من موقف الحكومة إلى موقف الدولة: الرهان المغربي في كولومبيا حتى 2030

تدخل العلاقات المغربية الكولومبية اليوم مرحلة جديدة تحمل فرصا مهمة، ولكنها تفرض
في الوقت نفسه مسؤولية استراتيجية على البلدين، خصوصا في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.
فالعلاقات بين المغرب وكولومبيا ليست وليدة الظرف السياسي الحالي، بل تعود الى سنة 1979، عندما اقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ومنذ ذلك التاريخ نشأت بينهما علاقات صداقة وتعاون في مجالات متعددة، شملت السياسة والاقتصاد والتجارة والثقافة والتعليم والسياحة والتعاون العلمي.
غير ان هذه العلاقات عرفت، في ما يتعلق بموقف كولومبيا من قضية الصحراء، مراحل مختلفة و متذبذبة ارتبط بعضها بتغير التوجهات السياسية للحكومات المتعاقبة في بوغوتا.
فقد اعترفت كولومبيا “بالبوليزاريو” سنة 1985، قبل ان تقوم في ديسمبر 2000 بتجميد علاقاتها الدبلوماسية معها.
وخلال السنوات التالية، تطورت العلاقات المغربية الكولومبية بصورة تدريجية، وشهدت تقاربا سياسيا واقتصاديا وثقافيا متزايدا، الى ان جاءت محطة مهمة في 6 ابريل 2021، عندما اعلنت حكومة الرئيس ايفان دوكي دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا واقعيا ودائما في اطار سيادة المغرب ووحدته الترابية.
لكن هذا المسار تعرض لتحول جديد بعد وصول الرئيس غوستافو بيترو الى السلطة في 7 اغسطس 2022. حيث أعلنت حكومته استعادة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الوهمي، وهو ما أظهر مرة أخرى مدى تأثر الموقف الكولومبي من قضية الصحراء بتغير الحكومات والتوجهات السياسية في بوغوتا.
وانتهت ولاية غوستافو بيترو في 6 غشت 2026، لتبدأ في 7 غشت2026 مرحلة سياسية جديدة في كولومبيا.ومن هنا تكتسب المرحلة الحالية أهميتها الإستراتيجية.
فاذا كان الموقف الكولومبي الحالي قد شهد تحولا جديدا لصالح الموقف المغربي، فان التحدي الحقيقي لا ينبغي ان يكون فقط الحصول على موقف إيجابي من الحكومة الحالية، بل تحويل هذا الموقف الى موقف راسخ للدولة الكولومبية.
لقد أظهرت التجربة السابقة أن انتقال السلطة في كولومبيا يمكن أن يؤدي إلى تغير جوهري في السياسة الخارجية. ولذلك، فإن الاكتفاء بتصريح صادر عن رئيس أو حكومة لا يوفر وحده الضمان الكافي لاستمرارية الموقف على المدى الطويل.
ومن هنا ينبغي استثمار الفترة الممتدة من 2026 الى 2030 لبناء إطار مؤسساتي قوي للعلاقات المغربية الكولومبية.
ويأتي في مقدمة ذلك توثيق الموقف الرسمي من سيادة المغرب على صحرائه ضمن الوثائق والاجراءات الرسمية للدولة الكولومبية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات دستورية وقانونية، بما في ذلك نشر النصوص التي تستوجب طبيعتها القانونية نشرها في الجريدة الرسمية الكولومبية، Diario Oficial.
لكن التثبيت القانوني والسياسي لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد.
فالضمان الحقيقي لاستمرارية العلاقات يكمن في بناء شبكة واسعة من المصالح المشتركة التي تتجاوز قضية الصحراء، وتشمل التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، والزراعة والصناعات الغذائية والأسمدة والطاقة المتجددة والسياحة واللوجستيك، إلى جانب التعاون الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالمخدرات والأمن السيبراني.
كما ينبغي تعزيز العلاقات البرلمانية والحزبية والجامعية والثقافية، وتوسيع التعاون بين مراكز الأبحاث والجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الاقتصادية، حتى تصبح الصداقة المغربية الكولومبية علاقة بين مؤسسات ومجتمعات، وليس مجرد علاقة بين حكومتين.
ويحظى البعد الإفريقي بأهمية خاصة في هذه الشراكة، فالمغرب يستطيع أن يشكل بالنسبة الى كولومبيا جسرا وبوابة نحو افريقيا، بينما يمكن لكولومبيا ان تشكل بالنسبة الى المغرب شريكا مهما في أمريكا اللاتينية. ومن شأن هذا البعد أن يمنح العلاقة المغربية الكولومبية قيمة استراتيجية تتجاوز الاطار الثنائي التقليدي.
ان التحدي الأكبر سيظهر في سنة 2030، عندما تجري الانتخابات الرئاسية الكولومبية المقبلة. فقد يصل الى السلطة رئيس ذو توجه يساري او توجه سياسي مختلف، وهو أمر طبيعي في نظام ديمقراطي. لكن ما ينبغي تجنبه هو أن يؤدي تغير الرئيس إلى عودة العلاقات الى نقطة الصفر، كما حدث في الماضي.
ولهذا فان الرهان المغربي الحقيقي خلال الفترة الحالية يجب ان يكون الانتقال من منطق “موقف الحكومة” الى منطق “موقف الدولة”.
فاذا جاء في 2030 رئيس جديد ذو توجه سياسي مختلف، ينبغي أن يجد أمامه موقفا رسميا موثقا، وعلاقات اقتصادية واسعة، واتفاقيات قائمة، وتعاونا أمنيا، وشراكات ثقافية واكاديمية، وعلاقات برلمانية ومؤسساتية، ومصالح متبادلة تجعل الحفاظ على العلاقة مع المغرب خيارا استراتيجيا يخدم المصلحة الوطنية الكولومبية.
ان المغرب لا يحتاج فقط الى ان يحصل على اعتراف او دعم من حكومة كولومبية، بل يحتاج الى بناء علاقة تجعل هذا الموقف جزءا من رؤية الدولة الكولومبية لعلاقتها بالمغرب.
وهكذا يمكن للصداقة المغربية الكولومبية، التي تعود الى سنة 1979، أن تدخل مرحلة جديدة اكثر رسوخا، يكون فيها تغير الحكومات امرا طبيعيا لا يؤدي بالضرورة الى تغير ثوابت العلاقات بين الدولتين.
إن الرهان الحقيقي للسنوات الأربع المقبلة ليس فقط ماذا ستعلن الحكومة الكولومبية الحالية، بل ماذا ستبني الدولتان معا بحيث يبقى هذا الموقف قائما حتى بعد تغير الحكومة والرئيس في بوغوتا.





