ارتباك جزائري بعد نهاية المهلة الأمريكية لتصنيف “البوليساريو” حركة إرهابية

استقبل وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، أمس الأربعاء 27 غشت، القيادي في جبهة البوليساريو الانفصالية محمد يسلم بيسط، في لقاء حاولت الخارجية الجزائرية تسويقه على أنه يندرج في إطار “مناقشة التطورات الأخيرة في ضوء تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء”.
غير أن معطيات السياق تكشف أن الهدف الفعلي من الاجتماع لم يكن مجرد تبادل للآراء، بل توجيه رسائل مباشرة للجبهة الانفصالية حول ما يتعين عليها القيام به في المرحلة المقبلة، خصوصاً وأن هذه التحركات تأتي في أعقاب انتهاء المهلة التي حددها مشروع قانون أمريكي لتصنيف البوليساريو حركة إرهابية يوم 24 غشت، بعد أن منحت الجبهة 90 يوماً لاتخاذ إجراءات قد تؤهلها لإعفاء محتمل إذا شاركت بحسن نية في مفاوضات تنفيذ مخطط الحكم الذاتي المغربي.
ويستند مشروع القانون الفدرالي، الذي قُدم في 24 يونيو 2025 تحت رقم H.R. 4119 خلال الدورة الأولى الـ119 للكونغرس، إلى سلسلة معطيات توثق ما وصفه المشرعون الأمريكيون بأنه “صلات متنامية وخطيرة” بين البوليساريو وتنظيمات إرهابية ورعاة رسميين للإرهاب. أعدّ المشروع النائب الجمهوري جو ويلسون عن ولاية ساوث كارولينا بدعم زميله الديمقراطي جيمي بانيتا، وأُحيل إلى لجنتي الشؤون الخارجية والقضاء.
وينص المشروع، وفق المادة الرابعة، على منح وزير الخارجية ووزير الخزانة مهلة لاتخاذ قرار مبرر بشأن تصنيف البوليساريو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية وفرض عقوبات عليها وفق قانون “ماغنيتسكي العالمي” والأوامر التنفيذية السابقة. ويتيح المشروع إعفاء الجبهة من العقوبات إذا شاركت بحسن نية في مفاوضات تنفيذ مخطط الحكم الذاتي المغربي.
كما يفرض القانون على وزير الخارجية إعداد تقرير شامل خلال 180 يومًا عن قيادة البوليساريو وأنشطتها وداعميها، لاسيما إيران وروسيا، وعلاقاتها المحتملة مع منظمات إرهابية مثل حزب الله اللبناني وفيلق الحرس الثوري الإيراني وحزب العمال الكردستاني. ويتناول التقرير كذلك أي استهداف محتمل للمدنيين من قبل الجبهة الانفصالية.
عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يرى أن استقبال وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لقيادي جبهة البوليساريو يعكس حالة ارتباك واضحة في الموقف الجزائري، خاصة مع انتهاء المهلة التي حددها الكونغرس الأمريكي بخصوص تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية إذا لم تنخرط في المسار السياسي.
ويؤكد سرحان، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن هذا التحرك الجزائري جاء كرد فعل استباقي على الزخم الدولي المتزايد الذي يحظى به مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية منذ سنة 2007، والذي اعتبرته قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، مقترحاً جدياً وذا مصداقية وقابلا للتنفيذ.
ويضيف سرحان أن الجزائر تدرك أن تراكم الدعم الدولي للحكم الذاتي يضيق الخناق على الجبهة الانفصالية ويضعها في عزلة متنامية، ولذلك فهي تحاول عبر هذه اللقاءات إظهار أن الملف ما يزال مفتوحاً على المساومات السياسية. غير أن الواقع، حسب قوله، يؤكد أن المقترح المغربي بات مرجعاً أساسياً لأي نقاش حول الحل السياسي، فيما تفتقد الجزائر لأي بديل واقعي أو قابل للتنفيذ.
ويشير سرحان إلى أن هذه التحركات الجزائرية لا تخرج عن إطار المناورة الدبلوماسية التي تهدف إلى الحفاظ على موقعها التقليدي كطرف معرقل للمسار السياسي، لكنها في العمق تكشف عن تراجع قدرتها على التأثير في المواقف الدولية، “فالمغرب، من خلال مبادرته، يقدم رؤية عملية تضمن للسكان المحليين صلاحيات واسعة في إطار السيادة المغربية، بينما يظل الخطاب الجزائري أسير أطروحات متجاوزة لم تعد تجد الصدى نفسه على الساحة الدولية” بحسب تعبيره.
ويختتم سرحان تحليله بالقول إن الدينامية التي يعرفها المقترح المغربي للحكم الذاتي تؤكد أنه الخيار الأكثر واقعية واستدامة، بينما تحركات الجزائر تعكس فقدانها لأوراق القوة في هذا الملف، مبرزا أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيزاً أكبر لموقع المغرب دبلوماسياً، خاصة مع اتساع دائرة الاعتراف الدولي بجدية ومصداقية مبادرته، وهو ما سيجعل الجبهة الانفصالية في مواجهة عزلة خانقة وضغوط متزايدة.