ترانسبارانسي المغرب: محاربة الفساد تتبوأ موقعا مركزيا في برامج الأحزاب

أظهرت قراءة أولية أنجزتها الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبارانسي المغرب” لبرامج الأحزاب السياسية الانتخابية، بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، أن ملف النزاهة ومحاربة الرشوة والفساد وتضارب المصالح يتبوأ موقعا مركزيا في الخطاب السياسي والالتزامات الموجهة للناخبين، مع اختلاف الأحزاب في طريقة تقديمه ومستوى تفصيل الإجراءات المقترحة بشأنه.
وأوضحت الجمعية، خلال ندوة صحفية، اليوم الأربعاء، أن هذه القراءة تهدف إلى “استكشاف مدى اهتمام كل حزب على حدة بقضايا محاربة الفساد وما هي المقترحات المدرجة في هذه البرامج حول مختلف القضايا المتعلقة بتشييد منظومة وطنية للنزاهة”.
واعتبرت “ترانسبارانسي المغرب” أن تعزيز النزاهة ومحاربة الرشوة والفساد وتضارب المصالح يمثل “شرطا أساسيا لبناء دولة الحق والقانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار المنتج، واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات والعمل السياسي”.
وخلصت الجمعية إلى أن البرامج الانتخابية للأحزاب تتضمن تشخيصا للآثار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية للفساد واقتصاد الريع، وهو ما جعل الملف، بحسب التقرير، “يتبوأ موقعا مركزيا في الخطاب السياسي والالتزامات الموجهة للناخبين”.
وفي السياق نفسه، رصدت “ترانسبارانسي المغرب” مستوى تفاعل الأحزاب السياسية مع الرسالة التي وجهتها إليها بشأن مواقفها من عدد من القضايا المرتبطة بالنزاهة ومحاربة الفساد. وأفادت الجمعية بأن أربعة أحزاب فقط ردت على مراسلتها إلى غاية 15 شتنبر، ويتعلق الأمر بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، بينما لم تتوصل بردود من التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والاتحاد الدستوري، وجبهة القوى الديمقراطية.
حضور متفاوت لمحاربة الفساد في البرامج
وسجلت الجمعية اختلافا بين الأحزاب في طريقة إدراج ملف محاربة الفساد ضمن برامجها الانتخابية، إذ خصص بعضها محاور وفصولا مستقلة ورئيسية لمحاربة الفساد والريع والإثراء غير المشروع، بينما أدرجته أحزاب أخرى ضمن محاور أوسع تتعلق بالحكامة والتنمية الاقتصادية وتحديث الإدارة والقدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، خصص حزب الاستقلال المحور الثاني من برنامجه لـ”محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح”، معتمدا سياسة “صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح”، وفق ما أوردته الجمعية.
أما تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، فخصص محورا بعنوان “تطهير الدولة والمجتمع من الفساد والريع: تجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع واسترجاع الأموال المنهوبة”.
بدوره، أدرج حزب التقدم والاشتراكية شقا أساسيا بعنوان “نفس ديمقراطي جديد ورفض تام ومطلق للفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع”، وجعل “تخليق الحياة العامة من خلال إرساء سياسة حازمة لعدم التسامح مطلقا إزاء الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع” هدفه الرئيسي الثالث.
وأفرد حزب العدالة والتنمية قسما بعنوان “تعزيز الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد” ضمن محور الإصلاح السياسي، كما وضع بند “محاربة الفساد وتنازع المصالح واقتصاد الريع” في صدارة محوره الاقتصادي.
من جهته، أدرج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محاربة الفساد كالتزام منفرد ضمن عشرين التزاما، تحت عنوان “الفساد خط أحمر”.
وفي المقابل، أدرج الاتحاد الدستوري محاربة الريع والاحتكار ضمن بند “تعزيز المنافسة الشريفة ومحاربة الريع والاحتكار” في التزامه الاقتصادي الأول، فيما تناولت جبهة القوى الديمقراطية الموضوع كتدبير فرعي ضمن “الورش الاستراتيجي الخامس: الميثاق الوطني للنهوض بالمقاولة وتحديث الدولة الحاضنة”.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فأدرج تدابير مرتبطة بالنزاهة ومحاربة الفساد ضمن “ميثاق القدرة الشرائية” و”ميثاق النمو والاستدامة”، دون تخصيص محور مستقل للموضوع.
