رأي

في مواجهة آثار أحداث سبتة المحتلة.. هل تملك الأحزاب السياسية رؤية تنموية؟

في مواجهة آثار أحداث سبتة المحتلة.. هل تملك الأحزاب السياسية رؤية تنموية؟

أبانت الأحداث المؤسفة بمدينة سبتة السليبة عن هوة واسعة بين الأحزاب السياسية وما يحدث داخل المجتمع، بحيث ظهر المشهد الحزبي المغربي بعيدا عما يحدث داخل المجتمع المغربي في عمومه، وكأنه لا يعرف ما يدور في ذهن الشباب على وجه الخصوص، ووجدنا أنفسنا أمام عجز بيّن لجميع زعماء الأحزاب عن فهم ما جرى أو التعامل معه سياسيا وتواصليا وتأطيرا.

وبمقابل ذلك نجد هاته الأحزاب، وعند اقتراب كل استحقاق سياسي أو انتخابي، تبقى عاجزة عن ممارسة أدوارها الدستورية الفعلية، وإقناع المواطنين –والشباب على وجه الخصوص-  بمواقفها المرجعية، وبمدى قدرتها على بلورة رؤية تنموية واضحة وأجوبة للإشكالات التدبيرية والتنموية الكبرى التي تعاني منها المملكة، وذلك حتى تقنع هؤلاء الشباب بجدوى العمل السياسي من داخل المؤسسات الحزبية.

بل إن المواطنين لم يعودوا يلقون بالاً لهاته الشعارات، وشعب الفايسبوك لا يصوت أصلا في الانتخابات ويقاطع جميع الأحزاب السياسية ويحتقرها، ويقاطع أيضا التسجيل في اللوائح الانتخابية، وهذا وحده يحتوي على مخاطر حقيقية مستقبلا. وبالتالي سنجد أمامنا بعد نهاية اقتراع 23 شتنبر 2026 نفس التشكيلية البرلمانية تقريبا (مع احتمال تغييرات طفيفة في عدد المقاعد أو حتى الترتيب في المركزين الأول والثاني) على الرغم من الاحتقان الاجتماعي الذي قد يبدو جليا في مواقع التواصل الاجتماعي، وبغض النظر عن قدرة الحكومة المنتهية ولايتها على تحقيق منجزات تنموية لصالح هاته الفئات من المجتمع.

وبالتالي ستهيمن نفس القوى الحزبية الكبرى من جديد على المؤسسة التشريعية، رغم ما يبدو لنا من تطاحن سياسي عنيف، خاصة بين حزبي الأحرار والأصالة والمعاصرة، وسيبقى شعب الفايسبوكوإنستغرام وتيك توك، مرة أخرى، خارج النقاش السياسي والحزبي كما كان سابقا، وستتعمق الأزمة والهوة بين الطرفين (أي بين الشباب والأحزاب السياسية)  بشكل متزايد.

وإذا كان الصراع السياسي بين الأحزاب الكبرى قد بدأ فعليا قبل عدة أيام، فإن الامر كان يَفترض تقديم أجوبة سياسية وبرامجية على تطلعات الشباب والفئات الهشة، وتقديم تصوراتها للسياسات الاجتماعيةوالاقتصادية والمالية والنقدية، ولنموذج التنمية الملائم للإشكالات الكبرى التي برزت بوضوح خلال الأزمة الأخيرة.

فهذه المؤسسات الحزبية يفترض أن تكون مجالا للإنتاج السياسي،وفضاء لإدماج الشباب في العمل السياسي والحزبي، ووعاءً لتصريف المواقف السياسية والإيديولوجية المرتبطة برؤيتها وبمرجعياتها، كما يرتبط هذا الأمر وجوبا بمشروعها التنموي الذي تحدده انطلاقا من أدبياتها وأوراقها المذهبية.
لكن السؤال الذي يطرح فعليا من قبل شعب الفايسبوك هو: هل تتوفر الأحزاب السياسية المغربية أصلا على مشروع أو برنامج تنموي يتأسس على معطيات اقتصادية دقيقة، وينبع من قناعاتها الإيديولوجية أو المرجعية؟

إن التقارير السنوية والدورية التي تنتجها المؤسسات المختصة وطنيا (بنك المغرب وHCP) ودوليا (البنك الدولي وOCDE) أصبحت تعطي صورة واضحة عن الاختلالات التدبيرية والتنموية التي تعرفها المملكة، وتركز على مؤشرات بعينها تصلح لأن تكون نواة نموذج نمو جديد Modèle de croissance (في إطار النموذج التنموي الجديد الذي لم تتوضح بعد معالم تنزيله).

