المغربي وقطيع التبعية: زمن الانقياد بلا سؤال

يبدو أن من أكبر التحديات التي تعرقل بناء وعي جماعي متقدم في المجتمع المغربي، تلك الظاهرة النفسية والاجتماعية التي يمكن توصيفها بـ”سياسة القطيع”؛ لا بوصفها مصطلحاً قدحيّاً يُستخدم للتقريع أو التهجم، بل كتشخيص واقعي لآليات سلوك جماعي تتكرر في كل لحظة مفصلية من حياة المغاربة، وتفضح خللاً عميقاً في بنية التفكير والسلوك والموقف.
سياسة القطيع هي ذاك الانسياق الأعمى خلف ما يفعله أو يقوله “الكل”، دون مساءلة أو تأمل أو حتى جرأة على اتخاذ موقف مختلف. لا يتعلق الأمر هنا بمفهوم “الإجماع” المبني على حوار وتوافق، بل بخضوع لتيار سائد يُمارس قمعاً ناعماً على كل من يجرؤ على الخروج عنه. في هذا السياق، يصبح الصمت فضيلة، والمسايرة حكمة، والانخراط في الرأي السائد ضرورة اجتماعية، حتى لو كان ذلك الرأي مناقضاً للمنطق أو المصلحة العامة أو الضمير.
ولعل أخطر ما في سياسة القطيع ليس في تبعيتها، بل في ما تخلقه من “مناعة ضد التفكير”. فعندما يترسخ في الذهنية العامة أن المختلف مصدر تهديد، يصبح الشك في السائد عملاً تخريبياً، ويُنظر إلى النقد كخيانة، ويُجرَّم الاستفهام كما لو كان زندقة فكرية. وهكذا تُنتج هذه السياسة مجتمعات تفرز الرداءة وتكافئ التواطؤ، وتضع كل صوت حر تحت رحمة العزل أو التهكم أو حتى الاتهام.
وما يزيد الأمر خطورة، أن هذه السياسة تجد في المنصات الرقمية الحديثة امتداداً فعالاً. إذ تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، في الكثير من الأحيان، إلى ساحات لتصفية الحسابات مع المختلف، حيث تشتغل ذهنية القطيع عبر “الترند”، و”الموجة”، و”حملات السب والشتم الجماعي”، وتُمارَس المحاكمات الأخلاقية على أساس رأي أو منشور، لا على أساس الفعل أو القيمة.
إن سياسة القطيع في المغرب ليست وليدة العصر الرقمي فقط، بل لها جذورها في التربية المدرسية، وفي الثقافة الدينية المؤطرة بالتلقين، وفي الإعلام الرسمي الذي كثيراً ما يُهندس الرأي العام بدل أن ينوّره، بل وحتى في البنية الأسرية التي تعلّم الطفل أن الطاعة أولى من النقد، وأن “العين لا تعلو على الحاجب”. هكذا يُنتج المجتمع أجيالاً تخاف التفكير وتفضل “السلامة” على “الحقيقة”.
لكن ما يغيب عن هذا السلوك الجمعي، أن السير في القطيع لا يوفّر أمناً حقيقياً، بل يؤجل الانفجار فقط. لأن الوعي المؤجل يتحول إلى غضب غير موجه، والمطالب التي لا تُنَاقش تتحول إلى احتجاجات عشوائية، والمجتمعات التي لا تحتضن تعدد الأصوات، تُفضي حتماً إلى انفجار الصمت.
إن الخروج من سياسة القطيع لا يعني تبني الفردانية المنغلقة، ولا الانقلاب على كل ما هو جماعي، بل هو دعوة إلى تأسيس وعي نقدي، لا يخشى أن يسأل: “لماذا نفعل ما نفعله؟”، و”هل هذا الاختيار نابع من قناعة أم من تبعية؟”، و”هل سلوكي هو صوتي أم صدى لأصوات الآخرين؟”. هي دعوة لاستعادة الذات المفكرة داخل الجموع، وتحويل الإجماع من صدى إلى حوار.
فالمجتمع المغربي، بتاريخه وحضارته وغناه الثقافي، لا يليق به أن يبقى حبيس الانصياع. وما أحوجنا، في زمن المعلومة وسرعة التحول، إلى شجاعة التفكير بدل راحة التقليد. فـ”من لم يفكر اليوم بحرية، قد يُقاد غداً إلى مصير لم يختره، وهو يظن أنه يسير مع الجماعة إلى بر الأمان، بينما هو ينجرف إلى قاع الهاوية”.







