بين المأساة الإنسانية وسيادة القانون: كيف ينبغي قراءة ما حدث في سبتة؟

لا يمكن النظر إلى ما شهدته سبتة خلال الأيام الأخيرة باعتباره مجرد واقعة عابرة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بعدما تحولت محاولة العبور الجماعي إلى مأساة إنسانية أودت بحياة العشرات، وكشفت في الوقت نفسه عن اختلالات أمنية واجتماعية ورقمية تتجاوز الحدود الجغرافية للواقعة.
ووفق المعطيات الأولية، فقد تمكن أو حاول ما بين خمسين وستين ألف شخص الوصول إلى سبتة خلال فترة زمنية قصيرة، بينما تحدثت السلطات الإسبانية عن وفاة ما لا يقل عن 90 شخصًا، نتيجة الغرق أو التدافع، وعن عودة نحو 48,300 شخص إلى المغرب بصورة طوعية بعد تعذر انتقالهم إلى البر الإسباني وسوء ظروف الإقامة داخل المدينة.
وتظل هذه الأرقام أولية وقابلة للتحديث بالنظر إلى استمرار عمليات التحقق والبحث.
أمام حجم هذه المأساة، يفرض الواجب الإنساني الترحم على الضحايا، والتضامن مع أسرهم، والمطالبة بالكشف عن جميع الملابسات التي أحاطت بعملية العبور.
غير أن التضامن الإنساني لا يعني تبرير الهجرة غير النظامية، كما أن رفض خرق الحدود لا يجوز أن يتحول إلى تبرير للموت أو إلى تجريد المهاجرين من كرامتهم.
فبين احترام الحق في الحياة وحماية سيادة القانون لا يوجد تعارض حتمي، بل إن حماية الحياة تقتضي، في المقام الأول، منع تعريض الأشخاص للغرق والاستغلال والتضليل، وملاحقة الجهات التي تدفعهم إلى طرق محفوفة بالموت، بينما تقتضي سيادة القانون ضبط الحدود، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وضمان احترام الإجراءات القانونية والحقوق الأساسية في الوقت نفسه.
ما الذي دفع هذا العدد إلى التحرك في توقيت واحد؟
حتى الآن، لم تصدر رواية رسمية مغربية نهائية ومتكاملة تسمح بالجزم بسبب وحيد لما حدث. ولذلك فإن المسؤولية الأكاديمية والإعلامية تقتضي التمييز بين الوقائع الثابتة والفرضيات المحتملة.
تشير بعض المعطيات إلى أن معلومات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي أوحت بإمكانية دخول سبتة والبقاء فيها، مستندة إلى تأويلات لقرار قضائي إسباني يتعلق بمنع الإعادة الفورية لبعض الوافدين عبر البحر.
هذه الرواية خلقت لدى أعداد كبيرة من الشباب اعتقادًا بأن الطريق إلى أوروبا أصبح مفتوحًا، رغم أن الوصول إلى سبتة لا يعني قانونًا أو عمليًا إمكانية الانتقال إلى البر الإسباني.
كما نفت عمليات التحقق الإعلامي عددًا من الادعاءات السياسية التي انتشرت عقب الحادث، ومنها الجزم بأن المغرب تعمد فتح الحدود، في غياب أدلة علنية تثبت ذلك، إذ يدخل جزء كبير منها ضمن السجال السياسي الداخلي الإسباني خصوصا المرتبط باليمين المتطرف .
إلى جانب التضليل الرقمي، لا يمكن تجاهل العوامل الاجتماعية والاقتصادية، إذ نقلت تقارير صحفية عن عدد من المشاركين حديثهم عن البطالة، وضعف الأجور، وانسداد الأفق، والرغبة في مساعدة أسرهم.
لكن تفسير ما وقع فقط بالفقر والبطالة يظل تفسيرًا غير كافٍ، لأن الصعوبات الاقتصادية متباينة و قائمة منذ سنوات، بينما اتخذ التحرك هذه المرة طابعًا جماعيًا ومكثفًا ومتزامنًا بصورة استثنائية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الحشود نتيجة انتشار عفوي لإشاعة رقمية، أم أن جهات منظمة ساهمت في توجيهها وتضخيمها واستغلالها؟
شبكات التهريب: المستفيد المحتمل من الفوضى
لا توجد، إلى حدود كتابة هذا المقال، معطيات رسمية تثبت أن موجة العبور جرى تنظيمها لتوفير غطاء لتهريب المخدرات أو لعملية إجرامية محددة، ولذلك لا يجوز تقديم هذه الفرضية على أنها حقيقة.
غير أن ذلك لا يمنع من طرحها كسؤال أمني مشروع، خاصة أن الحشود الضخمة كانت قادرة على إرباك المراقبة الحدودية، وتشتيت موارد الأمن، وخلق نقاط ضعف قد تحاول شبكات الجريمة المنظمة استغلالها لتمرير أشخاص أو سلع ممنوعة.