فالمغرب مقبل على تنفيذ بنود استراتيجية مجموعةالبنكالدوليفيالمغرب، والتي تتعلق بالوظائفوالفرصمنأجلاقتصادشاملومنتج، مع فتح خط ديون بقيمة 15 مليار دولار (حوالي 150 مليار درهم) على عشر سنوات، أي المدى الزمني للحكومتين المقبلتين، بما يمثله ذلك من برامج تنموية موازية للنموذج التنموي الحالي للمملكة.

كما أن المغرب سيبدأ فعليا في تنفيذ استراتيجية كبرى موازية أيضا، بقيمة 220 مليار درهم على ثمان سنوات في إطار الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة على مستوى مختلف جهات المملكة.

بالإضافة إلى ورش تنزيل مونديال 2030، بما يمثله ذلك من برامج ومشاريع بأكثر من 150 مليار درهم كتقديرات أولية خلال الخمس سنوات القادمة، وهي عمر الحكومة المقبلة التي يتم التطاحن حول رئاستها دون أي وعي بالرهانات الكبرى التي تحملها.

إن المتتبع لخطابات معظم الأحزاب السياسية المغربية يتوه من جهة بين الشعارات الكبرى المتشابهة ضمن برامجها الانتخابية، مع غياب أية معطيات تفيد بامتلاكها لمشاريع تنموية تكون مقابلا لرؤيتها السياسية أو لمرجعيتها الإيديولوجية التي تركز عليها في خطاباتها ووثائقها وبرامجها السياسية والانتخابية.

ومن جهة ثانية، لا زالت الأحزاب السياسية عاجزة عن تقديم برنامج مقبول لدى الشباب ،وخاصة لدى شعب الفايسبوك وجيل Z، ولا زال شيوخ-زعماء الأحزاب مصرين على منهجهم القديم في التعاطي مع القضايا المجتمعية، ويفاجؤون دوما بتباعد لغتهم السياسية عن لغة الفئات الشابة من المجتمع.

وفي الوقت الذي نجد فيه زعماء الأحزاب بأوربا وكندا (وحتى رؤساء الحكومات) ينتمون لفئات مجتمعية قريبة من الشباب (بين 40 و50 سنة)، نجد حرص “شيوخ الأحزاب” وإصرارهم على الهيمنة على المشهد الحزبي، في حين أن الفئات الشابة من المجتمع تحتاج لوجوه قريبة منها تفهمها وتتفهم مطالبها وتقدم لها منهج جديد في التعاطي مع الشأن العام nouveau projet partisan.

كلن مقابل ذلك، نجد هذه الأحزاب السياسية مصرة على إعادة إنتاج نفس النمط من التدبير السياسي والحزبي، وإعادة تدوير نفس العقلية الحزبية. بل إن هاته المؤسسات الحزبية، ورغم تجربتها السابقة في التدبير الحكومي، وجدت نفسها تبتعد تدريجيا عن دورها في اقتراح أو صياغة البرامج التنموية التي يمكن أن تشكل نواة السياسات والبرامج الحكومية الموجهة للشباب التي تسمح بمعالجة الاختلالات التي يعاني منها، وبقيت حبيسة الشعارات الكبرى الفضفاضة.

لذا لا يمكن انتظار مواقف أكثر تقدما من هذه الأحزاب التي بقيت غارقة فيالصراع السياسي القائم على السب والتنابز بالألقاب، في حين أن دورها الأساسي يكمن في صياغة رؤية تنموية لتنفيذها عند فوزها في الانتخابات التشريعية وتكليفها بتدبير الشأن العام الوطني.ولم تبدع في صياغة رؤية ومشروع تنموي حقيقي ضمن برامجها، بل إنها أصبحت تنتظر الاستحقاقات الانتخابية لتحيين برامجها الانتخابية للسنوات الماضية وتضيف إليها بعض المستجدات السياسية لتعيد تقديمها لهؤلاء الشباب الذين يزداد بعدهم عن السياسية وكرههم للأحزاب ومقاطعتهم للاستحقاقات الوطنية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News