بورتريه | سياسة

نبيل بنعبد الله.. “الرفيق” الذي يخوض معركته الأخيرة على رأس حزب “الكتاب”

نبيل بنعبد الله.. “الرفيق” الذي يخوض معركته الأخيرة على رأس حزب “الكتاب”

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يستعد محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، لخوض آخر نزالاته الانتخابية من موقع قيادة حزب “الكتاب”، بعدما أعلن قراره، في وقت سابق، بعدم إضافة ولاية أخرى على رأس الحزب الذي يقوده منذ 16 عاما، ما يجعل الاستحقاقات القادمة آخر الاختبارات التي يجتازها قبل تسليم المشعل لقيادة جديدة.

وبين أولى خطواته داخل التنظيم اليساري في سبعينيات القرن الماضي، وتجربته في الحكومة والدبلوماسية والمعارضة، يقترب أحد أبرز الوجوه السياسية المغربية من إسدال الستار على مسيرة سياسية صاخبة، امتدت لأكثر من أربعة عقود، طُبعت بالسجالات المتواصلة والجدل، كما تذبذبت بين لحظات مجد وأزمات كادت تعصف بمستقبله السياسي، لولا أنه كان دوما يجيد النهوض من جديد لصون صفحات “كتابه” من الاحتراق.

“الرفيق” الذي تنقل بين مواقع السلطة والمعارضة، ظل اسمه حاضرا في قلب النقاش العمومي لسنوات، بعدما نجح في تغيير “معطفه السياسي” في أكثر من مناسبة، متقلبا بين تأييد سياسات الدولة خلال تقلده مناصب وزارية، وانتقاد الحكومات المتعاقبة التي لم يكن طرفا ضمن أغلبيتها من موقع المعارضة.

خلال هذا الاختبار الأخير، يسعى بنعبد الله للبصم على اختتام مساره في قيادة الحزب بأفضل صورة ممكنة، من خلال رفع عدد مقاعده البرلمانية، بما يؤهله للتفاوض على دخول “حكومة المونديال”، خاصة وأن مطامح تصدر المشهد السياسي المغربي التي يعبر عنها تبدو بعيدة المنال.

وُلد محمد نبيل بنعبد الله في 3 يونيو 1959 بمدينة الرباط، وترعرع في أسرة أولت اهتماما كبيرا بالتعليم، فالتحق بمدرسة “سان إكزوبيري” التابعة للبعثة الفرنسية بالعاصمة، ثم ثانوية “ديكارت”، قبل أن يشد الرحال إلى باريس لاستكمال دراسته العليا. وفي سنة 1985، حصل بنعبد الله على شهادة عليا من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، ثم عاد إلى المغرب ليزاول مهنة الترجمة المحلفة لدى المحاكم ابتداء من سنة 1987، وهي المهنة التي ظل يحتفظ بصفته فيها إلى جانب انشغاله السياسي.

لكن سنوات الدراسة بفرنسا لم تكن مجرد محطة أكاديمية، بل شكلت أيضا بدايات تشكله السياسي، إذ انخرط منذ سنة 1977 في أوساط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بباريس وأوروبا الغربية، واقترب من تيار التقدم والاشتراكية، الامتداد السياسي للحزب الشيوعي المغربي بعد تحوله إلى حزب التحرر والاشتراكية ثم حزب التقدم والاشتراكية.

بعد عودته إلى المغرب، تسارعت وتيرة صعوده داخل هياكل الحزب؛ فالتحق بلجنته المركزية سنة 1988، وتولى الكتابة الأولى لشبيبته إلى غاية 1994، قبل أن يرأسها حتى سنة 1998، ثم انضم إلى المكتب السياسي مكلفا بالتواصل سنة 1995، وهي تجربة ستنعكس لاحقا على أسلوبه في إدارة الخطاب السياسي والإعلامي.

قبل ولوج الحكومة، راكم بنعبد الله تجربة إعلامية من خلال إدارة جريدتي الحزب “البيان” و”بيان اليوم” بين سنتي 1997 و2000، وهي مرحلة عززت حضوره داخل دوائر القرار الحزبي، ورسخت صورته كأحد أبرز الوجوه المدافعة عن اختيارات الحزب في الفضاء الإعلامي.

وفي نونبر 2002، دخل “الزعيم اليساري” أول حكومة في مساره السياسي وزيرا للاتصال والناطق الرسمي باسم حكومة إدريس جطو، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية أكتوبر 2007، قبل أن يُعيَّن سنة 2008 سفيرا للمغرب لدى إيطاليا، في تجربة دبلوماسية لم تدم سوى نحو عام، ليعود بعدها إلى العمل السياسي المحلي كمستشار بمجلس مدينة الرباط ومقاطعة أكدال ـ الرياض، وهو المنصب الذي حافظ عليه بين سنوات 2003 و2009.

يعد استمرار بنعبد الله على رأس حزب التقدم والاشتراكية لولايات متعاقبة من أكثر الأمور التي جرّت عليه انتقادات سياسية، غير أن كثيرون يرون أنه ظل الوجه السياسي الأجدر بقيادة الحزب، لاسيما في ظل غياب وجوه سياسية منافسة قادرة على ملء الفراغ الذي سيتركه تخليه عن الأمانة العامة للحزب.