كما أن شبكات تهريب المهاجرين لا تعمل دائمًا بالطريقة التقليدية القائمة على نقل عدد محدود من الأشخاص مقابل المال، بل قد تستفيد أيضًا من نشر المعلومات المضللة، وترويج طرق العبور، وتقديم وعود كاذبة بشأن الإقامة أو الانتقال إلى أوروبا.
وقد أشارت الحكومة الإسبانية إلى دور محتمل لشبكات التهريب في استغلال الحكم القضائي والترويج لإمكان العبور، غير أن تحديد طبيعة هذا الدور وحجمه يحتاج إلى تحقيق أمني وقضائي مشترك، وليس إلى استنتاجات مسبقة.
ويبين مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن المغرب وإسبانيا وعددًا من دول غرب وشمال إفريقيا سبق أن شاركت في تحقيقات مشتركة لمكافحة تهريب المهاجرين، وهو ما يؤكد أن الظاهرة عابرة للحدود ولا يمكن مواجهتها بإجراءات وطنية منفردة.
التمييز بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر
من الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.
يقوم تهريب المهاجرين، في معناه القانوني، على تسهيل الدخول غير المشروع لشخص إلى دولة ليس مواطنًا فيها أو مقيمًا بها، مقابل منفعة مالية أو مادية. أما الاتجار بالبشر فيرتبط باستغلال الضحية، وقد يتم داخل الدولة نفسها أو عبر الحدود، باستعمال الإكراه أو الخداع أو استغلال الهشاشة.
ولا يعني هذا التمييز أن المهاجر الذي يلجأ إلى مهرب يفقد حقوقه الإنسانية. فبروتوكول الأمم المتحدة لمكافحة تهريب المهاجرين برًا وبحرًا وجوًا، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، حدد أهدافه في منع تهريب المهاجرين ومكافحته، وتعزيز التعاون بين الدول، مع حماية حقوق الأشخاص الذين وقعوا موضوعًا للتهريب.
كما يفرض البروتوكول على الدول تجريم الأفعال التي يرتكبها المهربون لتحقيق منفعة مالية، لكنه لا يجعل المهاجر، لمجرد كونه محلًا لعملية تهريب، الهدف الأساسي للعقاب الجنائي، وهذا فارق ضروري حتى لا تتحول مكافحة الشبكات المنظمة إلى تجريم شامل للأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة.
الحق في الحياة لا يسقط عند الحدود
تتمتع الدول، دون شك، بحق مراقبة حدودها وتنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها واتخاذ الإجراءات الضرورية ضد العبور غير القانوني. لكن ممارسة هذا الاختصاص ليست مطلقة، بل تظل مقيدة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمته الحق في الحياة، وحظر المعاملة القاسية أو المهينة، وضرورة تقديم النجدة للأشخاص المعرضين للخطر.
وتؤكد مبادئ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن حماية الحدود وإنفاذ قوانين الهجرة يجب أن يتمّا مع احترام حقوق جميع الأشخاص الموجودين على الحدود الدولية، بصرف النظر عن وضعهم القانوني أو طريقة وصولهم.
وعليه، فإن رفض الهجرة غير النظامية لا يبرر استخدام وسائل تعرض الحياة لخطر غير متناسب، كما أن حماية المهاجرين من الموت لا تعني فتح الحدود أو التساهل مع شبكات التهريب. المطلوب هو إدارة أمنية وقانونية متوازنة تجمع بين الردع والوقاية والإنقاذ والمساءلة.
وتتضح خطورة المسارات البحرية من أرقام المنظمة الدولية للهجرة؛ فقد سجل مشروع المهاجرين المفقودين أكثر من 35 ألف وفاة أو حالة فقدان في البحر الأبيض المتوسط منذ سنة 2014، في حين أفادت المنظمة، في فبراير 2026، بتسجيل ما لا يقل عن 606 وفيات أو حالات فقدان خلال الشهرين الأولين من السنة وحدهما. كما اقترب عدد الضحايا من ألف شخص بحلول أبريل 2026.
هذه الأرقام تؤكد أن البحر لا يمثل طريقًا آمنًا للهجرة، وأن تشجيع الشباب على السباحة نحو الضفة الأخرى، أو تزيين المخاطرة أمامهم باعتبارها فرصة سهلة، لا يمكن وصفه إلا بأنه استغلال لحالة اليأس وتهديد مباشر للحق في الحياة.
هل كان الحدث رسالة سياسية؟
أمام الوضع الرمادي ، فسرت بعض المنابر فرضية أن ما وقع قد يكون مرتبطًا بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر أو بالتوترات الإقليمية القائمة. كما جرت مقارنة الواقعة بأزمة سبتة لسنة 2021، التي تزامنت مع توتر دبلوماسي واضح بين المغرب وإسبانيا.
