هوس الشهرة الرقمية.. لماذا يريد الجميع أن يصبح “مؤثراً”؟

في كل بيت مغربي تقريباً، هناك اليوم شاب أو فتاة يحلمان بأن يصبحا “مؤثرَين”. الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحوّل إلى منصة صغيرة يبحث فيها كلواحد عن مكان له تحت الأضواء. من مراكش إلى طنجة، ومن الدار البيضاء إلىوجدة، الظاهرة نفسها تتكرر: مراهقون يصورون كل تفصيل من يومهم، وشبابيتركون وظائفهم للتفرغ لصناعة المحتوى، وحتى أطفال صغار أصبح لهم حساباتيديرها آباؤهم.
فما الذي يجعل هذا “الحلم” بهذا القدر من الجاذبية؟
الشهرة أصبحت في متناول اليد
قبل عشرين سنة، كان الوصول إلى الشهرة يمر عبر بوابات ضيقة: قناة تلفزيونية، جريدة، أو استوديو إنتاج. اليوم، يكفي هاتف وإنترنت واتصال جيد. هذه السهولةكسرت الحاجز النفسي الذي كان يفصل “الناس العاديين” عن “المشاهير”، وجعلتكل شخص يشعر أن دوره قد يأتي في أي لحظة، بفيديو واحد قد ينتشر بسرعة غيرمتوقعة.
البحث عن الاعتراف في زمن العزلة
كثير من الباحثين في علم النفس الاجتماعي يربطون هذا الهوس بحاجة إنسانيةقديمة: الحاجة إلى أن يُرى الإنسان ويُعترف بوجوده. لكن في مجتمع أصبحت فيهالعلاقات الحقيقية أقل، ووقت الجلوس مع العائلة والأصدقاء يتقلص، وجد كثيرون في”اللايكات” والتعليقات بديلاً سريعاً وسهلاً عن ذلك الاعتراف. كل إشعار يظهر علىالشاشة يمنح شعوراً لحظياً بالقيمة، حتى لو كان هذا الشعور سطحياً وسريعالزوال.
المال أيضاً له دور
لا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون ذكر الجانب المادي. أصبح “الإنفلونسر” مهنةقائمة بذاتها في المغرب كما في باقي العالم: عقود إشهار، تعاون مع علامات تجارية، ومنتجات يروّج لها مقابل مبالغ مالية. بالنسبة لشباب يعانون من البطالة أو من رواتبلا تكفي، يبدو هذا الطريق أسرع وأقل تعقيداً من المسارات التقليدية للنجاح، رغم أنالواقع أصعب بكثير مما يظهر على الشاشة.
الوجه الآخر للحلم
خلف كل صورة “مثالية” على إنستغرام أو تيك توك، هناك غالباً ساعات من التخطيطوإعادة التصوير وضغط نفسي حقيقي. مقارنة الذات المستمرة بحياة الآخرين”الفلترة” تترك أثراً واضحاً على الصحة النفسية، خاصة عند المراهقين. كثير ممنحققوا شهرة رقمية يعترفون لاحقاً بأنهم فقدوا خصوصيتهم، وأصبحوا أسرى لتوقعاتجمهور لا يشبع.
فهل المشكلة في الشهرة نفسها؟
ربما لا. الرغبة في التعبير عن الذات ومشاركة الأفكار والمواهب أمر طبيعي وصحي. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التعبير إلى هدف وحيد في الحياة، وحين تُقاس قيمةالإنسان بعدد المتابعين بدل ما يقدمه فعلاً. بين هذين الطرفين، تبقى المسؤوليةمشتركة: على الأسر أن تفتح نقاشاً حقيقياً مع أبنائها حول هذا الموضوع، وعلىالمنصات نفسها أن تتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه المحتوى الذي تروّج له، خصوصاً الموجه للقاصرين.
في النهاية، ربما لا يحتاج جيل اليوم إلى أن “يصبح مؤثراً” بقدر ما يحتاج إلى أنيشعر بأنه مسموع ومرئي في حياته الواقعية أولاً، قبل أن يبحث عن ذلك في عالمافتراضي لا يرحم.





