عبد الكريم سروش والتباسُ قراءةِ اللغة القرآنية

لم تتمكن الدراساتُ المعاصرة للقرآن الكريم بعدُ من تجاوز التباس قراءة اللغة القرآنية، حيث لم تستطع بعد أن ترصد بشكل دقيق خصوصية اللغة القرآنية التي لا تُضاهى؛ فمِن قولِ القدماء بـ”إعجازها البلاغي” وبفرادة “النظم” في القرآن الكريم، إلى القولِ الحديث بكونها لغة “مجازية” أو “تمثيلية” أو “رمزية” أو “ميثية”، أو “فكر إلهي” مُعَبَّر عنه بـ”كلام النبي”، أو هي “رؤى محمد” يحكيها بكلامِه في القرآن…إلخ؛ تبقَى جلُّ هذه الدراسات والتفسيرات قاصرةً، تُعلِنُ عن مأزق لغتِها الواصفة أكثر مما تكشف عن خصوصيةِ اللغة القرآنية.
وأكتفي، هنا، بالاقتراب النقدي الخفيف من آخِر ما كان قد طلع به علينا المفكر الإيراني عبد الكريم سروش في كتابه “كلام محمد.. رؤى محمد“(2024)، حيث عرف الرجل تحولات في نظريته في الوحي من “القبض والبسط في الشريعة” إلى ” الصراطات المستقيمة” إلى “بسط التجربة النبوية” وانتهاء بـ”كلام محمد، رؤى محمد”؛ تحولاتٍ رام من خلالها تطوير نظريته في الوحي، والانتقال من مجرد القول بأن الرسول كان فاعلا مساهما في تشكيل الوحي، ولم يكن مجرد متلقّ سلبي أو صدى له، إلى القول بأن لغة القرآن الكريم “كلام محمد” يَروي فيه “رؤاه” المنامية التي هي وحي؛ ومن ثم، لا يقتضي هذا الكلام حسبه التفسير ولا التأويل، بل يقتضي “التّعبير” مثلَ سائر الرؤى، كما هو شأن رؤيا يوسف داخل النصّ، وقصةِ المعراج في سيرة النبي الكريم. وهنا، ومنذ البداية، نسجل أن سروش يختلفُ مع أصحاب المقاربة التاريخية في منطلقاتهم، لكنه ينتهي إلى تبديد النص ونسف تعاليه مثلهم، مع زعمه أنه ينطلق من أسس عرفانية، وتعيينا عرفان مولانا جلال الدين الرومي الذي لا يمكن قط أن يفضي إلى ما انتهى إليه سروش إلا بضرب متعسف من التأويل.
يكتب سروش: ” كان التصوّر في البدء أن كلام الله هو ذاته كلام محمد ﷺ، وبعد كثرة تأمّل في كلام محمد ﷺ في القرآن والحديث، تجلّى لي أن الخطاب القرآني تشكّل على مسارين: – حوار – رؤيا. أوامر القرآن ليست على مرتبة واحدة، بمعنى أنها صادرة من الأعلى إلى الأدنى، وإنّما هي حوارات بين النبي ومعاصريه، مؤمنين وملحدين، أهل كتاب أو أميين…حوارات هي من صميم المجتمع وتصوراته القبلية القديمة، وبلغة عربية نابعة من عمق التاريخ والثقافة العربية ذات قدرة واستيعاب خاص وحدود. وكذلك هي رؤى سمعية وبصرية استعراضية…ولذا فالتعبير بوصفها رؤيا محمد ﷺ أكثر انسجامًا من كونها كلام محمد ﷺ أو كلام الله، وبما أنها رؤى وتصورات خيالية فهي بحاجة إلى تعبير وتأويل.
ينبغي قراءة النص القرآني على أنه كلام محمد ﷺ وصادر عن لسانه حقًّا، ونتاج عقله وخياله، وقراءة القرآن بهذه الطريقة تعطي معنى جديدًا سيقلب الكثير من المجازات إلى حقائق ويزيل الكثير من المبهمات والشبهات، من دون الحاجة إلى زيادة تكلّف التأويل، أقلّها شبهة الجبر والاختيار. معرفة الرؤى القرآنية ستوفر على قدماء المفسرين حيرتهم في باب التأويل الذي بذلوا فيه جهدًا واجتهادًا غير موفقين لحل المعضلات التفسيرية، وتوضّح أنهم بقوا في طرق التفسير رغم إدراكهم الكافي لذلك.
بسط التجربة النبوية كانت تسلسلًا منطقيًا للقبض والبسط النظري للشريعة، وحاليًا كلام محمد ورؤيا محمد هو استمرار منطقي لكليهما، وللتوضيح أقول: إن أهم فرضية يمكن من خلالها فهم وإدراك كلام محمد ﷺ هي فرضية الرؤى”.
