البنك الدولي: الكوارث الطبيعية تهدد أصولا مغربية بقيمة 2.7 تريليون درهم

حذر تقرير للبنك الدولي من حجم المخاطر التي تواجه المغرب جراء الكوارث الطبيعية، مشيرا إلى أن الخسائر الناجمة عن هذه المخاطر تقدر بما لا يقل عن 7.8 مليارات درهم سنويا، مع مساهمة الفيضانات بنحو 60 في المائة من إجمالي الخسائر، في وقت تبلغ فيه قيمة الأصول المبنية المعرضة للمخاطر نحو 2.7 تريليون درهم.
وأوضح “وثيقة تقييم البرنامج” الخاصة ببرنامج متكامل لإدارة مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على الصمود بالمغرب، الصادرة في مارس 2016، أن البلاد تواجه مخاطر طبيعية متكررة وأخرى نادرة لكنها شديدة التأثير، مؤكدة أن هذه المخاطر يمكن أن تكون لها انعكاسات بشرية واقتصادية واجتماعية واسعة.
وأشار التقرير إلى أن المغرب شهد خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2013 ما مجموعه 13 فيضاناً كبيراً، خلفت في مجموعها 263 وفاة، إضافة إلى أكثر من 427 مليون دولار من الأضرار المباشرة التي لحقت بالممتلكات.
واستحضر التقرير في هذا السياق فيضانات طنجة سنة 2008، ومنطقة الغرب سنة 2009، وكلميم سنة 2014، مبرزا أن فيضانات كلميم الأخيرة وحدها خلفت 47 وفاة، بينما بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية الناجمة عنها نحو 600 مليون دولار.
ولم يحصر التقرير المخاطر الطبيعية في الفيضانات، بل أشار إلى إمكانية وقوع كوارث زلزالية واسعة النطاق، مستحضرا زلزال أكادير سنة 1960، الذي خلف 12 ألف قتيل و25 ألف مصاب، ودمر المدينة بشكل شبه كامل، رغم أن قوته بلغت 5.8 درجات فقط.
كما توقف التقرير عند زلزال الحسيمة سنة 2004، الذي بلغت قوته 6.4 درجات، وأسفر عن وفاة 628 شخصا وإصابة أكثر من ألف شخص، فيما قدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عنه بنحو 400 مليون دولار.
وحذر التقرير من إمكانية وقوع زلازل أكبر في مناطق من بينها فاس وطنجة، بالنظر إلى موقعهما بالقرب من الحدود أو على مستوى الصفيحة التكتونية الأوروبية-الإفريقية.
وبحسب الوثيقة، فإن حجم التعرض للمخاطر الطبيعية يرتبط أيضا بالقيمة الكبيرة للأصول الموجودة في البلاد. ففي سنة 2013، بلغت قيمة البيئة المبنية المعرضة للمخاطر نحو 2.7 تريليون درهم، أي ما يعادل حوالي 84 ألف درهم للفرد.
وتشكل المباني نحو 70 في المائة من إجمالي القيمة المعرضة للمخاطر، بينما تمثل النسبة المتبقية البنية التحتية المرتبطة بالماء والصرف الصحي والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والطرق والشبكة الكهربائية.
واستنادا إلى نماذج التقييم التي أوردها التقرير، فإن الخسائر السنوية الناجمة عن المخاطر الطبيعية تبلغ في حدها الأدنى 7.8 مليارات درهم، ويأتي نحو 60 في المائة منها نتيجة الفيضانات.
غير أن التقرير شدد على أن متوسط الخسائر السنوية لا يعكس وحده حجم المخاطر التي يواجهها المغرب، إذ توجد أيضا إمكانية وقوع أحداث شديدة التأثير يمكن أن تتجاوز خسائرها بكثير المعدلات السنوية.
وفي هذا الصدد، أشار التقرير إلى وجود احتمال نسبته 67 في المائة، خلال فترة الثلاثين سنة التالية، لأن يتسبب حدث طبيعي واحد في خسائر تصل إلى 25 مليار درهم أو أكثر.
وسجل التقرير في المقابل وجود ضعف في التغطية التأمينية ضد المخاطر الكارثية، موضحا أنه باستثناء بعض الأصول الصناعية أو التجارية الخاصة الكبرى، لم تكن هناك آنذاك تغطية تأمينية ضد الآثار الاقتصادية للكوارث الطبيعية.
وأشار التقرير كذلك إلى أن الفئات ذات الدخل المنخفض تكون أكثر عرضة لتداعيات الكوارث الطبيعية، إذ إن هشاشة أصول الأشخاص المنتمين إلى أدنى 20 في المائة من السكان من حيث الدخل تفوق، وفق التحليل الوارد في الوثيقة، هشاشة أصول غير الفقراء بنسبة 69 في المائة.
