رأي

ثقافة السفر

ثقافة السفر

أصبح السفر جزءا مهما من حياة الكثير من الناس، وصار ثقافة ترتبط بفن العيش وفلسفته يحمل رؤية للحياة وكشفا عن ملامح الجمال في محيطها الشاسع و التفاعل معها، وتكثر حركة السفر خصوصا في فصل الصيف حيث تتزامن العطلة المدرسية مع الإجازات السنوية للموظفين والمستخدمين، فتصير فرصة للهروب من روتين الحياة اليومية وخوض تجربة اجتماعية وثقافية مختلفة عبر استكشاف أماكن جديدة.

لقد تغيرت نسبيا النظرة إلى السفر، فلم تعد كما كانت في السابق مقتصرة على الذهاب إلى مواطن الولادة والنشأة وإلى البوادي أو زيارة العائلات وإحياء صلات الرحم بها والمكوث لديها، بل أصبح وسيلة للترفيه والتحرر من ضغوطات العمل ومترتبات الحياة الأسرية والاجتماعية الشاقة والرتيبة، وغدا فرصة للاستكشاف والبحث عن الراحة النفسية فأصبح الناس يخططون لوجهات سفرهم واستجمامهم.

إن السفر في هذا المنحى هو لحظات استثنائية يتحرر فيها الفرد من نمطية الزمن الاجتماعي ويخرج فيه من باحة الاعتيادي والمألوف، وهو بذلك ليس تنقلا جغرافيا، بل تجربة ثقافية واجتماعية ونفسية تدعونا إلى أن نتفاعل معها بوعي وبحس إنساني جمالي، وليس معنى ذلك تطويقها بقيود جديدة.

إن الغاية والهدف من السفر أولا وأخير هو تحقيق المتعة باعتبارها تجربة جمالية والاستمتاع بلحظاته، فالمسافر يتفاعل مع الأماكن والمشاهد الجديدة أو حتى تلك التي اعتادها ويستطيع تجديد علاقته بها، فالأمكنة ليست محطات للرسو وإنما تصير مثيرا لاستجابات جمالية من خلال مناظر ومشاهد طبيعية و تاريخية وعمرانية ومنتوجات ومظاهر ثقافية وفنية : لهجات وأزياء وعادات، تذوق أطعمة جديدة.

فالمسافر حين يشاهد منظرا طبيعيا ساحرا، أو يتأمل معلمة تاريخية أو ثقافية أو يرى لوحة من لوحات إيقاع موسيقي محلي أو يسبح في شاطئ جميل أو يأخذ تجربة مغامرة تسلق جبل أو جولة في الطبيعة فإنه يدخل في حالة روحية و وجدانية عميقة تختلط فيها مشاعر الإعجاب والدهشة والرهبة والخيال والارتياح وهو ما يحقق له المتعة.

إن متعة السفر تتحقق بالخروج عن العادة والمألوف فيتحرر الفرد المسافر ومن معه من الزمن الاجتماعي القسري والمعتاد (الاستيقاظ في وقت معين، الالتزام بقواعد يومية محددة…) ومن كل مصادر التوتر( أماكن الازدحام والضوضاء و انشغالات الحياة…)  وأيضا بالتفاعل مع الأمكنة واستحضار رمزيتها. وبهذا يكون السفر تحررا من معتقل العادة، ومن قيود الحياة المألوفة.

 والواقع أن السفر يخضع للاشتراطات الاجتماعية، فالفرد المسافر لا يسافر بمعزل عن انتمائه وموقعه الاجتماعي وعن تركيبته الاجتماعية والنفسية، فتحديد وجهات السفر وكيفيته والتفاعل مع أمكنته وأنشطته وناسه وسلوكه مشروطة وموجهة بهذه العناصر. والمسافر الواعي ينتقي وجهات سفره ويساهم في دعم اقتصادها المحلي ويحافظ على بيئتها ويحترم خصوصياتها.

إن السفر لا يعني التنقل فقط، بل كيف نكون حاضرين بعمق في التجربة نحل في المكان لنتفاعل مع عناصره الطبيعية والثقافية والاجتماعية ونرصد ملامح الجمال بما يحقق لنا المتعة، ويخفض من نسبة توترنا التراكمي ويزودنا بطاقة جديدة.

لكن السفر تحول، في سياق ظهور وسائط التواصل الاجتماعي وسطوتها وهيمنة ثقافة الاستهلاك والاستعراض، إلى وسيلة للتباهي والتفاخر لدى البعض، وهكذا فإن الكثير منهم  مدفوعون بهذه الرغبة كل اهتمامهم هو التقاط الصور المختلفة وتقاسمها على منصات التواصل الاجتماعي ليس من أجل التعريف بالأمكنة وسماتها الثقافية والاجتماعية وأبعادها الجمالية والكشف عن الاهتمامات الحقيقية المعبرة عن هوية الفرد الحقيقية، بل من أجل الظهور ورسم هوية اجتماعية رقمية بملامح وصور منتقاة لهذه الغاية تعرض أمام الآخر ضمن سياق استهلاكي استعراضي، فيصبح السفر ليس وسيلة لتحقيق المتعة و إنما أداة ووسيطا لتشكيل هذه الهوية ويصبح السفر بذلك مجرد خلفية وديكور من ديكورات هذه الذات وليست أداة لتحقيق الغاية من السفر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News