لكن القياس على أزمة سابقة لا يكفي لإثبات أن الحادث الحالي اتخذ بقرار سياسي. كما أن تزامنه مع الاحتفال بعيد العرش في المغرب، وهي مناسبة تتميز عادة باستنفار أمني ومؤسساتي، يجعل التفسير السياسي المباشر بحاجة إلى أدلة أقوى من مجرد التقارب الزمني.
لذلك لا يمكن، من الناحية تقييم المعطيات الحالية، تأكيد أن المغرب تعمد تخفيف الرقابة لمعاقبة إسبانيا، كما لا يمكن نفي كل احتمال سياسي بصورة قطعية قبل ظهور نتائج التحقيقات.
والأدق هنا القول إن هذا السيناريو يظل واحدًا من بين فرضيات متعددة رغم ضعف حجيته، وليس حقيقة ثابتة. وقد خلصت عمليات تحقق صحفية مستقلة إلى أن الادعاءات المتعلقة بفتح المغرب الحدود عمدًا لم تدعم، إلى الآن، بأدلة علنية كافية إذ سجلت التقارير الصحفية للتلفزيون الإسباني والبرتغالي تداول رسائل وتدوينات بالإسبانية بمواقع التواصل الإجتماعي تفيد بفتح السلطات الإسبانية البوابات .
مسؤولية الدولة لا تلغي مسؤولية الفرد
لا يمكن معالجة هذه المأساة عبر تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط. فالدولة مسؤولة عن توفير فرص الإدماج، والحد من البطالة والهشاشة، وتعزيز الثقة في المستقبل، ومراقبة الحدود، وتفكيك شبكات التهريب، والتحقيق في أي تقصير محتمل.
لكن ذلك لا يلغي المسؤولية الفردية. فمحاولة اقتحام الحدود أو عبورها سباحة ليست ممارسة مشروعة، حتى وإن كانت دوافعها اجتماعية أو اقتصادية مفهومة. كما أن تردي الظروف لا يجعل المخاطرة بالنفس أو اصطحاب القاصرين إلى البحر خيارًا مقبولًا.
التعاطف لا يعني تحويل كل من حاول العبور إلى بطل، كما لا يعني وصفه بالمجرم. فغالبية هؤلاء شباب وقعوا بين الإحباط والوهم والتضليل، لكن الاعتراف بهشاشتهم يجب ألا يتحول إلى خطاب يشجع غيرهم على تكرار التجربة.
ومن الضروري أيضًا مساءلة الأشخاص الذين بثوا دعوات العبور أو نشروا معلومات كاذبة، خصوصًا إذا ثبت أنهم فعلوا ذلك بهدف تحقيق منفعة مالية أو خدمة نشاط إجرامي. فالتضليل الذي يؤدي إلى وفاة أشخاص لا ينبغي اعتباره مجرد منشور عابر على شبكات التواصل، بل قد يشكل فعلًا ذا نتائج جنائية خطيرة متى توفرت أركانه القانونية.
ما الذي ينبغي فعله بعد سبتة؟
أولًا، يجب فتح تحقيق مشترك وشفاف لتحديد كيفية تشكل الحشود، ومصدر المعلومات التي دفعتها إلى التحرك، وما إذا كانت هناك جهات منظمة تقف وراء التحريض أو التنسيق أو الاستفادة من الفوضى.
ثانيًا، ينبغي تتبع المحتويات الرقمية التي روجت لفتح الطريق نحو سبتة، مع احترام القانون وحرية التعبير، والتمييز بين تداول الخبر بحسن نية وبين التحريض المنظم أو التضليل المتعمد المرتبط بمصالح إجرامية.
ثالثًا، يتعين تقييم مسارات التعاون المغربي الإسباني في مجالات الاستخبارات الحدودية، والإنقاذ البحري، والتحقيق المالي، وذلك بالنظر الى المسار الجديد في تفكيك شبكات تهريب المهاجرين والمخدرات، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات السياسية.
رابعًا، يجب إطلاق حملات تواصل موجهة إلى الشباب، تشرح بصورة واقعية الوضع القانوني لسبتة، واستحالة الانتقال منها تلقائيًا إلى البر الإسباني، والمخاطر الحقيقية للعبور سباحة، وأساليب التضليل التي تستخدمها شبكات التهريب.
خامسًا، لا بد من معالجة الأسباب الاجتماعية التي تجعل الإشاعة قابلة للتصديق. فالمعلومة الكاذبة لا تحشد عشرات الآلاف إلا عندما تجد بيئة من الإحباط وفقدان الثقة والاستعداد للمخاطرة.







