رأي

مشروع قانون المحاماة.. تضييق على أساتذة القانون وتبخيس للشواهد وأشياء أخرى

مشروع قانون المحاماة.. تضييق على أساتذة القانون وتبخيس للشواهد وأشياء أخرى

يتفق الدستور المغربي الحالي، والدساتير السابقة مع دساتير العالم المتحضر في إعلاء كفالة حق الدفاع، بل تجد في جل الدساتير ومواثيق حقوق الانسان، على الرغم من اختلافات بسيطة في الصياغة، على أن حق الدفاع بالأصالة والوكالة مكفول. ففي عام 1792 حيث كانت مقصلة الثورة الفرنسية تحصد الرقاب والارواح، ولا تفرق بين مذنب وبريء، لم تتهيب المحاماة من أن تقف مؤدية رسالتها حتى عن الملك لويس السادس عشر الذي أجمعت الثورة على تنحيته في محاكمة أريد لها أن تكون شكلية وتمسك فيها فرسان المحاماة بأداء واجبهم العظيم فيها أيا كانت المخاطر!

هذا التقديس الدستوري للدفاع بالوكالة عن طريق المحاماة لم يتحقق بين ليلة وضحاها، وإنما جاء بعد مشوار طويل وأحداث ووقائع هزت ضمير الإنسانية لأخطاء جسيمة حصدت فيها أرواح بريئة، وساهمت هاته المهنة في تكريس الحقوق والحريات ودعم مبادئ المحاكمة العادلة على أساس مبدأ استقلال المهنة كخيار لا رجعة فيه، لكن مشروع قانون المحاماة الذي يحمل رقم 66.23 يطرح أكثر من علامة استفهام وعددا من الإشكاليات، لا تمس فقط المحاماة بل تمس شريحة أخرى من المجتمع وبطريقة غير مباشره وهي فئة الأساتذة الجامعيين وبالأحرى أساتذة القانون حيث يتضمن المشروع عدد من التراجعات في حقهم وفي حق الشواهد الجامعية التي تمنحها المؤسسات التي ينتمون لها.

رسالة المحاماة والمحامين في الحياة الوطنية

لا يمكن لأي كان أن ينكر أن للمحاماة والمحامين بصمات عديدة في حياتنا الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والفكرية والثقافية والصحفية، لم يقتصر حضورهم على ما رأيناه في البرلمان عضوية وأداء، أو في الوزارات ورئاستها، أو الأحزاب وزعاماتها، وإنما سطروا صفحات هامة في الحياة العامة في كل باب.

لقد مرت بنا أسماء ساسة كبار تميزوا وبرزا في ساحة المحاماة، كما أظهر الواقع الثابت بكل مدونات التاريخ أن الحركة الوطنية المغربية، تضمنت وقامت على شخصيات هامة من عالم المحاماة، قد تتفاوت أو تتباين أدوارها ، ولكن يجمع بينها أنها كونت بذرة الجنين في رحم الحركة الوطنية فى المغرب المعاصر، وظل عطاؤها متواصلا بروحه وآلياته فى الأجيال المتعاقبة التي حملت المشعل، توهجت فيها أسماء عبد الرحمن اليوسفي، عبد الرحيم برادة، امحمد بوستة، أحمد رضا اگديرة، محمد بوزوبع، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن بن عمرو، عباس الفاسي… وكانوا جميعهم من فرسان المحاماة  وتتأكد هذه الحقيقة بشكل واضح حين نتابع الصفحات التي سطروها في حياتنا الوطنية والسياسية والفكرية.

بينما المحامي يجد نفسه في نضاله وحيدا وأعزل، إلا من علمه وثقافته وملكاته وموهبته وقدرته ورغبته الصادقة في أداء رسالته، بيد أن هذه السمات والقدرات ذاتها هي التي يمكن أن تجر على المحامي المشاكل وتجلب إليه الأخطار، وأخطر ما يحل بالمحامي إذا اغتيل دوره وتعرض للخطر وهو يؤدى رسالته، هو أن ذلك ينعكس بالضرورة وحتما على موكله، ومن هنا يغدو الاعتداء على المحامي اعتداء على العدالة ذاتها.

