سباق 23 شتنبر | سياسة

من البرلمان إلى قمة الأحزاب المغربية.. لماذا تتعثر النساء في طريق القيادة؟

من البرلمان إلى قمة الأحزاب المغربية.. لماذا تتعثر النساء في طريق القيادة؟

أعاد استمرار محدودية وصول النساء إلى قمة الهرم القيادي داخل الأحزاب المغربية، رغم تنامي حضورهن في البرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة، النقاش حول طبيعة آليات إنتاج النخب السياسية وتوزيع مراكز القرار داخل التنظيمات الحزبية، في وقت تبرز فيه فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، كإحدى أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي المغربي.

وفي هذا السياق، يرى أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن تحليل ضعف وصول النساء إلى قيادة الأحزاب يقتضي التمييز بين مستويين، يتعلق الأول بالتمثيلية السياسية للنساء، فيما يرتبط الثاني بالسلطة السياسية الفعلية التي تمارس داخل التنظيمات الحزبية.

وأوضح البوز في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدما واضحا على مستوى حضور النساء في البرلمان والحكومة والجماعات الترابية، غير أن هذا التقدم “لم يتحول بالقدر نفسه إلى إعادة توزيع لمراكز القوة والسلطة داخل الأحزاب السياسية”.

واعتبر أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية أن الإشكال يرتبط أساسا بـ”اختلال في آليات تجديد النخب وتوزيع السلطة داخل الأحزاب السياسية”، أكثر مما يتعلق بمجرد ضعف في التمثيلية النسائية، مشيرا إلى أن الأحزاب المغربية، رغم اختلافاتها، ما تزال تعاني نوعا من المحافظة في إنتاج النخب القيادية.

وبحسب البوز، فإن الوصول إلى قمة التنظيم الحزبي لا يرتبط دائما بالكفاءة أو الحضور الانتخابي، وإنما يتطلب أيضا تراكم شبكات النفوذ، والقدرة على بناء التوازنات الداخلية، والتحكم في التنظيم، والامتداد داخل البنيات المحلية والجهوية، وهي مجالات قال إنها ظلت تاريخيا أكثر انفتاحا أمام الرجال.

ولفت المتحدث إلى أن وجود امرأة في البرلمان أو الحكومة أو على رأس جماعة ترابية لا يعني بالضرورة وصولها إلى “النواة الصلبة” التي تصنع القرار داخل الحزب، معتبرا أن الكوتا والآليات القانونية قادرة على فتح الباب أمام النساء، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة هندسة السلطة داخل التنظيمات السياسية.

وأكد البوز أن المطلوب هو الانتقال من منطق إدماج النساء في المؤسسات إلى منطق تمكينهن من مراكز القرار، مبرزا أن ضعف وصول النساء إلى قيادة الأحزاب لا ينبغي أن يقرأ باعتباره انعكاسا آليا لضعف المشاركة النسائية، خصوصا أن النساء أصبحن حاضرات وتتراكم لديهن التجربة الانتخابية والحكومية، بينما لا تزال آليات تحويل هذه الخبرة إلى قيادة حزبية وطنية محدودة.

وأضاف في حديثه للجريدة أن الرهان المقبل يرتبط بـ”تجديد النخب الحزبية نفسها”، وليس فقط برفع نسبة النساء في اللوائح الانتخابية والبرلمانات.

وفي المقابل، لم يغفل البوز الإشكالات المرتبطة بالتمثيلية النسائية نفسها داخل المؤسسات، موضحا أن النقاش لا يتعلق من حيث المبدأ بضرورة حضور النساء في الحياة السياسية والمؤسسات المنتخبة، وإنما أيضا بالكيفية التي تنتج بها هذه التمثيلية والمعايير التي تتحكم في الوصول إليها.

وأشار إلى أن الحضور النسائي لا يبدو دائما محكوما بالكفاءة والخبرة والمسار النضالي داخل الأحزاب، بقدر ما تتداخل في تحديده أحيانا عوامل أخرى، من بينها الانتماءات العائلية والشبكات الشخصية وموازين النفوذ داخل التنظيمات.

