تقرير رسمي: نصف العاطلين المغاربة لم يسبق لهم العمل و46% من الأجراء بلا عقود

كشف التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي استمرار أوجه قصور بنيوية تحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو دامج في مجال التشغيل، رغم تحسن دينامية إحداث مناصب الشغل خلال سنة 2025.
وأوضح التقرير أن سوق الشغل عرف خلال السنة الماضية إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، غير أن هذه المناصب تركزت أساسا في الوسط الحضري، الذي سجل إحداث 203 آلاف منصب، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي، وهو ما يعكس، وفق التقرير، تحسنا في دينامية التشغيل دون أن يفضي إلى تقليص ملموس لمواطن القصور التي ما تزال تطبع سوق الشغل.
وبحسب المصدر ذاته، تركزت المناصب الصافية المحدثة أساسا في قطاع الخدمات، الذي وفر 123 ألف منصب شغل، يليه قطاع البناء والأشغال العمومية بـ64 ألف منصب، ثم قطاع الصناعة بـ46 ألف منصب.
في المقابل، سجل قطاع الفلاحة والغابة والصيد فقدان 41 ألف منصب شغل خلال السنة نفسها، في وقت لم يكن التحسن المسجل في إجمالي التشغيل كافيا لتغيير الصورة العامة التي يرسمها التقرير حول قدرة الاقتصاد الوطني على توفير فرص شغل كافية وذات جودة.
البطالة تتراجع بشكل طفيف
ورغم إحداث 193 ألف منصب شغل صاف خلال سنة 2025، لم يتراجع معدل البطالة الوطني سوى بشكل طفيف، منتقلا من 13.3 في المائة سنة 2024 إلى 13 في المائة سنة 2025.
ويشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن هذا المستوى يظل أعلى بكثير من المستوى الكفيل بدعم نمو قادر على إحداث فرص شغل بالقدر الكافي، بما يعكس استمرار الصعوبات التي تواجه سوق الشغل في تحقيق إدماج مهني واسع ومستدام.
وتتفاوت معدلات البطالة بشكل واضح بين مختلف الفئات، إذ بلغت 37.2 في المائة في صفوف الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، بينما وصلت إلى 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات، و20.5 في المائة لدى النساء.
ويعتبر التقرير أن هذه الفوارق تعكس اختلالات تتجاوز العوامل الظرفية، وتجسد استمرار الصعوبات المرتبطة بعدم الملاءمة بين حاجيات النسيج الإنتاجي والكفاءات المتاحة، إضافة إلى تطلعات ساكنة نشيطة تتزايد مستويات تأهيلها وتمركزها في الوسط الحضري.
أكثر من نصف العاطلين لم يسبق لهم العمل
ويكشف تحليل تطور بنية البطالة عن ارتفاع نسبة طالبي الشغل لأول مرة، أي العاطلين الذين لم يسبق لهم أن اشتغلوا، من 49.3 في المائة إلى 52.9 في المائة.
ويرى التقرير أن هذا التطور يعكس تنامي الصعوبات التي تواجه الوافدين الجدد إلى سوق الشغل في الاندماج المهني، بما يبرز حجم التحدي المرتبط بانتقال الأشخاص من التكوين أو عدم الاشتغال إلى الحياة المهنية.
ولا تقتصر مؤشرات الهشاشة على ارتفاع نسبة طالبي الشغل لأول مرة، إذ ارتفع متوسط مدة البطالة من 31 إلى 33 شهرا.
ويعكس هذا التطور، بحسب التقرير، تزايد طابع البطالة طويل الأمد، وما قد يترتب عن ذلك من إحباط وفقدان للمهارات وتراجع في الإدماج الاقتصادي.
ويقدم المجلس بذلك صورة عن سوق شغل لا يقتصر تحديها على توفير فرص جديدة، وإنما يرتبط أيضا بقدرة هذه السوق على إدماج الباحثين عن العمل، خصوصا أولئك الذين يدخلونها للمرة الأولى، وعلى الحد من استمرار البطالة لفترات طويلة.
الشغل الناقص يرتفع إلى 10.9 في المائة
وفي جانب آخر، سجل التقرير تحديا مرتبطا بجودة التشغيل، بعدما ارتفع معدل الشغل الناقص من 10.1 في المائة إلى 10.9 في المائة.
وأشار المجلس إلى أن هذا الارتفاع سجل سواء في الوسط الحضري أو الوسط القروي، بما يعكس اتساع أشكال الشغل المرتبطة بالدخل غير الكافي أو عدم ملاءمة الشغل مع المؤهلات والتكوين.
