الرئيس الجديد لنادي الوداد الرياضي.. من يكون إبراهيم العسري؟

بعد انتظار طويل وجدل واسع، طوى فريق الوداد الرياضي صفحة رئيسه المستقيل هشام أيت منا، ليُدشّن بداية مرحلة جديدة بزعامة إبراهيم العسري، الذي نجح في إقناع “برلمان الوداد” بمشروعه، متفوقاً بوضوح على منافسَيْه أنس كرامي وياسين سعد الله، في جمع عام انتخابي مثير امتد لأكثر من ست ساعات من النقاش والجدال.
ويضع هذا التحول الإداري المقود أخيراً بين يدي رجلٍ قليل الكلام، كثير الحسابات، لا يهوى الميكروفونات، لكنه يحفظ جنبات البيت الودادي كظهر يده. يُطلّ العسري على جماهير القلعة الحمراء كشخصية عرفت أسرار جدران مركب “محمد بنجلون” قبل أن تعرف أضواء الإعلام، في زمن سئمت فيه الجماهير الودادية “التسيير الاستعراضي”.
هو المهندس الذي اختار أن يتسلح بلغة الأرقام والمشاريع بدلاً من الشعارات وكثرة الكلام، ليتولى قيادة سفينة تعصف بها أزمات الديون والنزاعات، رجلٌ اختار موقع المعارضة في وقت سابق وتحمّل سهام التشكيك، قبل أن تعيد له الأيام اعتباره، ليجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام تركة ثقيلة وتحدٍّ تاريخي، هو إعادة “وداد الألقاب” إلى عرشه.
ابن الدار العارف بخباياها
ورغم عدم تفضيله الظهور كثيراً في الأضواء، يبقى إبراهيم العسري أحد الأسماء المعروفة والمعهودة في محيط القلعة الحمراء، فهو ابن عائلة ودادية تشرّب وسطها حب هذا الكيان منذ الصغر، علما أن والده سبق له أن كان أحد أعضاء برلمان الوداد وأحد منخرطيه.
والتحق إبراهيم العسري في سن صغيرة بأكاديمية الوداد التي تدرّج ضمن فئاتها السنية بين البراعم والشباب، ما منحه فهماً عميقاً لهوية هذا الفريق وخصوصية بيئته الداخلية.
ليتحول هذا الانتماء الميداني مع مرور السنوات إلى حضور مستمر ومؤثر في كواليس القرار، بعد أن اختار العسري في موسم 2016 دخول “برلمان الوداد” على خطى والده كمنخرط، ليبصم منذ ذلك الحين على حضور قوي داخل محيط النادي ومجتمعه الرياضي.
ومن أبرز الأمور التي ميّزت مسار إبراهيم العسري قدرته على بناء جسور متينة من الثقة مع أجيال متعاقبة من اللاعبين والأطر والمسيّرين، سواء في حقبة سعيد الناصيري أو المراحل التي سبقتها، فضلاً عن تواصله المباشر وعلاقته الجيدة بمختلف مكونات الجمهور الودادي، وهو ما جعله في نظر الكثيرين عارفاً بدقائق الأزمات والحلول المطلوبة.
وفي سنة 2024، ظهر اسم العسري لأول مرة ضمن الأسماء المسيّرة للوداد، إذ كان عضواً ضمن لائحة الرئيس السابق عبد المجيد البرناكي، حيث كُلّف أنذاك برئاسة لجنة البنيات التحتية المسؤولة عن صيانة وتجهيز الملاعب والمرافق الرياضية ومركب الحاج محمد بنجلون، قبل أن ينتقل مساره لاحقاً داخل النادي. ومنحته هذه التجربة، بحسب ما عبّر عنه، معرفة واسعة بالجوانب الإدارية والرياضية داخل الوداد، ينوي الاستناد إليها في قيادة الفريق خلال المرحلة القادمة.
