بورتريه | رياضة

هشام الدكيك.. مهندس نجاح “الفوتسال” المغربي

هشام الدكيك.. مهندس نجاح “الفوتسال” المغربي

وسط فرحة المنتخب المغربي بصناعته للمجد وتربعه وحيداً على عرش “الفوتسال” في القارة الإفريقية، خطف اسم الناخب الوطني هشام الدكيك الأضواء كصانع ومهندس لإنجاز رياضي تاريخي للفوتسال المغربي الذي كان، منذ سنوات قليلة، خارج التغطية، غير أن الدكيك جاء لينير له الطريق ويضعه وحيداً في القمة.

هشام الدكيك.. اسم لم يمل من إسعاد الجماهير المغربية التي تعودت معه على تحقيق الألقاب واعتلاء المركز الأول في منصات التتويج، وهو الذي قاد “الأسود” في أربع مناسبات متتالية لرفع كأس أمم إفريقيا في رقم تاريخي إعجازي يعكس قوة المنتخب ودور الدكيك الكبير في بناء منظومة رياضية متكاملة مبنية على أسس متينة ومشروع واضح.

من هو الدكيك؟

هو المدرب الذي وصفه الاتحاد الدولي لكرة القدم بالخبير الاستراتيجي، والحاصل على شهادة الإجازة في الاقتصاد، والمولود في 6 ماي 1972، والبالغ من العمر 54 سنة. وهو الذي فتح عينيه لأول مرة بمدينة القنيطرة التي لا شك أنها أسهمت فيما وصل إليه الدكيك اليوم، باعتبارها مسقط رأسه ومهد تاريخ كرة القدم داخل القاعة “الفوتسال” في المغرب.

ومن بين أزقة مدينة القنيطرة نفسها، وفي سنة 1990، دخل الدكيك أول كرة لعالم “الفوتسال” من بوابة فريق أجاكس القنيطرة، الذي يُعتبر المهد الحقيقي واللبنة الأولى التي انطلقت منها رياضة كرة الصالات في المغرب، وهو نفس الفريق الذي تذوق معه الدكيك طعم الألقاب والإنجازات التي لم يكن آنذاك يعلم أنه سيمنحها لما بقي من حياته.

وبرفقة مجموعة شابة، ملأ فريق أجاكس القنيطرة خزينة ألقابه بشتى ألوان الكؤوس والبطولات المحلية والقارية والدولية التي كان الدكيك آنذاك جزءاً منها. غير أنه ووسط هذه السلسلة من الألقاب والإنجازات المهمة والبارزة التي حققها الدكيك رفقة فريق أجاكس القنيطرة، شارك في بطولة كأس العالم لكرة القدم داخل الصالات (FIFUSA) في الأرجنتين عام 1994، حيث قام بتمثيل المغرب مع الفريق، كما شارك في بطولة أمم أوروبا للصالات بعد تمكين المغرب من الانضمام إلى البطولة.

وبعد طيه لصفحة مشواره كلاعب، رفض الدكيك إغلاق كتاب علاقته بالمستديرة، ليبدأ كتابة فصل جديد من مشواره كمدرب انطلق من “عاصمة الغرب” مسقط رأسه، ليدرب فريق “كاك” القنيطرة لكرة القدم داخل الصالات، والذي حقق معه نجاحاً كبيراً أنذر بولادة نجم جديد في سماء كرة القدم داخل القاعة.

بداية بدموع

وعلى عكس ما يتوقع الكثيرون، لم تكن بداية هشام الدكيك رفقة المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة مفروشة بالورود، ولا معبدة بالدعم والمساندة، وإنما كان عنوانها الدموع والمعاناة والتهميش؛ فمن هو اليوم قائد ملحمة استثنائية رفقة المنتخب كان في وقت ما من غير المرغوب فيهم، وممن وضعوا في لائحة سوداء لا لشيء سوى لرغبته في التطور والنجاح.

وفي مشهد مليء بالدموع، سبق أن كشف الدكيك عن معاناته قبيل توليه لقيادة “الأسود” قائلاً: “أذكر أنه في الماضي، كنت أحضر إلى مقر الجامعة كل يوم من الساعة الثامنة صباحاً وأنا أنتظر فقط لخوض تجمع تدريبي للمنتخب الوطني، وأظل في الانتظار إلى غاية السادسة مساء هناك، وأنا أسمع أحياناً من يقول: هل مازال ذاك الشخص ينتظر هناك…”.

بدون راتب، وبدون منح أو حوافز مالية، وبإمكانات بسيطة جداً فرضت عليه تحمل نفقات تنقلاته بين مختلف ربوع المملكة، ودفعته في أكثر من مرة للتكفل بتوفير المعدات والألبسة الرياضية للمجموعة الوطنية من ماله الخاص؛ هكذا كانت بداية ابن “الغرب” الذي توقع له الجميع الفشل، غير أنه بصبره وإيمانه بنجاحه ناضل لتحقيق حلمه.

وعند توليه لقيادة العارضة الفنية للمنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة سنة 2010، كان مشوار الدكيك قاب قوسين أو أدنى من النهاية، بعدما تعرض لحادثة سير مروعة في الطريق السيار قرب مولاي بوسلهام كادت أن تقضي على حياته عندما كان متقلاً إلى مدينة تطوان لمتابعة بعض اللاعبين، وهو ما فرض عليه المكوث في المستشفى لأسابيع طويلة إثر إصابة بليغة على مستوى العنق.