وبخصوص الحركة الديمقراطية الاجتماعية، أشار التقرير إلى أن برنامجها ينص على الالتزام بـ”احترام القانون” كقيمة أساسية، وترسيخ الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص، دون تقديم تفاصيل إجرائية إضافية بشأن محاربة الفساد.
أما التجمع الوطني للأحرار، فلاحظت الجمعية أن “المقتطفات المتاحة في المصادر تركزت على التزامات دعم القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية… دون إيراد بنود تفصيلية مخصصة لمكافحة الفساد”.
وسجلت الملاحظة ذاتها بشأن بعض المقتطفات المتاحة من برامج الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث أفادت الجمعية بأنها “تقتصر على عناوين عامة أو موجزات لم تتناول التفاصيل الإجرائية المتعلقة بملف محاربة الفساد والرشوة”.
أربعة أبعاد مشتركة
ورغم اختلاف طريقة تناول الملف، رصدت “ترانسبارانسي المغرب” أربعة أبعاد إجرائية وتشريعية رئيسية قالت إنها تشكل “القاسم المشترك في الخطاب الحزبي”.
ويتمثل البعد الأول في التأطير التشريعي والمنظومة القانونية، من خلال مقترحات لتجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع في القانون الجنائي، إلى جانب توسيع التصريح الإجباري بالممتلكات ليشمل كبار المسؤولين والمنتخبين وذوي الحقوق.
ويرتبط البعد الثاني بتقوية هيئات الحكامة والرقابة والعدالة، عبر تعزيز أدوار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس المنافسة، والمجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن مقترحات لإحداث قضاء متخصص في جرائم المال العام وحماية المبلغين عن الفساد.
أما البعد الثالث، فيتعلق بالرقمنة وشفافية المساطر الإدارية، من خلال تعميم رقمنة الخدمات الإدارية والصفقات العمومية للحد من السلطة التقديرية، إلى جانب تطبيق قاعدة “سكوت الإدارة بمثابة موافقة”.
ويهم البعد الرابع تفكيك اقتصاد الريع وتعزيز الشفافية المالية، عبر تحويل الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات بشروط علنية، ومحاربة احتكار الأسواق، واعتماد الفوترة الإلكترونية وتتبع مسارات المال العام.
مقترحات تفصيلية
ورصد تقرير الجمعية عددا من المقترحات التفصيلية الواردة في بعض البرامج، من بينها اقتراح تحالف اليسار إحداث آلية “الصندوق الأعمى” لتدبير الأصول المالية للمسؤولين العموميين بشكل مستقل، مع تحديد فترة حياد تبلغ خمس سنوات، فضلا عن إحداث “السجل الوطني للممتلكات” الذي يقاطع معطيات المحافظة العقارية والضرائب والأبناك والبورصة.
والتزم حزب التقدم والاشتراكية، من جانبه، بإحداث صندوق للحماية القانونية والاجتماعية للمبلغين عن الفساد، وتكوين سلك قضائي متخصص في تخليق الحياة العامة.
أما جبهة القوى الديمقراطية، فقد حددت أهدافا رقمية في هذا المجال، من بينها “الارتقاء بـ20 مرتبة عالميا في مؤشر إدراك الفساد (CPI) بحلول عام 2031″، وتحقيق “1.6 نقطة نمو إضافية سنويا بفضل الحكامة والرقمنة ومحاربة الفساد”.
ويتضمن برنامج حزب الاستقلال، وفق التقرير، مقترحا بتكليف المجلس الأعلى للحسابات بالتحري ورصد الزيادة غير المبررة في الثروة، إلى جانب وضع قانون يحدد بدقة حالات التنافي في مواقع القرار وقواعد التنحي الإجباري.
وتبرز قراءة “ترانسبارانسي المغرب” أن محاربة الفساد وتكريس النزاهة حضرت في البرامج الانتخابية للأحزاب ضمن محاور والتزامات موجهة إلى الناخبين، وإن اختلفت طريقة إدراجها من حزب إلى آخر، بين تخصيص محاور مستقلة للموضوع وإدماجه ضمن ملفات أوسع، فضلا عن تفاوت مستوى التفصيل في الإجراءات المقترحة.