ويعزو التقرير ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى كون الفئات الفقيرة تمتلك نسبة أكبر من أصولها في شكل مادي، ما يجعلها أكثر عرضة للأضرار عند وقوع الكوارث، إضافة إلى محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات من خلال المدخرات أو الاقتراض.
ووفق التقرير، فإن 5 في المائة فقط من الفقراء لديهم نوع من الولوج إلى التمويل، مقابل 17 في المائة من غير الفقراء، وهو ما يجعل الفئات ذات الدخل المنخفض أكثر تعرضا للخسائر وأقل قدرة على التكيف معها.
ويربط التقرير بين مخاطر الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، مشيرا إلى أن المغرب، شأنه شأن دول أخرى في المنطقة، سيكون معرضا لآثار التغير المناخي في حال ارتفاع درجات الحرارة بدرجتين أو أربع درجات مئوية، خصوصا من خلال تزايد موجات الحرارة وانخفاض توفر المياه.
وتشير الوثيقة إلى أنه في سيناريو ارتفاع الحرارة بدرجتين مئويتين، يمكن أن تحدث موجات الحرارة القصوى خلال نحو 30 في المائة من أشهر الصيف في معظم مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما تتوقع ارتفاعا في مستوى سطح البحر بنحو 35 سنتيمترا بحلول نهاية القرن في سيناريو ارتفاع الحرارة بدرجة ونصف، مع الاستناد في المثال إلى طنجة.
كما يورد التقرير إمكانية انخفاض التساقطات في المناطق الداخلية من المغرب بما يصل إلى الثلث خلال أشهر الصيف.
ويضع التقرير التوسع الحضري ضمن العوامل التي يمكن أن تزيد من حجم التعرض للمخاطر، مشيرا إلى أن أكثر من 20 مليون مغربي من أصل 33.8 مليون نسمة كانوا يعيشون في المناطق الحضرية، مع توقع ارتفاع عدد سكان المدن بأكثر من أربعة ملايين نسمة بحلول سنة 2030.
وبحسب الوثيقة، فإن التوسع الحضري يمكن أن يزيد تعرض السكان والأصول الاقتصادية للكوارث، خصوصا في المناطق الساحلية التي تتركز فيها أكبر المدن والأصول الاقتصادية، مشيرة إلى أن 42 في المائة من الساحل سيكون معرضا بدرجة عالية لمخاطر التعرية والفيضانات بحلول سنة 2030.
وضرب التقرير مثالا بمدينة الدار البيضاء، التي كانت تضم آنذاك 3.3 ملايين نسمة، متوقعا أن يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة بحلول 2030، أي بزيادة تفوق 50 في المائة، مع احتمال حدوث جزء من هذا التوسع العمراني في مناطق أكثر تعرضا للمخاطر.
وسجل التقرير أن الدار البيضاء تواجه بالفعل قابلية مرتفعة للتعرض للفيضانات والتعرية الساحلية وغمر المياه البحرية، وأن هذه الهشاشة يمكن أن تصبح أكثر وضوحا مع استمرار التوسع الحضري.
وفي مواجهة هذه المخاطر، أشار التقرير إلى أن المغرب استثمر خلال السنوات السابقة في تطوير أدوات لفهم وتحديد حجم تعرضه للمخاطر الطبيعية، من خلال تطوير نظام يعتمد على نظم المعلومات الجغرافية لتقييم مخاطر الكوارث الطبيعية.
ويتيح هذا النظام، بحسب الوثيقة، إجراء تحليل على المستوى الوطني لمخاطر الزلازل والفيضانات وأمواج تسونامي والجفاف والانهيارات الأرضية، إلى جانب تطوير نماذج للاقتصاد الكلي مرتبطة بالكوارث، بهدف قياس آثارها طويلة الأمد على الاقتصاد الوطني والقطاعات المختلفة، والاستفادة منها في إعداد خيارات السياسات الرامية إلى الحد من آثارها.
وأوضح التقرير أن هذه الأدوات كانت مستخدمة من طرف وزارة الاقتصاد والمالية في إطار تنفيذ برنامج التأمين ضد المخاطر الكارثية، كما اعتبر أن المغرب يتوفر على أدوات تحليلية تسمح بقياس تعرضه الإجمالي للكوارث الطبيعية والمساعدة في توجيه استراتيجية وطنية ناشئة لإدارة المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود.
