رأي

الجزائر” الجديدة “.. الثقة المطلقة في الذات خدعة مطلقة

منذ مدة وأنا أحرص من منطلق المهتم على الاستماع إلى عدد من الإذاعات الدولية ومشاهدة قنوات مختلفة وقراءة صحف ومواقع إخبارية وموضوعاتية. وطبيعي جدا إذا أردت إنجاز هذه المهمة، يتعين عليك أن تخصص وقتا لايستهان به، قد يكون على حساب انشغالات والتزامات كثيرة.

لكن أحيانا تتحول هذه البلية إلى مصدر إزعاج وتعكير للمزاج. هذا الصباح تابعت ثلاث إذاعات؛ مونت كارلو الدولية وبي بي سي عربية، والثالثة وهي بيت القصيد الإذاعة الدولية الجزائرية. ومن سوء حظي صادفت برنامجا حواريا في جزئه الأخير، قال منشطه إنه سياسي، وكان حديث الضيوف يدور حول تقرير البنك الدولي الذي زلزل السيستيم في الجزائر، عندما تحدث عن أن هذه الأخيرة، واستنادا إلى عدد من المؤشرات، ستعيش زلزالا اقتصاديا سنتة 2022.

الكل ربما اطلع على ماكتبته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية في ردها على ماوصفته بـ”التقرير الأرعن والمضلّل” والذي يسعى إلى تركيع الجزائر والتطاول على سيادتها، وما دامت الجزائر هي الجزائر العظمى، البلد الذي يتوفر على أقوى المنظومات الصحية والتعليمية والاقتصادية وثروات الغاز والنفط والفلاحة والشمس والريح والتاريخ والذاكرة والعراقة والأصالة والأنفة والكبرياء والعظمة، فإن البنك الدولي أخطأ العنوان والتسديد، وكان عليه أن يتحدث عن البلد الغربي -المغرب-.

فحسب نفس الوكالة، فقد حاد البنك العالمي عن إطاره كمؤسسة مالية دولية ليتحول إلى أداة للمناورة والدعاية من خلال نشر معلومات مغرضة ومضللة حول الوضع الاقتصادي في الجزائر، و الأدهى من ذلك، تضيف الوكالة العجيبة ذات المهنية العالية، أنّ البنك العالمي قد أشار إلى الفقر في الجزائر في الوقت الذي تغاضى فيه عن وضعية الهشاشة المأساوية وحتى الخطيرة والمدمرة في دولة جارة من الجهة الغربية”.

وبرأي الوكالة، توجد وراء هذه المؤامرة لوبيات بعينها تدعم مؤسسة البنك الدولي، وربما تقدم لها تقارير مغلوطة عن الوضعية المالية للجزائر، بهدف زعزعة الاستقرار الذي تعرفه الجزائر.

وتفاعلا مع هذا السلوك الصحافي العجيب والتعليق الغريب، استنتج ضيوف الإذاعة الجزائرية الدولية، أن البنك الدولي يسعى من خلال تقريره إلى نسف القمة العربية، التي ستحتضنها الجزائر في شهر مارس المقبل وإجهاض لقاء المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، الذي يرعاه النظام الجزائري، وشل الاختراقات الجيوستراتجية التي حققتها الدبلوماسية الجزائرية في القارة الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل وجنوب الصحراء، وأيضا التشويش على الفرحة التي اجتاحت الشعب الجزائري بعد فوز منتخبها الرديف في كرة القدم بكأس بطولة العرب 2021 التي احتضنتها دولة قطر، حيث أصبحوا تأسيسا على هذا الفوز أسيادا للعرب كما كتبت إحدى الصحف الجزائرية.

وكون الجزائر حققت إنجازات دبلوماسية غير مسبوقة منذ أن أصبح الرئيس عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية، حيث انتقلت من موقع المتفرج وردة الفعل إلى القيام بالفعل، سواء داخل الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو في المنطقة المغاربية، حيث أكد الضيوف أن الحل هناك يوجد بيد الجزائر أو في مجموعة دول عدم الانحياز، وكون الرئيس تبون سن توجها جديدا في العلاقات مع الدول قائم على الندية والوقوف بجرأة وشجاعة وأنفة في وجه المتطاولين على الجزائر العظمى، فإن البنك الدولي غاضه هذا الموقع المتميز للجزائر واستفزته الفتوحات التاريخية التي تحققت في ظرف سنتين بفضل حنكة وبعد نظر الرئيس تبون.