من قائمة المتّهمين إلى كرسي القرار
ورغم هدوئه المعهود وعلاقته الجيدة بمختلف الأطراف، ظل اسم إبراهيم العسري خلال فترة الرئيس السابق للوداد أحد الأسماء المرتبطة بالخلافات والصراعات الداخلية للبيت الودادي، إذ كانت علاقته بهشام أيت منا مبنية دائماً على اختلاف في الرأي وتعارض في الرؤى.
حيث كان العسري أحد أبرز الأصوات المعارِضة لتولي أيت منا مقاليد الفريق، ولطالما انتقد طريقة تسييره، داعياً إياه إلى تغيير أسلوبه التدبيري. وعلى هذا الأساس رفض أن يكون عضواً في مكتبه المسيّر، على عكس بقية الأعضاء الذين رافقوا الرئيس السابق عبد المجيد البرناكي، مؤكداً أن هذا الرفض لا يرتبط بأسباب شخصية بل باختلاف وجهات النظر ومبادئه الخاصة.
وقد كلّفه هذا الموقف ثمناً لاحقاً، إذ أصبح محط اتهام وهجوم بعد انضمامه إلى صف المعارضين لأيت منا، وفي هذا الصدد سبق أن صرّح العسري قائلا: “لأن لديّ مبدأ وبقيت محافظاً عليه، وبحكم علاقتي ببعض اللاعبين، اتُّهمت أكثر من مرة بأنني أحرّض اللاعبين ضد الفريق، وبعد كل إخفاق كانت أصابع الاتهام تُوجّه إليّ، ويُقال إنني لا أريد النجاح للفريق.”
وتستحضر الجماهير الودادية في هذا السياق الصراعات التي شهدها محيط الفريق، والتي عرفت تبادل الاتهامات و”التخوين”، غير أنه بعد “فشل” أيت منا في تحقيق وعوده للجماهير وانكشاف عجزه عن إدارة المرحلة، بدأت الأصوات الداعمة له داخل البيت الودادي تتراجع، ما مهّد لرد الاعتبار لفئة عريضة ممن سبق أن طالها التخوين والإتهامات، وفي مقدمتهم إبراهيم العسري.
وتنفي هذه اللأحدات بشكل صريح كل الاتهامات التي طالت العسري والتي تدعي أنه مدعوم من طرف أيت منا، وهي الرواية التي انتشرت سريعاً بين محبي ومتتبعي الشأن الودادي على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.
بروفايل المهندس.. حنكة الأرقام وإدارة الأوراش
على الصعيد الأكاديمي، تعود خلفية إبراهيم العسري إلى تكوين هندسي، إذ هو خريج مدرسة الهندسة، تخصص الهندسة المدنية، من الجامعة الدولية بالدار البيضاء.
أما مهنياً، فيشغل أساسا منصب المدير الإقليمي لشركة “G3C” الرائدة في قطاعات البناء والهندسة المدنية والترميم، فرع الدار البيضاء، وهي المؤسسة التي قضى فيها قرابة عقد من الزمن، مؤكداً أن هذه التجربة منحته فرصة لتعلّم الكثير.
وأوضح الرئيس الجديد لفريق الوداد الرياضي أن عمله كمدير إقليمي لا يقتصر على الجانب التقني بل يوسع حدود مهامه وتخصصه لتتخذ طابعاً “تجارياً وتقنياً في آن واحد”، بدءاً من التنقيب عن الأسواق وتطوير محفظة الزبناء، وصولاً إلى الضبط التقني، مروراً بمتابعة ومراقبة تقدّم الأشغال بالتنسيق مع المهندسين ورؤساء الأوراش، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على تجربته في تسيير الوداد.
وعلى الصعيد المالي، أوضح العسري أن نطاق عمله يفرض عليه مراقبة الجانب التقني والميزانية والآجال الزمنية لتقدّم المشاريع، ما يستلزم امتلاك رؤية شاملة لجميع الأشغال المنفذة في المواقع الخاضعة لمسؤوليته، والاستعداد الدائم لاتخاذ القرارات.