إلى هذه الأطروحة انتهى سروش في أبحاثه؛ وهو فهم سيحررنا، في نظره، من كثير من إشكالات لغة القرآن الكريم وتناقضاتها؛ مثل الحديث عن المستقبل بأفعالٍ مُصرَّفة في الزمن الماضي، أو الحديثِ اللامنطقي عن الزمان، أو استعمالِ لغة محدودة مُقيَّدة بثقافة ومعارف وتاريخية زمن النبي…إلخ. ويرى سروش أن مثل هذا الفهم سيحرِّرُنا أيضا من كثير من الإحراجات والتخبّطات التي وقع فيها فقهاؤنا ومتكلموها قديما وحديثا في تعاملهم مع القرآن الكريم، دون أن يجدوا لها حلا أو مخرجا، كما هو شأن شبهة الجبر والاختيار، أو عدم انسجام ظواهر القرآن مع العلم البشري.
ولنا على مثل الفهم السروشي ملاحظات أولية، هذه سِتٌّ منها:
– إن هذه المقاربة لا تستوعب في قراءتها أن اللغة القرآنية ذات مستويات، أبرزها ثلاثة: المستوى الغيبي الشعائري، والمستوى التاريخي التشريعي، والمستوى القيمي الأخلاقي. وإذا كنا نقبل التفكير في تفسير سروش بخصوص المستوى الأول، فإن المستويين الثاني والثالث لا يقبلان ذلك؛ لكون مستوى التاريخ والتشريع ومستوى القيم والأخلاق يستدعيان أفقا آخر للفهم يعتبر بالمنطق والتاريخ والعقلانية الاستدلالية؛ وكذا لكون السرد القرآني ذي المقاصد الأخلاقية تنتظمه وحدة في الرؤية والمحددات المتعالية والرهانات السردية والقيم الأخلاقية، يستحيل أن تستجيب لها رؤى منامية على مدى ثلاث وعشرين سنة. وحين نستحضر أن المستويات الثلاثة تتضافر لتشكيل رؤية كلية معينة للوجود والحقيقة والمعنى والألوهية والنبوة والمصير أو المعاد والأخلاق…إلخ؛ فإن احتمال النظر بالتفسير السروشي يسقط بالكلية، بما في ذلك تعذر التفكير به في المستوى الغيبي الشعائري.
– الملاحظة الثانية أن ثمة عقلانية قرآنية لها منطقها الخاص، والتي تتجلى في النظام الذي يبدو “لا نسقيا” في القرآن الكريم. فهذه “اللا نسقية”، التي ينعتها سروش بـ”الفوضوية والتشويش”، و”أدب المنام”، و”التداعي الحر”، و”فقدان الانسجام والانتظام”… إلخ؛ والتي يبرر بها أيضا اقتراحَه لفهم اللغة القرآنية بما هي تصييغ لرؤى خيالية منامية؛ هذه “اللا نسقية” هي نفسُها ذات منطق ولها “عقلانيتها” الخاصة التي تختلف جذريا عن طبيعة الرؤى التي تقتضي “التعبير”. فما يبدو “لا نسقيا” في القرآن الكريم يُضاهي “لا نسقية” الظواهر الطبيعية في الكون، والتي تبدو منفصلةً وغير قابلة للفهم والتفسير في لحظة معينة، لكن كلما تقدم العلم وتطورت مفاهيمه ومناهجه إلا واستطاع أن يبدد هذه “اللانسقية”، ليكشف لنا عن العلائق المنطقية الخفية العميقة والدقيقة بين تلك الظواهر. الأمر نفسه ينطبق على “مصحف القرآن” مثلما هو متحقّق في “مصحف الكون” إذا استعملنا لغة الشيخ محيي الدين ابن العربي. هذا الأخير الذي كان يُطلق على العرفاء الذين فُتِحَ عليهم في فهم العلائق الخفية بين الآيات مما يبدو ظاهرها متنافرا؛ يطلق عليهم “أصحاب الموازين”.