صعد بنعبد الله إلى الأمانة العامة لحزب التقدم والاشتراكية منذ المؤتمر الوطني الثامن لحزب التقدم والاشتراكية، المنعقد في ماي 2010، ليحافظ على موقعه السياسي هذا طيلة المؤتمرات اللاحقة التي جددت الثقة فيه، وهي المؤتمر التاسع للحزب المنعقد بتاريخ 02 يونيو 2014، والمؤتمر العاشر في 13 يونيو 2018، قبل الوصول للمؤتمر الحادي عشر بتاريخ 13 نوفمبر 2022.

ومن خلال تجديد الثقة المتواصل الذي ناله بنعبد الله، بات أطول الأمناء العامين بقاء على رأس الحزب في تاريخه الحديث منذ عهد الراحل علي يعتة، غير أن هذه السطوة التنظيمية جلبت على الرجل مؤاخذات سياسية بخصوص عدم إفساح المجال للشباب وهيمنته على هياكل الحزب.

بالرغم من نجاح بنعبد الله في قيادة حزبه إلى دخول حكومتين منذ انتخابه أمينا عاما، إلا أن الجدل ظل مرافقا للتجربتين، خاصة وأن الحزب  الذي يحمل إرث “الشيوعيين المغاربة” سيدخل تحالفا متينا مع حزب العدالة والتنمية الصاعد إلى صدارة المشهد السياسي على ظهر حراك “الربيع العربي”.

ولم يحل الاختلاف الإيديولوجي البيّن بين الحزبين دون أن يصبحا من أكثر الأحزاب تقاربا، بل أكثر من ذلك بات “الكتاب” من أكثر الأحزاب وفاء للتحالف بعد التعثرات التي عاشتها حكومة “البيجيدي” الأولى، إذ ظل بنعبد الله مدافعا شرسا عن هذه الخطوة، معتبرا أنها لم تمس هوية الحزب الذي بقي محافظا على مبادئه ومدافعا عنها من داخل حكومة “الإسلاميين”.

خلال هذه المرحلة، حمل بنعبد الله حقيبة وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة، ثم احتفظ بالحقيبة نفسها بعد التعديل الحكومي لسنة 2013، قبل أن يشغل سنة 2017 وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة العثماني لفترة وجيزة امتدت بين شهري أبريل وأكتوبر من سنة 2017، إذ تم إعفائه من طرف الملك محمد السادس على خلفية تعثر مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، غير أن “زعيم الكتاب” ظل مدافعا عن عدم مشروعية الإعفاء، ليدفع فيما بعد تجاه خروج حزبه من الأغلبية والاصطفاف في المعارضة سنة 2019.

ومع انتقال الحزب إلى المعارضة عقب انتخابات 2021، عاد بنعبد الله إلى الموقع الذي طالما برز فيه، ليصبح أحد أكثر الأصوات انتقادا للحكومة، خاصة في الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وقضايا القدرة الشرائية، والسياسات العمومية، خاصة بعدما تمكن الحزب من رفع عدد مقاعده البرلمانية.

من بين الملفات التي لازمت بنعبد الله طيلة قيادته للحزب، دون أن يحالفه فيها التوفيق، ملف توحيد اليسار المغربي، ذلك أن محاولاته المتكررة لإعادة لملمة هذا شتات اليسار اصطدمت في كل مرة بحسابات الزعامات والصراعات على المواقع واختلاف الرؤى.

وخلال هذه الولاية، جدد بنعبد الله محاولات بناء تحالف يساري، حيث شرع بالتنسيق مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليعلنا عن مبادرة مشتركة للتنسيق السياسي والعمل المشترك، غير أن هذه المحاولة سرعان ما انطفئت لتتحول إلى تصريحات منتقدة بينه وبين الكاتب الأول لحزب “الوردة” إدريس لشكر، لاسيما بعدما فشل تنسيقهما على مستوى مجلس النواب، خاصة خلال مشاورات المعارضة لتقديم ملتمس الرقابة.

وكرر الأمين العام لحزب “الكتاب” المحاولة نفسها مع باقي مكونات اليسار، ممثلة في الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، غير أن هذه المساعي باءت بالفشل هي الأخرى، خاصة بعد اشتراط الحزبين الاصطفاف في المعارضة بعد ظهور نتائج الانتخابات، وهو ما لم يقبله بنعبد الله الذي انتقد علنا هذا المنطق، معترفا بأن حلم توحيد اليسار ظل مستحيل التحقق حتى الآن.

ولم يخل سجل بنعبد الله من محطات أثارت نقاشا واسعا. ففي سنة 2016، أثارت تصريحات أدلى بها لوسائل الإعلام ضد أحد مستشاري الملك ردا رسميا من الديوان الملكي، اعتبر أنها تأتي بعد تصريحات سابقة “لا مسؤولة” من بنعبد الله، مفيدا أنها “وسيلة للتضليل السياسي، في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء لسمعة الوطن”.

