رأي

التوقيت الميسر بالجامعات والأجندات السياسوية

التوقيت الميسر بالجامعات والأجندات السياسوية

في الوقت الذي تستعد فيه العديد من الجامعات المغربية لاستقبال موسم جامعي جديد، متميز بتحولات جذرية تصب في اتجاه الرفع من جودة التكوين، وتنويع العرض الجامعي، وتخفيف الضغط على المؤسسات الجامعية، كي نوفر للطالب إمكانية متابعة دراسته الأكاديمية في ظروف أفضل وأكثر إيجابية، نفاجأ اليوم بانطلاق سجال آخر يستهدف، في عمقه، نسف كل هذه المجهودات وإفراغها من محتواها، خدمةً لأجندات سياسوية يغيب عنها الحس الوطني النبيل الذي يقدم المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.


هو سجال يحاول أن يتمظهر بلبوس الدفاع عن الجامعة، لكنه في الحقيقة مجرد مزايدات شعبوية غير مسؤولة، تحاول اللعب على حبل قطاع هام، ذي حساسية مفرطة ورهانات مجتمعية كبيرة، ألا وهو قطاع التعليم العالي، الذي يحتاج إلى تعبئة وطنية واسعة يشارك فيها الجميع بروح من المسؤولية والموضوعية، وبعيدًا عن دغدغة العواطف، خدمةً لرهانات ظرفية تسمو عليها مصلحة الوطن وقضاياه الاستراتيجية الكبرى.


في هذا الإطار، أود التأكيد، على أن النقاش الذي صاحب إقرار واجبات التسجيل المرتبطة بالتكوين وفق صيغة التوقيت الميسر، والخاصة بالموظفين وأجراء القطاع الخاص، هو نقاش موجَّه ويتضمن العديد من المغالطات، وبالتالي فهو بعيد جدًا عن المبررات الموضوعية التي أدت إلى إقراره، ويحتاج منا، كمسؤولين عن إدارة المؤسسات الجامعية، توضيح كل الملابسات التي صاحبته ، وتمكين الرأي العام من المعطيات الحقيقية، التي تسمح ببناء موقف موضوعي مسؤول وبعيد عن كل الخلفيات.
وقبل ذلك، أؤكد مرة أخرى أن البلاغ التوضيحي الذي صدر عن منتدى رؤساء الجامعات، باعتباره أعلى جهاز لتنسيق عمل الجامعات، أحدثه القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي (59.24) بهذا الخصوص، فيه من المعطيات ما يغني عن أي إضافات. وحسبي، في هذه الورقة التفاعلية، أن أعود إلى بعض النقط التي أرى أنها جديرة بالتوضيح والبيان.


نقط أوردها كالتالي:


ليس في هذا القرار أي ضرب لمجانية التعليم في السلك العالي، كما أُريد الترويج لذلك عمدًا ، على اعتبار أن مجانية هذه الرسوم ستستمر سارية في حق كل الطلبة الذين لا دخل لهم، والذين لا ينتمون إلى واحدة من الفئتين المعنيتين بالقرار، وهما فئة الموظفين ثم أجراء القطاع الخاص.


نظام التكوين بالتوقيت المستمر نظام معمول به في أغلب الجامعات بالعالم، في فرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبالتالي فهو ليس انفرادًا مغربيًا، كما جاء في بعض الادعاءات، بل نظام كان من المفروض العمل به منذ زمن، ما دامت غايته تجويد مستوى التكوين، وإعطاء قيمة للشواهد الجامعية، وضمان مبدأ الدراسة مدى الحياة.


من المفارقات التي سكتت الادعاءات عن توضيحها هي أن الأداء مقابل التكوين كان معمولًا به في المغرب، وما يزال إلى حد الآن، في إطار ما يعرف بالتكوين المستمر، لكن مشكلة هذا النوع من التكوين أن الطالب لا يتوج فيه، إلا بشهادة جامعية، تسلَّم إليه من المؤسسة التي درس بها بعد سنوات الدراسة، والقانون لا يخوله الارتكاز عليها لمواصلة باقي مساراته الدراسية في المستويات العليا في التخصص الذي اختاره للتكوين إذ القانون يشترط في هذه الحالة ضرورة التوفر على شهادة وطنية. ومع الأسف، أن العديد من المتكونين كانوا لا يعلمون بهذا الشرط إلا بعد فوات الأوان، وهذا فيه ما فيه من الإجحاف الذي كان يتطلب التصحيح، وهو ما يسعى إليه التكوين المستمر اليوم، إنصافًا للمتكونين ورفعًا من قيمة الشواهد التي سيحصلون عليها.