– هنا نأتي إلى الملاحظة الثالثة، وهي كون سروش يستند في مقاربته هذه للقرآن الكريم وللغته إلى أهل العرفان، وخصوصا مولانا جلال الدين الرومي. ولا أعتقد أن المقاربة العرفانية بإجمال، وهي تنتج ميراثا باذخا من التفسير الإشاري، تسوِّغ مثل ما ذهب إليه سروش؛ فالعرفانيون يميزون بين التأويل العرفاني والتأويل الباطني للقرآن الكريم، ومدار ذاك التمييز، أساسا، هو اعتبار أهل العرفان في أي قراءة إشاريّة للقرآن الكريم لظاهر النص ولبنيته اللغوية والدلالية والمساقية والسياقية، وكذا أخذهم بمتعاليات الرؤية القرآنية الكلية سواء في التأويل الإشاري الظاهري أو التأويل الإشاري المحض. ومن ثم، فإن الطرح السروشي، حتى وإن كان يسمي أحيانا رؤى النبي “مكاشفاتٍ”، يفقد كل مبرراته من داخل القول العرفاني؛ بما في ذلك ميراث مولانا جلال الدين الرومي الذي لا ينبغي فصلُ تأويل “مثنويه” عن ضوابط تعامله هو نفسه مع القرآن الكريم، وعن ضوابط الاستمداد العرفاني من القرآن الكريم بإجمال.
– إن مما يؤكد، في ملاحظة رابعةٍ، ارتباكَ الطرح السروشي الذي ينظر إلى القرآن الكريم كرؤى منامية محمدية صاغها النبي الكريم بكلماته ولغته، أن سروش لا ينتبه إلى الفروق الجوهرية الكبيرة القائمة بين لغة الأحاديث النبوية واللغة القرآنية، معجما، وبنية، وبلاغة، وأفقا دلاليا. وهذه الفروق مفتاح رئيس لفهم مطلب التحدي الذي ميز اللغة القرآنية عن غيرها، مثلما هي مفتاح أيضا لفهم خصوصية التنسك الشعائري الذي تختص به هذه اللغة في الممارسة التعبدية. وهو ما يعني أن هذا الطرح السروشي لا يستطيع أن يستوعب جدليةَ الاتصال والانفصال بين اللغة القرآنية واللسان العربي.
إن اللغة القرآنية بقدر ما تتصل بهذا اللسان وتتفاعل معه معجما وتركيبا وبلاغة وذاكرة ودلالات…، بقدر ما تنفصل عنه؛ فهي تستعمل حروفَه لكنها تنحو بها منحى إعجازيا كما هو حالُ الحروف المُقَطّعة؛ وهي تستعمل السبك والحبك والمجاز والإيقاع والتصوير الفني وبلاغة القول…لكنها ليست مثل شعر الشعراء ولا نثر الخطباء ولا سجع الكهان؛ وهي تستعمل كذلك الاستدلالَ والمقارنةَ والمحاجة والجدل، لكنها ليست قولا فلسفيا بحصر المعنى؛ وهي تستعمل السردَ وخطاب الحكي وتقنياته، لكنها ليست سردا تاريخيا أو سردا أدبيا.
جماعُ القول إن اللغة القرآنية بانفجارها البيانِي الاستثنائي المعجِز تربكُ كل التصنيفات السائرة في زمانها، فكيف نعتبرها من “كلامِ محمد” الذي لا يمكن إلا أن يكون من جنسِ ثقافته ومألوفِ كلام أهله كما يشير لذلك سروش؟؟ بينما واجه النبيَّ الكريم قومُه بسيلٍ من الاتهامات التي تؤكد اندهاشَهم إزاء ما جاء به، وعجْزَهم عن تصنيفه، وقصورَهم عن استيعاب رحابةِ آفاقه. فوصفهم له بالساحر والشاعر والكاهن والمجنون…؛ كل ذلك دليل على الارتباك الذي أحدثته فيهم اللغة القرآنية من خلال استعمالها المتفرّد للسان العربي، في آفاق ورحاباتٍ ومديات في المبنى والمعنى، لم تعهده قطُّ اللغةُ العربية في تاريخها. وهذا ما نشير إليه بجدلية الاتصال والانفصال في استعمال اللسان العربي بين اللغة القرآنية الوحيانية واللغة العربية البشرية؛ إذ لو كانت اللغة القرآنية من “كلام محمد” ما أحدثَتْ ذاكَ الذي أحدثتْ بالشكلِ الذي أحدثت.
-الملاحظة الخامسة: كيف يمكن لكلام هو تصييغٌ لرؤى منامية خيالية، حتى وإن كانت رؤى الأنبياء وحي، أن نجد فيه دعوات إلى رفض الآبائية، وإعمالِ ملكات “التذكر” و”التفكر” و”التعقل” و”التبصر” و”النظر” و”السير في الأرض” و”الاعتبار” بسنن الله في الكون والتاريخ والأنفس…؟؟ هل هذه “الرؤى المنامية” عقلانية إلى هذا الحد؟؟؟، بل كيف لرؤى منامية تفصّل لنا في توزيع أنصبة الوارثين بشكلٍ حسابي رياضي دقيق؟؟!!، وأنّى لها أن تعرض لنا أحكاما تشريعية ذات نفسٍ قانوني اجتماعي تاريخي ضابط للاجتماع ومفارقاته؟؟ وأنى لها أن تصحّح لنا محكياتٍ وقصصا وأخبارا جاءت في الكتب السماوية السابقة؟؟؟…. علينا أن نُعطِّل عقولنا بالكلية كي نقبل الطرح السروشي.