شروط تمييزية وإقصائية يجب العدول عنها

على مستوى شرط السن فمشروع القانون قيده في أن يكون سن المعني بالأمر متراوحا بين 22 و40 سنة، وهو تقييد فيه تراجع عن مبدا المساواة أمام القانون كمبدأ دستوري مقارنة مع الشروط المحددة لولوج الوظيفة العمومية كالقضاة وكتابة الضبط والموثقين والعدول، وفي نظري يجب تركه لسن 18 و45 سنة كمبدأ عام.

كما أن اعتماد مشروع القانون على شرط الماستر للمشاركة في مباراة الحصول على المهنة، يجعل منه قيدا أو شرطا يغلق الباب أمام عدد كبير من الخرجين الذين لم تساعدهم الظروف لولوج التكوين بسلك الماستر، إضافة إلى العدد الغير الكافي من حملة دبلوم الماستر في مجال القانون أخذا بعين الاعتبار التحاق عدد منهم بمهن القضاء أو رجال السلطة أو سلك الامن وبباقي الإدارات العمومية، وفي أقصى الحالات فتحه في وجه الحاصلين على الماستر والاجازة أسوة بمهنة القضاء.

  هذا المشروع قانون انتقص أيضا من قيمة شهادة الدكتوراه التي اعتبرها تقرير النموذج التنموي للمملكة أعلى شهادة وطنية ويجب إعادة الاعتبار لها، فإذا كان مشروع قانون العدول قد أجهز على هذا الحق وذلك بأن أغلق الباب على الدكاترة بإمكانية مزاولة خطة العدالة، فقد كان من باب أولى إعطاء تمييز إيجابي للدكاترة لممارسة مهنة المحاماة إما بإعفائهم من مباراة الولوج أو التخفيض من مدة التمرين إلى سنة إسوة بالتشريع المصري الذي منح هذا الامتياز للحاصلين على دبلوم الماستر، دون إغفال أن القانون الحالي يعطي للمحامي الحاصل على الدكتوراه حق إضافة صفة دكتور إلى جانب اسمه وفي هذا إشارة واضحة لقيمتها في رسم مسار المحامي.

بل الأكثر من ذلك، كيف للقانون أن يفرض على الأساتذة الجامعيين الذين يتولون تدريس مواد القانون الخضوع لتكوين لمدة سنة بمكتب محاماة وأن يلتحق بالمهنة قبل بلوغ عمره 55 سنة، (وقد يكون هذا الأستاذ هو من قام بتدريس المحامي)، إن هذا المقتضى فيه تمييز عن قدماء القضاة وعن المحامين الأجانب الذين لم يتم إلزامهم بهذا الشرط، بل تراجع عما كان في القانون الحالي الذي يقر الاعفاء من المباراة ومن التمرين ومن السن للأساتذة، دون إغفال أن القانون الحالي كان قد قام بالإجهاز على حق الأساتذة الجامعيين في ممارسة مهنة المحاماة إلى جانب التدريس، في حين نجد أن أساتذة الطب يجمعون ما بين ممارسة مهنة الطب والتدريس، مع استحضار أن مشروع القانون يسمح للمحاميين بإمكانية القيام بالتدريس.

شفافية التعاقد ومأسسة العلاقة مع المتقاضي

أما بخصوص شرط الكتابة ليس فيه ما ينقص من مهنة المحاماة أو ما يؤثر على مبدأ الثقة المفترضة في المحامي وذلك ما دام أن عددا كبير من المحامين يرتبطون بعقود نيابة أو تنصب مع عدد من إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية ومع شركات القطاع الخاص الوطنية والأجنبية وبالتالي من باب المساواة القانونية والدستورية الأخذ به في الحدود الدنيا، هذا مع الإشارة أن هذا النوع من التعاقدات-أي مع الادرة العمومية- لا يخضع لمسطرة قانونية شفافة تتيح لجميع المحامين الاستفادة من المال العام، وليس المساواة في تقديم المساعدة القضائية والتمييز في تمثيل أشخاص القانون العام الذي لازال يخضع لمنطق العلاقات والولاء السياسي والمحاباة.