من الإيجابيات التي يجب التنويه بها في إطار هذا النظام الجديد، ما يمكن تسميته بالحق في الدراسة مدى الحياة، بمعنى أن كل مواطن، موظفًا أو أجيرًا، سيكون من حقه معاودة استكمال مساره الدراسي في المستويات العليا، متى تحققت فيه الشروط التي يتطلبها المسلك الذي يختاره، وهو مطمئن إلى قوة الشهادة التي سيحصل عليها.


القول بأن هذا النظام سيؤدي إلى مقايضة أو بيع الشهادة مقابل الأداء، يستبطن، في ظني، أعلى درجات التغليط والانتهازية والشعبوية، لأسباب ذكرنا بعضها في النقطة السابقة، ونضيف إليها أن شهادة الدكتوراه ليست شهادة عادية، وهي في أصلها شهادة لا تُقدَّر بثمن لمن عرف قدرها. وبالتالي، نؤكد أن الطلبة من غير المنتمين إلى فئة الموظفين والأجراء معفون منها قانونًا، ولكنها واجبة على المنتمين إلى إحدى هاتين الفئتين. مع الإشارة إلى أن الشهادة لن ينالها إلا المستحق لها عن جدارة واستحقاق، ووفق طرق التقييم المقررة قانونًا، سواء كان التكوين بالأداء أو بدونه. فلا مزايدة في الشهادات، التي لن تمس قيمتها بأي شكل من الأشكال.


كما سبقت الإشارة، نوضح أن الغاية من فرض هذه الرسوم هي الرفع من جودة التكوين، على اعتبار أن قسطًا من المداخيل سيوجَّه إلى تجهيز المؤسسات الجامعية ومختبرات البحث فيها بكل ما يلزم من معدات لوجستيكية مساعدة على الرفع من جودة التكوين (حواسيب، لوحات إلكترونية، مراجع ورقية، برمجيات…) وغيرها من اللوازم التي سيستفيد منها، في آن واحد، كل من الطالب المعفى (غير القادر على الأداء) والطالب المؤدي، في إطار نوع من التضامن الطلابي وخدمة للمشروع الجماعي الناجح وذي الجودة.


معنى أن التكوين سيكون ميسرًا هو صياغة أجندات زمنية مناسبة لفئتي الموظفين والأجراء، بحيث لا تتأثر التزاماتهم المهنية مع نظيرتها العلمية، بحيث إن غاية هذا التكوين هي تحقيق نوع من الملاءمة المريحة بين واجب الحضور الفعلي بمقرات العمل وواجب الحضور الفعلي بقاعات الدراسة. وعلى هذا الأساس، ستكون حصص التكوين المستمر مبرمجة حصريًا لفائدة الموظفين والأجراء في المساء وأيام السبت والأحد، مما يعني بذل جهد خاص وتعبئة إضافية من السادة الأساتذة والأطر الإدارية، لا بد أن تقابلها محفزات مستحقة سيتم تأمينها من مداخيل هذه الرسوم.


من الحري ذكره، في إطار مطلب التوضيح هذا، وجود صيغ مقترحة تناسب بعض الوضعيات الخاصة، على شاكلة تسهيلات في الأداء، أو التخفيض من قيمة الرسوم في حالة كان الأجر المصرح به دون الحد الأدنى للأجور.


يتبين إذن أن قرار واجب التسجيل على التكوين المستمر قرار متكامل ومدروس بعناية فائقة، له أهداف بيداغوجية سامية، ستكون في صالح الطالب والموظف والأجير، غايته الرفع من جودة التكوين والحفاظ على قوة الشهادات. وهو قرار مندرج في إطار منهجية الإصلاح الشامل التي تستهدف كل مكونات البحث الجامعي.


فهو مشروع وطني مترفع عن كل الاعتبارات، وعلى هذا الأساس، فمن المفروض أن يبقى في منأى عن المزايدات السياسوية والتطاحنات الانتخابية الظرفية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News