وحذر أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية من تطور أكثر إثارة للقلق، يتمثل في تداول معطيات أو اتهامات تتحدث عن شراء التزكيات، معتبرا أن ذلك قد يحول التزكية الحزبية من آلية لاختيار من تتوافر فيهم شروط التمثيل السياسي إلى مجال يمكن أن تتدخل فيه اعتبارات المال والنفوذ والمصالح.

وفي ما يتعلق بفاطمة الزهراء المنصوري وإمكانية تحولها إلى أول امرأة تنافس فعليا على رئاسة الحكومة، يرى البوز أن حالتها تكتسي أهمية خاصة، ليس لأنها تمثل بالضرورة مسارا مختلفا عن غيرها من النساء في السياسة المغربية، وإنما لأن مسارها السياسي يتيح الانتقال من سؤال التمثيلية النسائية إلى سؤال التنافس على رئاسة الحكومة.

وأوضح أن المنصوري راكمت تجربة في مستويات متعددة، من رئاسة جماعة مراكش والعمل البرلماني إلى التجربة الحكومية، ثم قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى القيادة الجماعية التي اختارها الحزب في مؤتمره الخامس سنة 2024.

غير أن البوز شدد على أن قراءة هذا المسار لا ينبغي أن تتحول إلى “قراءة احتفالية بالسيرة السياسية”، كما أن تراكم المناصب لا يشكل دليلا تلقائيا على الاستحقاق، موضحا أن تقييم أي شخصية سياسية لا يقوم فقط على المواقع التي شغلتها، وإنما أيضا على حصيلتها فيها، وعلى الشرعية التي راكمتها داخل حزبها وخارجه، وعلى طبيعة الحزب الذي وصلت إلى قيادته ومساره السياسي والتنظيمي.

وبناء على ذلك، اعتبر البوز أن المنصوري يمكن أن تكون اسما قابلا للدخول في دائرة النقاش حول رئاسة الحكومة، لكن ذلك يظل “احتمالا سياسيا لا استحقاقا محسوما”، مذكرا بأن الدستور يجعل نتائج الانتخابات نقطة الانطلاق، إلى جانب موقع الحزب داخل مجلس النواب، قبل تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء المجلس، وفق الفصل 47.

ويرى المتحدث أن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت المنصوري تمتلك المؤهلات لرئاسة الحكومة، وإنما أيضا بما إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قادرا على تصدر الانتخابات، وإذا تحقق ذلك، ما إذا كان موقعها داخل الحزب سيسمح بتحويل هذه الإمكانية إلى استحقاق فعلي.

وتزداد الصورة، بحسب البوز، تعقيدا بالنظر إلى معطيين أساسيين، أولهما اختيار حزب الأصالة والمعاصرة القيادة الجماعية وعدم الحسم في قائد مباشر للحزب، وهو ما “يشوش كثيرا” على تحديد من سيكون رئيسا للحكومة من الحزب في حال تصدره النتائج، وثانيهما حضور فوزي لقجع داخل الحزب، إذ يصعب، وفق المتحدث، فصل التحاق هذا “الوافد الجديد” عن النقاش المتعلق بالاستحقاقات والرهانات السياسية المقبلة، بما في ذلك رئاسة الحكومة.

وفي خلاصة قراءته، اعتبر البوز أن أهمية حالة المنصوري تتجاوز شخصها، لأنها تطرح سؤالا أوسع يتعلق بما إذا كانت المشاركة النسائية في المغرب قد انتقلت من مجرد الحضور داخل المؤسسات إلى التنافس الفعلي على مراكز السلطة العليا.

وأكد أن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون مسبقة، وإنما يتعين أن تحسمها نتائج الانتخابات والحصيلة السياسية والتوازنات التي ستفرزها الاستحقاقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News