وحاول حزب التقدم والاشتراكية التخفيف من حدة هذه الأزمه معتبرا أن التصريحات التي يعبر بها الأمين العام عن مواقف الحزب بصفته ناطقا رسميا له “تعتبر عادية في المجتمعات الديمقراطية”، مؤكدا أنها “تندرج في سياق التنافس الحزبي الطبيعي”، لافتا إلى أن “الموضوع في الأصل يتعلق بنزاعات حزبية محضة لم يكن أبدا في نية حزب التقدم والاشتراكية وأمينه العام إقحام المؤسسة الملكية فيها بأي شكل من الأشكال”.

على صعيد آخر، كان حزب التقدم والاشتراكية من بين الموقعين على على ما عرف إعلاميا بـ”بيان الانفصال” الذي صدر عن الأغلبية الحكومية على خلفية “حراك الريف”، غير أن بنعبد الله عاد خلال الأشهر الأخيرة لتقديم اعتذارا لساكنة الحسيمة معتبرا أن توقيع حزبه كان “خطأ سياسيا”، لكن هذه الخطوة أثارت بدورها انتقادات من ناشطين اعتبروا أن توقيتها الانتخابي يحد من أثرها السياسي.

بنعبد الله كان أيضا موضوع جدل كبير إثر تداول منصات التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو منسوبا إليه وهو يصرخ في وجه أحد أحد أعضاء الحزب وحراس الأمن لمنع دخول أشخاص لاجتماع في الحزب بكلمات اعتُبرت “غير لائقة”، غير أنه عاد لتبرير موقفه معتبرا أنه لا يعدوا أن يكون “رد فعل تلقائي من مناضل يدافع عن حرمة مقر حزبه”.

وتصدر بنعبد الله واجهة الأحداث سنة 2014 بعد رشقه بحجر أصابه في جبينه بمدينة آسا، وتطلب نقله إلى المستشفى، وذلك إثر محاصرته من طرف بعض محتجين، قبل ولوجه القاعة التي عقد فيها لقاء تواصلي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس حزب التقدم والاشتراكية، إلا أن ذلك لم يحل دون استكمال اللقاء التواصلي بعد عودته من المستشفى.

ارتبط اسم نبيل بنعبد الله، خلال السنوات الأخيرة، بحضور إعلامي منتظم، سواء في الندوات السياسية أو المناظرات التلفزيونية أو المؤتمرات الحزبية، حيث اشتهر بأسلوب مباشر يجمع بين اللغة السياسية التقليدية والعبارات الحادة، مع حرصه على خوض سجالات علنية مع خصومه.

ويُعد من السياسيين الذين حافظوا على حضور تواصلي مستمر رغم التحولات التي عرفها المشهد الحزبي المغربي، مستفيدا من خبرته السابقة في الإعلام والتواصل ومن تجربته كناطق رسمي باسم الحكومة. كما أنه لا يتوانى في تلبية دعوات وسائل الإعلام للمساهمة في النقاشات السياسية ما جعله وجها بارزا ضمن المشهد السياسي.

وخلال الأشهر الأخيرة، صعّد من انتقاداته للحكومة الحالية، متحدثا عن ما وصفه بـ”الفراغ السياسي” و”انسداد الأفق الديمقراطي”، كما دعا مرارا إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وحث الشباب، خصوصا المنتمين إلى “جيل زد”، على الانخراط في العمل السياسي المؤسساتي بدل الاكتفاء بالنقاشات الافتراضية.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، يبدو أن بنعبد الله مقبل على خوض آخر انتخابات من موقع قيادة حزب التقدم والاشتراكية، قبل أن يفسح المجال لقيادة جديدة خلال المؤتمر القادم للحزب، إذ سيكون أمام رهان مزدوج؛ تحسين موقع الحزب الانتخابي، وتحضير القيادة الجديدة لتسلم المشعل.

هذه الرهانات جعلت بنعبد الله يمهد لحملته الانتخابية بإبداء حماس كبير في عقد اللقاءات والتجمعات الحزبية بمختلف المدن، إضافة إلى الحفاظ على حضور متواتر على وسائل الإعلام، مع رفع شعارات اجتماعية واقتصادية تركز على تعزيز الحماية الاجتماعية، ورفع قيمة الدعم المباشر للأسر المعوزة، وتحسين الخدمات العمومية، دون إغفال البعد السياسي والنَفس الحقوقي.

وبين مسار امتد لأكثر من أربعين سنة داخل حزب التقدم والاشتراكية، وتجارب سياسية متعددة، وحضور إعلامي قوي، يقترب محمد نبيل بنعبد الله من طي صفحة طويلة في قيادة “حزب الكتاب”، طبعتها الانتقالات بين السلطة والمعارضة، والانخراط في تدبير الشأن العام، وسجالات سياسية لم تتوقف، ما جعله أحد أبرز الوجوه اليسارية التي يصعب أن ترتكن إلى “التقاعد السياسي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News