كما أكد أن تجربته السابقة رفقة مكتب عبد المجيد البرناكي منحته معلومات مهمة وتجربة غنية في التسيير الرياضي، مشيراً إلى أنه خلال اجتماعه بالمكتب السابق لتوضيح تصوره للمرحلة القادمة، طالب بجميع المعطيات الدقيقة اللازمة، مؤكداً درايته بأهمية الأرقام والمعطيات، وهو ما فرض عليه تواصلاً مكثفاً مع المكتب مقارنة ببقية المترشحين.
وتشير مصادر متطابقة إلى أن العسري، بعيداً عن مجال تخصصه، يمتلك مسيرة بارزة في قطاع المال والأعمال، إذ يشغل منصب الرئيس التنفيذي لعدد من الشركات، ويدير مجموعة من المشاريع الاستثمارية الخاصة في المغرب في مجالات الشحن والخدمات اللوجستية والنقل الدولي وإدارة الشركات.
رجل الظل.. جفاء مع الإعلام وحضور في الميدان
ورغم علاقته القوية بمحيط فريق الوداد، ظل اسم إبراهيم العسري لسنوات طويلة بعيداً عن الأضواء والشهرة، وهو ما بدا واضحاً للجماهير عقب تعيينه رئيساً جديداً، إذ بدت عليه رهبة المنصة في كلمته الافتتاحية التي غابت عنه فيها الآية القرآنية التي أراد تلاوتها تأكيداً على انطلاق المرحلة الجديدة.
وعلى عكس الرؤساء السابقين للوداد المعروفين بفصاحة اللسان والجرأة أمام وسائل الإعلام، رفض العسري بعد تعيينه الإدلاء بتصريحات مطوّلة، مكتفياً بالتأكيد على أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة إصلاح، ووعد الجماهير بالصدق في العمل لإعادة الفريق الأحمر إلى سكة الانتصارات.
ويبقى اسم إبراهيم العسري من الأسماء التي يصعب البحث عنها، فهو ممن لا يحب الإدلاء بالتصريحات ويفضّل عدم مشاركة معلوماته الشخصية، وقد سبق أن أكد للجماهير عدم توفره على أي حساب في مواقع التواصل الاجتماعي. مع اختياره عدم التسرع والخروج بأي تصريح غير محسوب لوسائل الإعلام، مكتفياً بالإعلان عن استعداده لعقد ندوة صحفية يعرف بها عن نفسه ويجيب من خلالها عن جميع التساؤلات، ويكشف فيها خطته للمرحلة المقبلة.
تركة ثقيلة.. أرقام حارقة وتحديات عاجلة
لن يكون الطريق معبّداً بالورود أمام الرئيس الجديد للوداد، الذي سيواجه عوائق مادية كبيرة بدأت بوادرها تتضح مع التقرير المالي للفريق، الذي خلّف علامات استفهام دفعت المنخرطين إلى عدم المصادقة عليه وتأجيله إلى جمع عام آخر.
وعلى صعيد التركيبة البشرية، سيكون العسري فور استلامه مقاليد البيت الأحمر أمام ضرورة حل أربعة ملفات عالقة لدى غرفة فض المنازعات بالفيفا لتجاوز عقوبة المنع من التعاقدات، علماً أن الفريق سيكون أمام مطالبات مالية “ثقيلة” تصل قيمتها الإجمالية إلى أزيد من 5 مليارات سنتيم.