الدكيك.. منقذ الفوتسال المغربي

كان المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة قبيل قدوم هشام الدكيك يحتل المركز 102 في التصنيف العالمي، ويعيش أسوأ فتراته في التاريخ، بدون رؤية، وبدون مشروع، وبدون طموح، في وضعية وصفها أعضاء الجامعة بالقنبلة الموقوتة؛ غير أن الدكيك أجاب بثقة: “فقط أرموا لي هذه القنبلة، وأنا سأريكم كيف أجعلها نجمة”.

وبأسلوبه الخاص وفكره التكتيكي المتميز الذي لا زال يرافقه إلى اليوم، نجح هشام الدكيك سريعاً في حصد ثمار مجهوداته، والتي كان أولها تمكنه سنة 2012 من تأهيل المنتخب المغربي لأول مرة لمنافسات كأس العالم بتايلاند.

غير أن نقطة التحول الحقيقية في مسار هشام الدكيك ومسار الفوتسال المغربي جاءت سنة 2014، ليس من داخل الملاعب، ولكن من داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بعدما تولى فوزي لقجع الرئاسة، لتتغير النظرة لهذه الرياضة وتحظى بالمزيد من الاهتمام والدعم من طرف المسؤولين الذين عززوا ثقتهم في هشام الدكيك ووفّروا له ما كان يحتاج إليه من إمكانات مادية ولوجيستية سرعت تحقيق حلمه وولادة عهد جديد لرياضة الفوتسال.

وفي سنة 2016، وبعد كل ما عاناه ومرّ منه، وجد الدكيك نفسه أمام أول تحدٍّ قاري له بتواجده في منافسات كأس أمم إفريقيا المقامة بجنوب إفريقيا، وهي النسخة التي كانت أول حصاد للمنتخب المغربي ولهشام الدكيك بعدما تمكن المنتخب من التتويج باللقب على حساب بطل البطولة في 3 مناسبات متتالية، المنتخب المصري، في مباراة قوية حسمها “الأسود” بصعوبة بنتيجة (3-2).

وكان هذا الانتصار وهذا التتويج أول قطرات شلالات نجاح هشام الدكيك الذي عاد سنة 2020 ليحرز اللقب الثاني لـ”الأسود” بعدما عاود مواجهة المنتخب المصري في المباراة النهائية التي أقيمت بمدينة العيون، غير أنه لم يفرص فرصة “للفراعنة” للتألق بعدما أسقطهم بخماسية مدوية بدأ معها الفوتسال المغربي يزحف بهدوء ليحتل العرش القاري.

وفي “كان” 2024، وعلى غرار باقي السنوات، دخل المنتخب المغربي كمرشح أول لتحقيق اللقب، وهو بالفعل ما كان بعدما واجه ولأول مرة المنتخب الأنغولي في الدور النهائي ليسقطه بخماسية وضعته بالمساواة مع “الفراعنة” في عدد الألقاب، قبل أن يعود “الأسود” في نسخة 2026 ليتمكنوا من تكرار الفوز على المنتخب الأنغولي بنتيجة (5-2) في سهرة استثنائية رفع فيها “الأسود” لقبهم الرابع توالياً وجلسوا رسمياً على عرش المجد القاري.

ولم تتوقف ألقاب “الأسود” مع الدكيك عند حدود القارة الإفريقية، إذ نجح في تحقيق أول بطولة لكأس العرب سنة 2021 بمصر بعد الفوز على المنتخب المصري في النهائي برباعية نظيفة، ليعود سنة 2023 لإعادة رفع اللقب بعد فوزه على حساب المنتخب العراقي في النهائي بثلاثية نظيفة، ليؤكد تفوقه عربياً بتتويجه بلقب ثالث فض به الشراكة مع المنتخبين المصري والليبي اللذين توقف رصيدهما عند لقبين.

كما تمكن الدكيك أيضا من قيادة المنتخب المغربي للفوز بلقب كأس القارات سنة 2022 عقب إطاحته بالمنتخب الإيراني في نهائي صعب لم يحسم سوى بركلات الترجيح التي ابتسم للدكيك.

المونديال.. التحدي الأصعب

وبعد موندالي التايلاند 2012، نجح الدكيك في ضمان مشاركة المنتخب المغربي بشكل متوالٍ في البطولة؛ فكانت المشاركة الثانية في مونديال كولومبيا 2016 الذي عرف أيضاً خروج المنتخب من الدور الأول.

غير أن مشاركة “الأسود” في مونديال ليتوانيا سنة 2021 كانت مختلفة، إذ تمكن الدكيك من إعداد فريقه للبصم على مشاركة تاريخية وصل فيها “الأسود” إلى الدور ربع النهائي بعد عبور دور المجموعات ثم الإطاحة بمنتخب فنزويلا في ثمن النهائي، قبل أن يودعوا البطولة على يد المنتخب البرازيلي بنتيجة (1-0). ليعودوا في سنة 2024 إلى مونديال أوزبكستان الذي عرف التأهل إلى ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية على التوالي، قبل الخروج على يد البرازيل بنتيجة (3-1).

وبعد مسوار يسير نحو عامه الـ17، نجح الدكيك في الوفاء بوعده، واستطاع تحويل القنبلة التي كانت تحتل المركز 102 إلى نجم يسطع في المركز السادس وسط خيرة منتخبات العالم، ليواصل الدكيك تأكيد نجاحه كواحد من أبرز رموز كرة القدم داخل القاعة؛ ذلك أن اسمه أضحى مقترناً بهذه الرياضة باعتباره أول من زرع بذور هذا المشروع الذي سقاه بالصبر، والطموح، والانضباط، والعمل، ليجني اليوم ثماره، ليس فقط كألقاب وميداليات، بل كاحترام وتقدير وحب من طرف الجماهير المغربية التي ترى في الدكيك قدوة حقيقية ومدرباً استثنائياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News