ولعل تأطير علاقة المحامي بالمتقاضي(العادي) تظل من أبرز النقط المعقدة لأنها تجمع بين القواعد الأخلاقية والمسؤولية القانونية، ومن تم ينبغي وضع توليفة تصون حقوق المتقاضي وتحفظ استقلالية المحامي ونزاهة المهنة.

أما باستحضار السياق الحالي الذي نعشيه فقد أصبح فيه الذكاء الاصطناعي يفرض إيقاعا جديدا في المجال القانوني ويتسع مجال توظيفه في الحياة الإدارية بالنظر للخصائص والمزايا التي يوفرها، فهذا الجانب يجب أخذه بعين الاعتبار بالنظر لما سيطرحه من إشكاليات في المستقبل.

نحو تشريع وطني يكفل للمحاماة مكانتها ويحمي حقوق الجميع

وبالتالي فمشروع القانون يجب أن يتم وضعه على نحو يفتح الأفاق للشباب الذي ما فتئ الملك محمد السادس في جل خطاباته يدعو إلى الاخذ بيده وليس تضمينه لأحكام ومقتضيات تحصينية وإقصائية بل تمييزية في حالات معينة، بل هو مشروع يجب أن يتحمل فيه ممثلي الامة-البرلمان- المسؤولية السياسية بضمان المساواة أمام القانون وأن يضعوا تشريعا يوفر حماية عامة لمصالح جميع المواطنين متقاضين ومحاماة، وأن يحمل في طياته ما يكرس قواعد الشفافية والمصداقية والحق في الحصول على المعلومة.

وعليه فمشروع القانون لا ينبغي أن ينطوي على أي مساس بالحصانة المطلوبة للمحامين في أدائهم لأعمالهم على أدنى مبالغة أو مزايدة، بل هي ضمانة حقيقية ولازمة وواجبه لحمايتهم حماية تحمي العدالة ذاتها، لأن رسالة المحاماة رهينة بما يتوفر للمحامي من سعة في الأداء وحماية تسبغ عليه فيها، لأن الخائف المتوجس لا يقدر على الأداء، ناهيك عن أن يقدر على خوض الصعب.

 ولعل تاريخ المحاماة وما تعرض ويتعرض له المحامون قديما وحديثا، يبرز أن هذه الحصانة لازمة لزوما يجاوز في ضرورته الحصانة المصبغة على القاضي، فالقاضي متحصن في منصبه بنصوص دستورية وزجرية تحميه من أي تجاوز أو إهانة، وبحصانة مؤسساتية وبالاستقلال المتوفر له، وبالسلطة التي تؤمنه وتردع كل من تسول له نفسه أن يتطاول على مقامه أو على قدسية رسالته.

وخلاصة القول أن قراءة سريعة لمذكرة مشروع القانون والتفصيل الذي تضمنته مواده يتضح من خلالها أنها تحمل عددا من الاحكام والمقتضيات التي استهدف من خلالها واضع النص مواصلة تنزيل خطة العدالة كمشروع عمومي استهدف إصلاح العدالة بجميع مكوناتها، والتي توقفت عند مهنة المحاماة ، هاته المهنة المساعدة واللازمة لسير العدالة كانت تستوجب اصلاحا شموليا وتشاركيا وفتح نقاش مع هيئات المحامين والأكاديمين والمجتمع المدني من أجل صياغة توافقات ومقترحات من أجل وضع إطار قانوني يحمي حقوق المحاميين وتنتصر لقيم العدالة ومبادئ المحاكمة العادلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News