ويضاف إلى هذا الضغط المالي ضرورة إعادة هيكلة الفريق الأول بعد التغييرات الكبيرة المرتقبة في تركيبته خلال فترة الانتقالات الصيفية، إذ يُنتظر أن يغادر عدد من اللاعبين صفوف الوداد، ما يضع الرئيس الجديد أمام ورش كبير لإعادة تشكيل الفريق استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وأكد العسري إدراكه لهذه العوائق ولصعوبة المهمة في هذه المرحلة الحساسة، مصرّحاً بعد تعيينه: “اليوم لم يتبقَّ لنا الكثير من الوقت، وابتداءً من الغد سنبدأ العمل، فنحن مقبلون على موسم شاق سنحضّر له بكامل المسؤولية.”
وعد الإصلاح.. كيف يخطط العسري لإنقاد الوداد؟
في ما يتعلق ببرنامجه الانتخابي الذي أقنع به “برلمان الوداد”، أكد العسري أنه سيسعى إلى إخراج الفريق من المرحلة الصعبة التي عاشها خلال الموسمين الماضيين، وطي صفحة التسيير السابق بقيادة هشام أيت منا، بعد فترة لم ترقَ فيها النتائج الرياضية إلى مستوى تطلعات الجماهير، محلياً وقارياً، إلى جانب بروز إكراهات مالية وتنظيمية أثرت على استقرار النادي.
وركّز العسري في برنامجه على الجانب المالي باعتباره المدخل الأساسي لإعادة الاستقرار، إذ تعهد بضخ مبلغ يتراوح بين 25 و30 مليون درهم مباشرة في خزينة الوداد فور انتخابه، مؤكداً أن المشروع لن يتوقف عند هذا الحد، بل ستُوفَّر سيولة إضافية كلما دعت الحاجة، من خلال التواصل مع الجهات الداعمة والمستشهرين لتأمين الموارد المالية اللازمة.
وفي الجانب الرياضي، أوضح أن هناك اتفاقاً مبدئياً مع مدرب أوروغواياني وصل بالفعل إلى المغرب، على أن يبقى الإعلان الرسمي عن التعاقد مؤجلاً إلى حين استكمال الإجراءات؛ وقد كشفت تسريبات أن المدرب المعني هو خوسيه دانييل كارينيو.
وبخصوص الاستحقاقات المالية الخاصة باللاعبين، أوضح العسري أنه نجح في إغلاق ملف العميد السابق يحيى جبران بشكل نهائي، مضيفاً أن مشروعه يشمل أيضاً إعادة ثلاثة لاعبين سبق لهم ارتداء قميص الوداد، دون الكشف عن هوياتهم.
وعلى مستوى الموارد المالية، كشف العسري أن الإدارة المقبلة ستعمل على توقيع عقد جديد مع مستشهر رئيسي قبل شهر غشت، بقيمة تفوق 15 مليون درهم، وفي حال تعذّر ذلك سيتم تجديد الشراكة مع شركة “إنجيليك” مقابل ثمانية ملايين درهم. كما تعهد بتسوية جميع ديون النادي خلال فترة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات.
ولم يقتصر برنامج العسري على الجوانب الرياضية والمالية، إذ وعد بإنجاز قاعة خاصة بكرة السلة في غضون سنة ونصف إلى سنتين، وإطلاق منصة للتجارة الإلكترونية تحمل هوية النادي، إلى جانب تطوير الجانب الرقمي عبر تحسين المحتوى ووضع استراتيجية احترافية للتواصل الرقمي. كما أوضح أن تأخر مشروع “ويلنيس” يعود إلى خلاف بين الشركة المكلفة بتطوير البنية التحتية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
بهذا البرنامج الذي يجمع بين الطموح المالي والرياضي، يجد إبراهيم العسري نفسه أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرته على ترجمة وعوده الانتخابية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وكسر صورة “الرجل البعيد عن الأضواء” في منصب يتطلب حضوراً إعلامياً دائماً. فهل يكون هدوؤه المعهود مصدر قوة يعيد للوداد استقراره، أم عبئاً إضافياً في مواجهة جمهور اعتاد على رؤساء لا يترددون في مواجهة الكاميرات؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.





