55 مقعداً فقط.. هل يعيش اليسار المغربي أزمة سياسية؟

55 مقعداً فحسب لـ4 أحزاب تمثل الطيف اليساري بالمغرب من أصل 395 مقعداً بمجلس النواب، أي بتمثيلية تقل عن %14. صحيح أنّ التشكيلات اليسارية الأربع المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026 ليست على قلب واحد، حتى في نتائجها، فثمّة من ضاعف مقاعده بنسبة 300%، وآخرٌ خرج ضمن أكبر الخاسرين، بينما يجد ثالث ورابع عُسراً في تحسين مواقعهما، ما يجعل الحديث عن “أزمة” داخل اليسار المغربي سؤالاً إشكالياً.
وعرفت الانتخابات التشريعية الأخيرة كسب أربعة أحزاب يسارية 55 مقعداً تفاصيلها؛ 26 مقعداً للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، 19 مقعداً لحزب التقدم والاشتراكية، 8 مقاعد لتحالف اليسار، الذي يضم كلا من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، وأخيراً، مقعدين لجبهة القوى الديمقراطية.
وإذا كانت أحزاب “تحالف اليسار” قد ضاعفت مقاعدها 4 مرات (من مقعدين في 2021 إلى 8 مقاعد في 2026)، فقد نزف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 23.53% من تمثيليته بعدما انتقل من 34 إلى 26 مقعدا، كما تراجع حزب التقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا، بانخفاض نسبي قدره 13.64%، أما جبهة القوى الديمقراطية فتراجعت من 3 إلى مقعدين، بانخفاض نسبي قدره 33.33%.
الأرقام تقول إنه باستثناء أحزاب “تحالف اليسار”، فقد تراجعت تمثيلية “اليسار” بمجلس النواب، ولا يبدو أنّ الحدث قد مرّ مرور الكرام دون إحداث هزات داخل التنظيمات اليسارية، خصوصاً الاتحاد الاشتراكي الذي صرّح كاتبه الأول، إدريس لشكر، بأن النتائج “فاجأته”، في وقت وصف الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بن عبد الله، النتائج بـ”المُخيبة للآمال”.
القراءات تختلف، بين من يَرى أن اليسار المغربي، بشكل عام، قد دخل مُنذ انهيار جدار برلين ومعه “المعسكر الاشتراكي” في بداية تسعينيات القرن الماضي سيرورة لا رجعة فيها من التراجع، بعدما ظل مهيمناً على المشهد طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. وآخرون يفضلون الحديث عن مُشكلة تنظيمات بعينها، “زاغت عن الاتجاه اليساري” وهي تحصد الآن تداعيات ذلك، مستدلاً على الأمر بالنجاح النسبي لأحزاب “تحالف اليسار”.
وفي هذا الصدد، يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد السلام شادي البراق، أن “هذه النتائج الرقمية الصادمة لا تشكل كبوة سياسية عابرة، بل تؤشر على تآكل حاد وبنيوي في القواعد الانتخابية التاريخية لليسار الكلاسيكي (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية)”.
وأوضح أن هذا التراجع الدراماتيكي لا يمكن اختزاله في تعثر تنظيمي أو لوجستي، بل هو إعلان صريح عن أزمة تمثيلية حادة وفقدان تام للقدرة على الاستقطاب داخل الحواضر الكبرى وبين فئات الشباب.
وفي المقابل، يضيف المتحدث ذاته، “يعد الاختراق المحدود الذي حققه تحالف اليسار بحصده 8 مقاعد في المدن الكبرى يحمل رسالة عقاب مزدوجة؛ فهو يثبت أن خزان الناخب التقدمي يبحث عن خطاب أكثر راديكالية ووضوحا وصدامية مع تغول المال السياسي، وفي نفس الوقت يوجه رسالة واضحة لنخبة اليسار التقليدي التي استنزفت رصيدها التاريخي في لغة المهادنة والمساومات السياسية”.
“نحن اليوم أمام مشهد سياسي مغربي يعاني من اختلال بنيوي صارخ في تكافؤ الفرص؛ حيث وجدت أحزاب اليسار، ببرامجها الأيديولوجية الكلاسيكية وأدواتها التقليدية، نفسها في مواجهة غير متكافئة مع ماكينات انتخابية عابرة للجهات يقودها رجال أعمال وأعيان جدد يمتلكون شبكات نفوذ مالي وقبلي عابرة للمؤسسات المنتخبة”. يؤكد البراق، مضيفاً أن هذا الزواج البراغماتي بين المال والسياسة نجح في تحويل التنافس الديمقراطي من صراع برامج وأفكار ورؤى مجتمعية إلى بورصة للإمكانيات واللوجستيك وتسليع الأصوات.
وبالنسبة للباحث ذاته، فإن هذه المعطيات هي التي جعلت الخطاب اليساري النخبوي يبدو معزولا داخل صالوناته الفكرية، وعاجزا عن اختراق الهوامش والقرى التي استغلت التحالفات المالية حاجتها وحولت وعيها عبر حلول ريعية لحظية بدل البرامج التنموية الاستراتيجية.
ومن جانب آخر، يقول البراق، فإن هبوط نسبة المشاركة الوطنية إلى 38.02% هو استفتاء شعبي صامت يعكس عمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة؛ “هذا الانكفاء الواسع من طرف الكتلة الناخبة الواعية والنخب الحضرية شكل الهدية الكبرى لشبكات المصالح والكارتيلات المالية؛ إذ إن إخلاء الساحة من الأصوات الحرة والمستقلة يترك المجال مفتوحا بالكامل لمحترفي الانتخابات القادرين على توجيه الأصوات عبر الولاءات التقليدية والمال السياسي، مما شرعن هيمنة التحالفات الليبرالية والمالية على الخريطة التشريعية وصياغة القوانين”.
وبناء على هذه القراءة الاستراتيجية، يقف اليسار المغربي اليوم أمام حتمية تاريخية وجودية: إما الاندماج الفوري الشجاع في جبهة ديمقراطية موحدة وعريضة، أو مواجهة الفناء السياسي الفعلي والاندثار تحت أقدام تحالفات المال والسياسة؛ “إذ إن تشتت الحصيلة الحالية يجرد اليسار من أي قدرة على تشكيل قوة ضغط أو كتلة حرجة قادرة على كبح القوانين التي تخدم القوى الرأسمالية على حساب الدولة الاجتماعية” وفقا للمحلل السياسي.
وخلص المتحدث ذاته إلى أن المعركة القادمة لليسار “لم تعد معركة صناديق اقتراع ومقاعد، بل هي معركة استرداد الفضاء العام من الهيمنة المطلقة لشبكات المصالح، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي بمفهومه الفكري، الأخلاقي، والنبيل كأداة للتغيير المجتمعي لا للتسلق المجتمعي”.





