تشريح جثة المغربي فقير الجمعة وتسجيلات جديدة بيد المحققين الإيطاليين

تتواصل بإيطاليا التحقيقات القضائية لكشف ملابسات وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، الذي فارق الحياة أثناء تدخل أمني بمدينة بولونيا، في قضية أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، بعدما وثق مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي لحظاته الأخيرة وهو مكبل اليدين ومثبت على الأرض من طرف عناصر الشرطة.
وبينما تتواصل المطالب الحقوقية والسياسية بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، باشرت النيابة العامة بمدينة بولونيا تحقيقاً موسعاً يركز على مجريات التدخل الأمني والإجراءات الطبية التي رافقته، في محاولة للإجابة عن أسئلة لا تزال معلقة بشأن كيفية وفاة الرجل البالغ من العمر 42 عاماً، والذي توقف عن الحركة ثم عن التنفس خلال عملية تثبيته على الأرض.
ووفق ما أوردته صحيفة “إل ريستو ديل كارلينو” الإيطالية، فإن التحقيق لن يقتصر على الشرطيين اللذين تدخلا في الواقعة، بل سيشمل أيضاً أربعة من عناصر الإسعاف الذين كانوا حاضرين بعين المكان، ليصل مجموع الأشخاص الذين تشملهم التحريات إلى ستة.
وأدرجت أسماء هؤلاء ضمن ملف يحمل تصنيف “45 مكرر”، وهو إجراء قانوني مستحدث بموجب المرسوم الأمني الإيطالي الأخير، يتيح للنيابة إجراء تحقيقات بحق الأشخاص المعنيين دون اعتبارهم مشتبهًا فيهم رسمياً، باعتبار أنهم قد يكونون تصرفوا في ظروف ينطبق عليها سبب من أسباب الإباحة القانونية.
ولا تتوقف التحقيقات عند الأشخاص الذين كانوا في موقع الحادث، بل امتدت أيضاً إلى المسؤولين عن تدبير نداء الاستغاثة داخل منظومة الطوارئ الصحية، حيث يسعى المحققون إلى معرفة الكيفية التي تمت بها معالجة البلاغ، ولماذا لم يتم إرسال فريق طبي يضم طبيباً أو ممرضاً، رغم أن الشرطة أبلغت مركز الطوارئ “118” بأن الأمر يتعلق بشخص يعيش أزمة نفسية حادة.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن مركز الطوارئ صنف البلاغ ضمن “الرمز الأخضر”، وهو تصنيف مخصص للحالات غير المستعجلة، ليتم إرسال سيارة إسعاف مزودة بطاقم من متطوعين مختصين في الإسعافات الأساسية والإنعاش القلبي الرئوي (BLS-D)، من دون وجود طبيب أو ممرض ضمن الفريق الذي وصل إلى مكان الحادث.
كما يركز التحقيق على تصرفات عناصر الإسعاف والزمن الذي استغرقه التدخل، في ظل ما كشفه الفيديو المتداول الذي أصبح محوراً رئيسياً في الملف.
وقال المحامي فابيو أنسيلمو، المكلف بالدفاع عن أسرة عبد الرحيم فقير، خلال ندوة نظمها تحالف “الخضر واليسار” (AVS) بمجلس الشيوخ الإيطالي، إن التسجيل المصور يثير تساؤلات خطيرة، موضحاً: “ما يمكن استخلاصه من الفيديو هو أنه عندما نهض رجال الشرطة بينما كان عبد الرحيم في حالة احتضار، ربما لم يكن قد فارق الحياة بعد، وهذا يمكن استنتاجه من الحوار الذي دار بين عناصر الإسعاف إذا تم الاستماع إليه جيداً”.
وأضاف أنسيلمو: “إذا ثبت ذلك، فإن هذه المأساة ستكتسي أبعاداً أكثر سواداً ورعباً”، متسائلاً عن سبب عدم قيام أي شخص بتقديم الإسعافات للضحية أو فك القيود عن يديه وقدميه، قائلاً: “في الفيديو لا أحد يسعفه، ولا أحد يفك القيود عن يديه أو قدميه، وأريد تفسيراً لذلك”.
وفي إطار التحقيق، حصلت النيابة العامة على تسجيلات جديدة صورها سكان المنطقة، إضافة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة المنتشرة في محيط الواقعة، فضلاً عن تسجيل كاميرا مثبتة على زي أحد الشرطيين المشاركين في التدخل، وهو ما سمح للمحققين بإعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث التي امتدت لنحو خمسين دقيقة.
وتكشف الرواية التي قدمها الشرطيان أن عبد الرحيم فقير كان عند وصول الدورية في حالة اضطراب شديد، حيث كان مستلقياً على الأرض ويصرخ قائلاً: “ساعدوني، جميع سكان حي بيلاسترو يريدون قتلي”.
وبحسب التقرير ذاته، نهض فقير بعد ذلك واتجه نحو درج إحدى العمارات، حيث تمدد بطريقة غير طبيعية، واضعاً قدميه إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل، قبل أن يبدأ بضرب أبواب المرائب والارتطام برأسه بأحد الجدران، في حالة وصفت بأنها تعكس اضطراباً واضحاً.
وتضيف رواية الشرطة أن سيارة دخلت لاحقاً إلى ساحة العمارة، فنزل سائقها، ليقوم عبد الرحيم فقير، وفق التقرير، بدفعه والصراخ في وجهه، ثم توجيه لكمة إلى غطاء محرك السيارة، وهو ما دفع عناصر الأمن إلى التدخل لتثبيته بدعوى حماية الشخص الذي تعرض للاعتداء.
ومن بين النقاط التي يخضعها المحققون للتدقيق أيضاً، استعمال رذاذ الفلفل، إذ يسعون إلى تحديد المسافة التي استُخدم منها، ومدى تأثيره على الحالة الصحية للضحية.
وفي المقابل، دافع محامي الشرطيين غابرييلي بوردوني عن موكليه، مؤكداً أن “عملية التثبيت نُفذت وفق البروتوكول المعتمد”، مضيفاً: “لم يحدث أي ضغط على جسد الضحية بواسطة الركبتين، ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان بالإمكان تنفيذ هذا التدخل بطريقة أفضل”.
وأشار بوردوني إلى أن الشرطيين “شابان وحسّاسان”، مؤكداً أنه لمس من خلال حديثهما حجم الألم الذي يشعران به بعد وفاة الرجل، مضيفاً أن “وفاة إنسان أمر يترك أثراً بالغاً ويصيب الجميع بالصدمة”.
وفي تطور آخر، أوضح محامي أسرة فقير أن العائلة لم تتوصل إلى حدود الآن بأي إشعار رسمي بخصوص موعد إجراء التشريح الطبي، مرجعاً ذلك إلى التعقيدات التي أفرزها نظام الملفات الجديد “45 مكرر”، الذي استحدثه المرسوم الأمني الإيطالي لمعالجة القضايا التي يتمتع فيها المتدخلون بحماية إجرائية مؤقتة.
وأكد أن الأسرة تلقت، بشكل غير رسمي، معطيات تفيد بأن التشريح الطبي من المرتقب أن يجرى يوم الجمعة، وهي الخطوة التي يُنتظر أن تكون حاسمة في تحديد الأسباب الدقيقة للوفاة، وتوجيه مسار التحقيقات الجارية في واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الرأي العام الإيطالي خلال الأيام الأخيرة.