ولا تتوقف مؤشرات جودة التشغيل عند هذا المستوى، إذ تكشف بنية مناصب الشغل أن ما يقارب 46.4 في المائة من النشيطين المشتغلين لا يتوفرون على أي شهادة.
كما تظل الفئات السوسيو-مهنية الأكثر تمثيلية متمثلة في العمال اليدويين غير الفلاحيين والحمالين وعمال المهن الصغرى، بنسبة 19.6 في المائة، يليهم الحرفيون والعمال المؤهلون في المهن الحرفية بنسبة 18.6 في المائة، ثم العمال اليدويون في الفلاحة والغابة والصيد بنسبة 16.3 في المائة.
ويعكس هذا التوزيع، وفق التقرير، استمرار نسيج إنتاجي موجه بشكل كبير نحو أنشطة ذات إنتاجية ضعيفة ومستويات تأهيل محدودة.
هشاشة التشغيل.. 46 في المائة من الأجراء بلا عقد شغل
وتشكل هشاشة التشغيل إحدى السمات البارزة التي رصدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في سوق الشغل المغربي.
فما يقارب 9.3 في المائة من النشيطين المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، أساسا في الوسط القروي، بينما يمثل العرضيون أو الموسميون 12.3 في المائة من النشيطين المشتغلين.
وفي ما يتعلق بعلاقة الأجراء بالمشغلين، يسجل التقرير أن 46 في المائة من الأجراء لا يتوفرون على عقد شغل ينظم علاقاتهم مع مشغليهم.
وفي المقابل، يتوفر 14.7 في المائة فقط على عقد لمدة محددة، بينما يتوفر 11 في المائة على عقود شفوية.
وتبرز هذه المعطيات، في تصور التقرير، جانبا آخر من تحدي جودة التشغيل، إلى جانب مستوى الشغل الناقص ومستويات التأهيل المحدودة، من خلال انتشار أشكال من التشغيل لا تستند، بالنسبة إلى نسبة مهمة من الأجراء، إلى عقد شغل ينظم العلاقة المهنية.
مشاركة النساء.. معدل النشاط يستقر عند 19 في المائة
إلى جانب البطالة وجودة التشغيل، يبرز تطور معدل النشاط أحد مظاهر الهشاشة البنيوية الأخرى التي تطبع سوق الشغل بالمغرب.
ويشير التقرير إلى استقرار هذا المعدل عند مستوى شبه ثابت، وهو ما يعكس استمرار محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة كامل إمكاناته من اليد العاملة.
وتتجلى هذه الوضعية بشكل خاص في صفوف النساء، إذ يستقر معدل نشاطهن في حدود 19 في المائة.
ويصنف التقرير هذا المعدل ضمن أدنى المعدلات المسجلة في البلدان ذات الدخل المتوسط، معتبرا أن هذه المشاركة المحدودة تشكل عائقا كبيرا أمام تعزيز إمكانات نمو الاقتصاد الوطني.
كما تعكس، وفق المصدر ذاته، استمرار وجود معيقات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وثقافية تحد من ولوج النساء إلى سوق الشغل المنظم.
ويربط التقرير هذه المسألة بنقطة يقظة تحمل عنوان «تحرير الإمكان الاقتصادي للنساء: ضرورة ملحة لتحقيق نمو أكثر إدماجا».
سوق شغل أمام تحديات متزايدة
وخلص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن التطورات المسجلة خلال سنة 2025 تبرز استمرار محدودية أداء سوق الشغل الوطني.
فبالرغم من الجهود المبذولة في مجال الاستثمار، والتحول التدريجي الذي يشهده النسيج الإنتاجي، وصمود المؤشرات الماكرو-اقتصادية نسبيا، لا يزال الاقتصاد الوطني يواجه صعوبات في إحداث فرص شغل كافية وذات جودة.
ويرى التقرير أن هذه الفرص ينبغي أن تكون قادرة على الاستجابة بشكل مستدام لحاجيات ساكنة نشيطة تعرف تطورا مستمرا.
ولا يحصر التقرير التحديات المستقبلية في الوضع القائم، بل يشير إلى إمكانية تفاقمها خلال السنوات المقبلة بفعل التحولات الديموغرافية، والتغيرات التي يشهدها النسيج الإنتاجي، إلى جانب الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وبذلك، ترسم معطيات سنة 2025 صورة لسوق شغل شهد تحسنا من حيث عدد المناصب الصافية المحدثة، لكنه لا يزال يواجه اختلالات مرتبطة بمستويات البطالة، وطول مدتها، وصعوبة إدماج الوافدين الجدد، وارتفاع الشغل الناقص، وضعف مستويات التأهيل، وهشاشة العلاقات المهنية، فضلا عن محدودية مشاركة النساء.