إن عظمة اللغة القرآنية الوحيانية في هذا الوشج الفريد بين الحس والمعنى، بين الشهادة والغيب، بين المُلك والملكوت، بين منطق الأحوال ومنطق الاستدلال. إنها تجلياتُ جدلية التعالي والتاريخ، التي يجسّدها نزول القرآن الكريم منجّما على مدى ثلاث وعشرين سنة، متفاعلا مع الواقع التاريخيّ والثقافي بكل مفارقاته ونسبيته وتناقضاته ووقائعه وبشريته، ليتم تثميرُ تلك الجدلية بإعادة ترتيبِ آيات القرآن الكريم وفقَ منطق خاص يتحرر من التعاضد النسقي الظاهر للموضوعات، ومن الترتيب الكرونولوجي للنُّزول؛ أي يتحرر من قيد التاريخ ليعانقَ التعالي، ويُقدِرَ اللغة القرآنية على اختراق حدودِ الإطار الزمكاني والثقافي والأنتروبولوجي لسياق النزول. هذه الجدلية الفريدة بين اللا نسقية والمنطق، بين النزول والترتيب، بين التاريخ والتعالي، والتي تفتح المعنى على التجدد اللانهائي، وعلى الاحتفاء بممكنات قراءات تقطن المستقبل المفتوح؛ هذه الجدلية التي تطبع اللغة القرآنية بالفرادة هي ما لا تستوعبه قراءة السيد سروش.
– لا يمكن إطلاقا، في الملاحظة السادسة، تحريفُ التجربة العرفانية الإسلامية والخروج بها عن التفاعل الخلّاق مع الوحي، لاتخاذها منطلقا وذريعة لإلغائه. إن هذا التحريف لا تستجيبُ له النصوصُ الكثيرة التي يؤكد فيها العرفانيون أنهم يوسّعون من فهم النص الوحياني ولا يُهْدرونه، وأنهم يستلهمون التجربةَ النبوية ولا يستنسخونَها، وأن فتوحَهم لا تختلف عن الوحيِ المحمدي في الدرجة، كما يذهب لذلك سُروش، بل تختلف عنه في الطبيعة؛ إذ الولايةُ ليست نبوةً صغيرة؛ بل الوليُّ على قدم النبي، ومنتهى المعرفةِ في الولاية هو مبتداها في النبوة؛ والخِضْر في أقصى الفهم العرفاني ليسَ سوى صورة النبي موسَى الباطنية التي تُبْرز كمالَ معرفته بما هو نبي ورسول من أولي العزم، جامعٌ بين الظاهر والباطن. وهو الكمال الذي نفهم به معنى كلام أبي يزيد البسطامي في إحدى شطحاته: “خضتُ بحرا وقف الأنبياء بساحله”. إنه الساحل الواشجُ بين البر والبحر، أي بين الشريعة والحقيقة. ولا تخرج نصوصُ مولانا جلال الدين الرومي عن هذا الأفق القرآني، إن قُرِئ بعضها في ضوء بعض، وضمن الرؤية العرفانية الكلية التي يمتح منها ويصبُّ فيها.
خلاصة القول إن طرح عبد الكريم سروش ينتهي إلى نسفِ الوحي بدلَ تجديد فهمه، وينتهي إلى تبديدِ عقلانية الوحي المخصوصة بدل استيعابها، وينتهي إلى إلغاءِ النبوة بدل إعادةِ قراءتها. وفي الوقت الذي يتوهّم أن طرحَه يَحُلُّ عدة إشكالاتٍ في فهم النبوة والوحي وقراءةِ اللغة القرآنية اليوم، فهو يقع في تناقضاتٍ جذرية تُبَدِّد وتُهْدِر كلَّ خصوصية للوحي والنبوةِ واللغةِ القرآنية. إنه مثالٌ واضح لعجزِ بعض القراءة التجديدية عن أن تُعيد فهم الوحي في الأفق الحديث دون الانغلاق في الفهوم القروسطية من جهة، ودون الذهاب نحو إهدار وتبديد مفهوم الوحي نفسِه بتسييله، بلغة البولندي سيغمونت باومان، من جهة ثانية.
باحث أكاديمي مغربي في الفكر الإسلامي*