وأشار التقرير إلى أن التعاون بين المغرب والبنك الدولي في مجال إدارة المخاطر يعود إلى سنة 2008، حيث ركز في بدايته على المساعدة التقنية لإعداد مدخلات استراتيجية متكاملة لإدارة المخاطر، شملت الكوارث الطبيعية وتقلبات أسعار الطاقة والمخاطر المرتبطة بالقطاع الفلاحي.
وبعد ذلك، انتقل التركيز، وفق الوثيقة، إلى إدارة مخاطر الكوارث، بهدف الانتقال نحو إصلاحات مؤسساتية ملموسة والحد من المخاطر والهشاشة على أرض الواقع.
كما أشار التقرير إلى العمل على إعادة تصميم صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية ليصبح “صندوقا وطنيا للقدرة على الصمود”، بالتوازي مع استمرار المساعدة التقنية لوزارة الاقتصاد والمالية في القضايا المرتبطة بالتأمين وتمويل مخاطر الكوارث.
ورصد التقرير في المقابل عددا من نقاط الضعف في الطريقة التي كانت تدار بها مخاطر الكوارث بالمغرب، موضحا أن الممارسات اتسمت، إلى وقت قريب، بالتجزؤ المؤسساتي وبنهج يغلب عليه الطابع التفاعلي بدلا من الاستباقي.
وبحسب الوثيقة، كان التعامل مع الكوارث يميل بشكل كبير إلى الاستجابة للأزمات، فيما ظلت المقاربة ذات طابع قطاعي، بحيث أفرز كل حدث كارثي برامج استعجالية جديدة في المناطق المتضررة، ما أدى إلى مقاربة غير متوازنة على المستوى الوطني.
كما أشار التقرير إلى أن مبادرات إدارة مخاطر الكوارث كانت تنفذ في كثير من الأحيان بشكل منفصل داخل كل وزارة أو حسب نوع المخاطر، مع وجود تجزؤ مؤسساتي وضعف في التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية المعنية.
وسجل التقرير أيضا محدودية وعي السكان بدرجة تعرضهم للمخاطر، مع انتشار تصور يعتبر أن تدبير هذه المخاطر مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى.
واستند في ذلك إلى نتائج دراسة حول إدراك المخاطر على مستوى المجتمعات المحلية شملت أربع جماعات حضرية وقروية في أقاليم كلميم والحسيمة وتاونات وشفشاون.
وأظهرت الدراسة أن 84 في المائة من المستجوبين كانوا يمتلكون مساكنهم ويرغبون في الحد من الأضرار المحتملة التي قد تلحق بها، ما يعكس وجود وعي عام بالتعرض لمخاطر الكوارث.
لكن المعرفة الخاصة بكل نوع من المخاطر كانت محدودة، إذ اعتبر 89 في المائة من المستجوبين أن الفيضانات هي الخطر الرئيسي، حتى في مناطق ذات مخاطر زلزالية مرتفعة.
ورغم أن جميع المستجوبين أقروا بإمكانية قيام السكان بدور في إدارة المخاطر الطبيعية، بما في ذلك من خلال العمل الجماعي، فإن 81 في المائة منهم اعتبروا أن الاستثمار في إدارة المخاطر مسؤولية تقع على عاتق الحكومتين المحلية والوطنية.
ويرى التقرير أن فهم هذه التصورات والقيود يمثل عنصرا مهما عند تصميم إجراءات الحد من مخاطر الكوارث وتعزيز القدرة على الصمود.
وفي هذا الإطار، حدد البرنامج الذي اقترحه البنك الدولي هدفا يتمثل في تحسين الإطار المؤسساتي لتمويل أنشطة الحد من مخاطر الكوارث، وتعزيز القدرة المالية على مواجهة الكوارث الطبيعية بالنسبة إلى السكان المستهدفين داخل مناطق البرنامج.
وبلغت الكلفة الإجمالية للبرنامج 258 مليون دولار، منها 200 مليون دولار تمويل من البنك الدولي، و58 مليون دولار مساهمة من المغرب، مع تحديد وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن تنفيذ البرنامج.
وحدد البرنامج فترة التنفيذ من أبريل 2016 إلى دجنبر 2021، فيما تمحورت مجالاته حول الحد من مخاطر الفيضانات، والتمويل، والفلاحة، وتدبير الموارد المائية، وتطوير البنية التحتية والخدمات، إلى جانب تطوير القطاع المالي المرتبط بإدارة المخاطر.
ويخلص التقرير إلى أن حجم التعرض للكوارث الطبيعية، إلى جانب التفاوت في القدرة على مواجهة آثارها، يجعل الانتقال من الاستجابة للأزمات إلى إدارة أكثر استباقية للمخاطر عنصرا أساسيا في تعزيز قدرة المغرب على الصمود أمام الكوارث الطبيعية.





