذاته، نقطة ضعف؛ إذ إن الإصلاحات الهيكلية تحتاج إلى التراكم والاستقرار وتفادي الانقطاع مع تغير الولايات الحكومية.
لكن السؤال يتعلق بالقيمة المضافة التي يقدمها البرنامج الجديد. فإذا كان جزء كبير من التعهدات استمرارًا لمسارات قائمة، فإن التجديد الحقيقي ينبغي أن يظهر في معالجة اختلالاتها، وتحسين حكامتها، وتطوير آليات تقييمها، وربطها بنتائج اجتماعية قابلة للتحقق.
وفي هذا الصدد، لا يكفي رفع مبالغ الدعم أو توسيع قاعدة المستفيدين إذا لم يصاحبه تحسن في جودة الخدمات، أو تقليص للفوارق المجالية، أو تعزيز لقدرة الأسر على تجاوز الهشاشة. كما لا تكفي زيادة الإنفاق الصحي إذا ظلت الأسر تواجه صعوبات في الوصول إلى العلاج، ولا يكفي إصلاح التعليم إذا لم ينعكس على التعلمات الأساسية والاندماج المهني.
لذلك، ينبغي تقييم البرنامج على أساس قدرته على تصحيح اختلالات الاجتماعية القائمة، لا على أساس عدد الأوراش التي يتعهد بمواصلة تنفيذها. فالتجديد البرامجي لا يعني التخلي عن المكتسبات، بل تحويلها إلى نتائج أفضل وأكثر عدالة واستدامة وهي الحلقة المفقودة في البرنامج.
- تعدد البرامج الاجتماعية مقابل تحدي الالتقائية:
تتجاوز فعالية السياسة الاجتماعية حجم الموارد المرصودة لكل قطاع؛ إذ تتوقف أيضًا على مدى انسجام البرامج وتكاملها. فالدعم النقدي، والتغطية الصحية، والتعليم، والتكوين المهني، والتشغيل، والرعاية الاجتماعية، ليست مجالات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مسار الحماية والإدماج.
ومن هذا المنطلق، تبرز عدة تحديات في تنزيل الالتزامات الحكومية:
أولها ضرورة الربط بين الدعم الاجتماعي المباشر وسياسات الإدماج الاقتصادي، حتى لا يتحول الدعم إلى استجابة دائمة للهشاشة من دون أن يصاحبه توسيع فرص التكوين والعمل والاستقلال الاقتصادي.
وثانيها ضمان التكامل بين التغطية الصحية وإصلاح المستشفيات العمومية، لأن توسيع الحق في التأمين لا يحقق أثره الكامل ما لم يتوافر العرض العلاجي المناسب. وثالثها بناء مسار متكامل للشباب الذين يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل، بدل توزيع التدخلات بين القطاعات من دون آليات واضحة للتنسيق والتتبع.
ولا تقتصر الالتقائية على تنسيق البرامج إداريًا، بل تشمل أيضًا توحيد مؤشرات القياس، وتبادل المعطيات وفق ضوابط قانونية تحمي الخصوصية، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق البرمجة المالية، وتقييم النتائج على مستوى المستفيدين. كما تقتضي مراعاة الفوارق الترابية، لأن فعالية البرنامج الاجتماعي قد تختلف باختلاف توافر المؤسسات والخدمات والموارد البشرية في الجهات والأقاليم.
وعليه، فإن الرهان ليس في مجرد إعلان العمل الحكومي المندمج، بل في بناء آليات مؤسساتية تضمنه، وتتيح معرفة من المسؤول عن النتائج، وكيف تُعالج الاختلالات، وبأي مؤشرات يُقاس التقدم.
ثالثا: الرهان ليس في حجم الوعود الإجتماعية بل في ضمان استدامة أثرها:
إن تجاوز هذه المفارقات لا يستدعي بالضرورة إضافة التزامات جديدة مهما بلغت أهميتها إلى برنامج يتضمن بالفعل أهدافًا واسعة، بقدر ما يتطلب بإعادة هندسة الالتزامات القائمة. فالقابلية الفعلية للقياس تظل مرتبطة بخطوط أساس واضحة، وآجال محددة، وبرمجة مالية منشورة، ومسؤوليات مؤسساتية قابلة للتتبع. كما أن استدامة الدولة الاجتماعية لا تتحقق بزيادة المنافع وحدها، بل بقدرة الاقتصاد والمالية العمومية والمؤسسات الاجتماعية على تمويلها وضمان استمرارها.
وبهذا المعنى، فإن التحدي الذي يواجه الحكومة ليس الاختيار بين الطموح الاجتماعي والانضباط المالي، بل بناء معادلة تضمن توسيع الحماية وتحسين الخدمات من دون الإخلال باستدامة تمويلها، وتربط الدعم بالإدماج، والتغطية بالجودة، والإنفاق بالأثر، والالتزام بالمحاسبة.
وسيكون نشر البرمجة التنفيذية والمالية خلال سنة الإرساء الاختبار الأول لصدقية هذا التوجه. أما الحكم النهائي على البرنامج، فلن يتحدد بحجم الوعود الواردة فيه، بل بمدى تحوّلها إلى تحسن ملموس وقابل للقياس في حياة المواطنين، وبقدرة الدولة على ضمان استمرارية هذا التحسن وعدالة توزيعه بين الفئات والمجالات الترابية.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما تعلنه من حقوق ومنافع فحسب، بل بما تضمنه فعليًا من حماية وكرامة وفرص متكافئة، وبما تمتلكه من قدرة مالية ومؤسساتية على الوفاء بالتزاماتها عبر الزمن.
د. سعيد الشرقاوي: دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، متخصص في تحليل السياسات الاجتماعية





