“المفارقة المغربية”.. إنفاق ضخم على التعليم ونتائج ميدانية تثير القلق

في وقت تقدم فيه الأحزاب السياسية برامجها الانتخابية، وتحمل فيه ملفات التعليم وزناً خاصاً في النقاش العمومي، أصدر الباحث عبد الناصر ناجي، رئيس مؤسسة “أماكن” لجودة التربية والتعليم، كتاب “إصلاح التعليم في المغرب: تقييم العشرية 2015-2025″، في محاولة لتقديم قراءة مستقلة وموثقة لحصيلة عشر سنوات من الإصلاح التربوي، امتدت من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى القانون-الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026.
وفي تصريح لجريدة “مدار 21″، كشف عبد الناصر ناجي أن هدفه الرئيسي من تأليف الكتاب هو تقديم حصيلة تقييمية علمية ومستقلة تتجاوز منطق السرد الإداري لمنجزات الوزارات، وتعتمد إطاراً منهجياً دقيقاً، وهو الإطار المندمج لتقييم جودة التعليم (CIEQE) ولقياس مدى ملاءمة السياسات التعليمية وفعاليتها، وأثرها الحقيقي والمستدام على أرض الواقع.
وبحسب ما أكده عبد الناصر ناجي، فقد جاء الكتاب “لرصد وتفكيك ما يسمى بالمفارقة المغربية؛ حيث ضُخت إمكانيات مالية ضخمة تناهز 6 في المئة من الناتج الداخلي الخام و25 في المئة من الميزانية العامة للدولة، وهي نسب تضاهي بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ورغم توفر إرادة سياسية معلنة وترسانة قانونية طموحة، إلا أن النتائج الميدانية وظروف التعلم داخل الفصول الدراسية ظلت متواضعة ومثيرة للقلق”.
أهم النتائج والخلاصات
وأوضح الكاتب أن الإخفاق في تحقيق الأهداف الكبرى لإصلاح التعليم يرجع بالأساس إلى السياسة التي لم تتمكن طوال عشر سنوات (2015-2025) من تحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في تحسين الجودة والإنصاف والفعالية، وذلك نظراً لاستيفائها معيارين فقط من معايير الجودة الـ 32، وذلك يعد الإخفاق في 19 معياراً، وتحقق 11 معياراً بشكل جزئي، وهو ما يؤكد غياب نحو 60% من المتطلبات الأساسية لنظام تعليمي عالي الأداء.
وأضاف عبد الناصر ناجي قائلاً: “تراجعت المؤشرات الوطنية والدولية بخصوص التعليم بالمغرب؛ إذ فقد المغرب بين عامي 2019 و2023، بحسب تقييم TIMSS، نحو 67 نقطة في مادة العلوم، بالإضافة إلى كون 19 في المئة فقط من تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي يتقنون الكفايات الأساسية في القراءة باللغة العربية، ويتقن 13 في المئة فقط من التلاميذ في سن 15 سنة الكفايات الأساسية في القراءة باللغة الفرنسية. أضف إلى ذلك وجود أكثر من 4.3 ملايين شاب خارج المنظومة التعليمية وسوق الشغل والتكوين (فئة NEET)، كما ارتفع عدد حالات الانقطاع عن الدراسة بأكثر من 56,000 تلميذ بين عامي 2021 و2024 ليصل إجمالي الأطفال خارج المدرسة إلى 448,319 تلميذاً في عام 2024”.
وعن العوائق التي تقف أمام الإصلاح، أشار ناجي إلى عوامل مختلفة، يتقدمها جمود المناهج وعدم مراجعتها الشاملة منذ عام 2002، وضعف التكوين الأساس والمستمر، وتحويل المدرس إلى مجرد منفذ وسلب استقلاليته البيداغوجية، إلى جانب غياب إطار مرجعي وطني مؤسسي للجودة وضعف المساءلة، ثم استمرار توسع الفجوة بين التعليم العمومي والخصوصي، وبطء تعميم التعليم الأولي وتراجع جودته، وأخيراً التركيز على التجهيزات والمعدات دون تطوير البيداغوجيا والتكوين.
الأحزاب بدون تصور
وأكد المتحدث ذاته أن البرامج السياسية والحكومية المتعاقبة تعاني من “ارتباك استراتيجي يتجلى في التخلي عن المرجعيات التشريعية الموحدة وتجاهل التراكم، مما يسهم في بروز ظاهرة إصلاح داخل الإصلاح، حيث تعمد المقاربات السياسية والحكومية المتعاقبة إلى إطلاق برامج وخارطة طريق جديدة مع كل ولاية قطاعية، بدلاً من التنزيل الصارم للقانون الإطار 51.17 الملزم قانوناً، مما يؤدي إلى تهميش القوانين المرجعية وتشتيت جهود الفاعلية في الميدان”.
ويشير ناجي في السياق ذاته إلى طغيان الشكليات على حساب التنزيل العملي، بحيث إن التصورات السياسية أضحى يغلب عليها التفوق في التصميم الاستراتيجي وإنتاج النصوص والشعارات، في حين أنها تبقى في الواقع مفتقرة إلى تصور عملي وواقعي يلامس الفصل الدراسي ويعيد الثقة للمدرسين. واسترسل ناجي قائلاً: “من الضروري النأي بالتعليم عن المزاجية السياسية، لأن نجاح منظومة التعليم يتطلب التزام الأحزاب السياسية بالقانون الإطار 51.17 كمرجع قانوني ملزم وقار، وضمان التنسيق والاستمرارية بعيداً عن التغييرات الحكومية والحلول الترقيعية”.
خطة الإصلاح 2050
تبقى الرسالة المركزية التي يخلص إليها عبد الناصر ناجي أن إصلاح التعليم بالمغرب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من النصوص أو الرؤى الجديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على تنزيل ما هو موجود فعلاً على أرض الواقع. واقترح الباحث عبد الناصر ناجي في كتابه خارطة طريق عملية تقوم على سبعة أوراش ذات أولوية عاجلة: بدءاً من إعادة بناء المناهج وجعل المدرس محور الإصلاح، مروراً برقمنة تخدم التعلم فعلاً، وحكامة أوضح، وثقافة جودة ومساءلة، وصولاً إلى محاربة الفوارق الترابية والاجتماعية ومراجعة تدريجية للسياسة اللغوية بعيداً عن القطائع المفاجئة.
هذه الأوراش، بحسب المؤلف، ليست غاية في حد ذاتها، بل مدخل إلى مسار استشرافي أطول نفساً يمتد عبر ثلاث محطات: هي أفق 2030 لسد العجز الاستعجالي واستعادة الثقة، ثم أفق 2040 لتحقيق التحول العميق عبر التنزيل الكامل للرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار 51.17، وصولاً إلى أفق 2050 وبناء “المدرسة الجديدة” القائمة على الجودة والابتكار والعدالة الاجتماعية.