لكن، وكما قال ضيوف الإذاعة الجزائرية، فإن عظمة الجزائر تعود أساسا إلى وجود جيش قوي وعتيد، وإلى القيم والمبادىء الثابتة التي تستند إليها دبلوماسيتها، خاصة عندما تجمع في خانة واحدة بين الشعب الفلسطيني وما يسمى بـ”الشعب الصحراوي” دفاعا عن حق تقرير مصيرهما.

ليخلص ضيوف الإذاعة الجزائرية إلى مركزية الإعلام في معركة الجزائر الوجودية، عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وإعلاميا وثقافيا، متلاحمين في ذلك ومتقاطعين مع تصورات واختيارات النظام السياسي-العسكري ومع استراتجيته الجديدة القاضية بتعبئة ودعم وتجييش كل وسائل الإعلام المحلية لتقف بالمرصاد في وجه الحملات الإعلامية، والأخبار المضلّلة، خاصة تلك القادمة من الدولة الغربية -المغرب-، العدو الكلاسيكي والمركزي والتاريخي للسيستيم، والذي للأسف أقنع بهذه الأسطوانة الملغومة والمضللة فئات واسعة من المجتمع الجزائري، وأجيالا خضعت لعملية شحن وتلقيح إيديولوجية وبجرعات عالية على امتداد عقود.

بكل صدق، لم أعد أجد أي مسوغ أو مبرر ،لتبديد الوقت وهدر الطاقة في الكتابة عن سلوكات ومواقف وخطابات وأوهام نظام بلغ درجة متقدمة من الخبل والجنون والهلوسة والانفعال والعدوانية المجانية والاندفاع الأرعن لقصم ظهر المغرب الذي تحول إلى وسواس قهري بالنسبة للنظام الجزائري، وكسر عظامه وعرقلة نموه، وتأليب دول المنطقة ضده عبر تنشيط سياسة المحاور واستعمال الإغراءات المالية، وتسويق أضغاث أحلام تنمية سرابية في المناطق الحدودية، وتقديم النظام الجزائري على أنه غول استراتجي ودينامو محوري في إفريقيا والعالم، وقوة ضاربة لا تقهر قادرة على اجتراح المعجزات الجيوستراتجية والاقتصادية، وإرساء دعائم السلام والأمن في مالي والنيجر وليبيا، وحماية تونس من أي خطر إرهابي أو ردة ديمقراطية. فقيس سعيد يحق له الآن أن يتموقع كما يشاء، ويتخندق بكل ارتياح في صف تبون الرئيس المنتخب “ديمقراطيا” في جمهورية يحكمها نظام عسكري يكرس وقتا مهما للحديث عن الإنجازات الديمقراطية للجزائر الجديدة -القديمة وحث الشعب على التلاحم والتماسك، بما في ذلك منتخب كرة القدم، لأن أي انتصار هو انتصار للمؤسسة العسكرية، وإلا كيف يمكن أن نفسر نفسيا وسيميائيا وسياقيا، تلك الصورة التي يمسك فيها الفريق السعيد شتقريحة رئيس أركان الجيش الجزائري بكأس العرب ويداعبها بسعادة لانظير لها، وتصفيقات الرئيس تبون ووجوه أخرى تنهال عليه عربون ولاء ووفاء وإخلاص. أليس هو القائل “إن لقب كأس العرب هدية ثمينة للشعب الجزائري وهو رد قوي وصريح على أعداء الأمس واليوم وعلى كل من يحاول التشكيك في وحدة هذا الشعب وغيرته الكبيرة على وطنه”.

ومالم يدركه النظام في الجزائر، هو أنه ليس هناك تاريخ مطلق خال من التعثرات والأخطاء والمطبات، وليس هناك أمة متعالية على التاريخ والمجال ومفصولة عن مكوناتها الاجتماعية والثقافية ومقوماتها الاقتصادية، فالثقة المطلقة في الذات وفي ماتملكه من قدرات وإمكانيات، خدعة مطلقة، وقد يكون هو أصل كل مآسي وتصدعات وشروخ هذه الذات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *