“نزيف” الأرواح والمصابين يُجهِض استراتيجيات “نارسا” لوقف “حرب” الطرقات

إذا كنا في حاجة إلى مؤشر لقياس نجاح أو فشل استراتيجيات الحكومات في محاربة حوادث السير في المغرب فيكفينا أن نطل فقط على حصائل حوادث السير؛ فلا يكاد يمر أسبوع دون أن تودي حرب الطرقات بأرواح العشرات من المغاربة وتخلف الآلاف من الإصابات والعاهات، وهو الوضع الذي يسائل فعالية استراتيجيات وزارة النقل واللوجستيك ووكالتها الوطنية للسلامة الطرقية في كبح عداد الوفيات جراء حوادث السير.
ارتفاع ضحايا حرب الطرقات، من القتلى والمصابين، يتزامن مع اقتراب إكمال الاستراتيجية الوطنية لمكافحة حوادث السير، والتي وضعتها وزارة النقل واللوجستيك بمشاركة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، للمدة المحددة لها (2017/ 2026). ليجد مبدعوها أنفسهم أمام امتحان تقييم بلوغ الأهداف الاستراتيجية المرقمة وبعيدة المدى لتحصين شوارع وطرقات المغاربة من الفواجع المؤلمة.
ولهذه الإستراتيجية الجديدة، حسب الوزارة، رؤية ملزمة على المدى البعيد تروم تنمية سلوكات مسؤولة وتوفير طرقات أكثر أمانا بالمغرب، كما تحدد أيضا هدفا رقميا طموحاً وهو تقليص عدد القتلى ضحايا حوادث السير إلى 50 في المئة في أفق 2026، أي أقل من 1900 قتيلا على الطرقات في سنة 2026.
وقبل إقرار هذه الاستراتيجية التي امتدت لقرابة عقد من الزمن، سبق لوزارة النقل واللوجستيك، عبر وكالتها الوطنية للسلامة الطرقية، أن وضعت استراتيجية من قبل، خلال الفترة ما بين 2004 – 2013، بأهداف مشابهة لتلك التي رسمت للاستراتيجية الحالية، غير أن الاعترافات بفشلها جاءت من صانعيها باعتبارهم أن مؤشرات السلامة الطرقية، ولا سيما عدد القتلى لكل 100.000 نسمة أو لكل مليون عربة، تبقى غير كافية مقارنة مع تلك المسجلة بالدول المتقدمة، وهو ما جعلها تفكر في استراتيجية عشرية جديدة.
انطلاقة “فاشلة”
إلياس سليب، رئيس المرصد الوطني للسلامة الطرقية بالمغرب، قال إن “الاستراتيجية الأولى (2004/ 2013) كانت ناجحة أكثر من الاستراتيجية الجديدة التي لا يفصلنا عن انتهاء مدتها سوى سنة واحدة”، مبرزا أنها “تمكنت من تحقيق تقدم مكن من إنقاذ ما يقارب 9210 حيوات بشرية والآلاف من المصابين بجروح بليغة”.
وأضاف سليب، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن “الاستراتيجية الجديدة جاءت على غرار سابقتها”، مبرزا أنه “كان واضعوها كلهم أماني من أجل أن تلقى نجاحاً يوازي نجاح الاستراتيجية الأولى وهو مع الأسف ما لم يتحقق خلال السنوات الأولى من عمر هذه الاستراتيجية”.
وأجاب الفاعل المدني في مجال السلامة الطرقية الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية ووزارة النقل واللوجستيك اللذان يتغنيان، حسبه، بإنجازات ما بين 2020 و2022 بأن “التراجع في نسبة حوادث السير خلال هذه المرحلة تزامنت مع جائحة كوفيد 19 وفترة الإغلاق الشامل”.
واعتبر المتحدث ذاته أنه “من الطبيعي أن تتقلص حوادث السير خلال هذه الفترة بحكم التوقف شبه الكلي لحركة المركبات في الشراع وبالتالي غياب أي احتمال لوقوع حوادث السير”، مشددا على أن “نسب هذه الفترة لا ترقى إلى مستوى النجاح ولا يمكن اعتبارها مقياساً”.
وواجه المصرح ذاته هذا “التغني بأرقام فارغة” باستحضار نسب حوادث السير ما بين سنة 2017 و2020، أي قبل وصول جائحة كوفيد 19، حيث شدد على أن “عدد الحوادث في هذه الفترة ينزع الفعالية عن إجراءات ومخططات واستراتيجيات الوزارة والوكالة في تخفيض ضحايا حوادث السير”.
“العبرة بتقليل الحوادث وليس الوفيات”
ولأن مؤشر القتلى من بين الإحصائيات الرئيسية التي تقيس عليه وزارة النقل واللوجستيك والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية نجاح أو فشل استراتيجيتها في محاربة “حرب الطرقات”، فقد اعتبر سليب أن “الانخفاض في نسبة القتلى أمر محمود لكنه لا يعتبر مؤشرا دالاً على نجاح أو فشل مخططات مواجهة حوادث السير”.
ولم يتفق المتحدث ذاته مع من يعتبر أن الوزارة والوكالة نجحتا في تنزيل استراتيجية محاربة حوادث السير بتقليل عدد القتلى، مسجلا أن “المؤشر الحقيقي الذي يمكن أن نبني عليه موقفا حول هذه الجهود هو عدد حوادث السير”.
وتابع المصرح ذاته أن “نسبة حوادث السير وعدد المصابين وخطورة الجروح تثبت عكس ما تحاول الوزارة ووكالتها في السلامة الطرقية أن تروجه لنا”، مشددا على أن السنوات الأخيرة عرفت “ارتفاعا كبيرا في نسب الحوادث، والكارثة الكبيرة أن هذه الزيادة همت الدراجات النارية”.
وفي هذا الصدد، اعتبر سليب أنه إذا كان تراجع عدد القتلى هو أمر إيجابي فإن الذي ساهم فيه بشكل كبير هم مصنعو المركبات الذين وفروا تقنيات ووسائل حماية عالية الجودة لحماية السائقين والراكبين ولا دخل للاستراتيجية في هذا الأمر”.
وحتى إذا لم يكن المصنع من ساهم في تقليص عدد القتلى ضحايا حرب الطرقات، فإنه لا يمكن للوزارة والوكالة أن يحاولا احتكار هذه النسب لوحدهما، مبرزا أن “محاربة حوادث السير وتوعية السائقين ومستعملي الطرقات هي مجهود مشترك بين مختلف المتدخلين”.
“رهان شبه مستحيل”
وبما أن الاستراتيجية الوطنية تراهن في أهدافها على تقليص عدد القتلى ضحايا حوادث السير إلى 50 في المئة في أفق عام 2026، أي أقل من 1900 قتيل، فإن الفصل في تحقيق هذه الغايات من عدمه تحكمه الأرقام والإحصائيات.
وفي هذا الصدد، صرح رئيس المرصد الوطني للسلامة الطرقية بالمغرب بأن هذه الأهداف “طموحة جدا”، مستدركا أنه “للأسف، فإنني لا أظن أنها ستحقق بالشكل والصيغة التي وضعت به”.
وعن مبررات هذه “النظرة التشاؤمية”، لفت المصرح نفسه إلى أن “الوتيرة التي نمشي بها اليوم غير كافية ولم تسرع من تنزيل هذه الأهداف في ما تبقى من عمر الولاية، والذي لا يتجاوز السنة”.
وشدد المصرح نفسه على أنه “لن نحقق هذه الأهداف الاستراتيجية إلا عندما يتقدم تدريس وإدماج التربية على السلامة الطرقية في المنظومة الدراسية وتعزز فرق المراقبة بأجهزة متطورة من رادارات لضبط سلوكات مستعملي الطرقات بشكل صارم وإقرار تكوينات مستمرة حقيقة يصبح حضورها إجباريا للسائقين المهنيين قبل الحصول على شهادة مشاركة”.
وتساءل الفاعل المدني ذاته عن أسباب إخراج حصيلة ضحايا حوادث السير بشكل أسبوعي دون أن يتم التركيز على الحصيلة السنوية، مشككا في أن تكون هذه “خطوة لتقزيم الأرقام المهولة حول حوادث السير”.
“الحاجة إلى انتقاء الفاعلين الحقيقيين”
ويستدعي إنجاح مثل هذه الاستراتيجيات الطويلة الأمد إشراك عدد من المتدخلين الذين من الممكن أن يساهموا في إنجاح الورش الوطني، وهو ما تحرص عليه الوزارة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بإشراك جمعيات المجتمع المدني، إلا أن معايير اختيار هذه الجمعيات تشوبها العديد من النقائص، حسب المهتمين بموضوع الحد من آثار حوادث السير.
وضمن تعليقه على هذه النقطة، سجل رئيس المرصد الوطني للسلامة الطرقية بالمغرب أنه “على الوزارة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أن تعيدا النظر في ما يتعلق بانتقاء الجمعيات التي ستساعدها في إنجاح أوراشها”.
وشدد المهتم بقضايا السلامة الطرقية على أنه “لا يعقل أن تصرف ميزانيات خيالية في مخطط السلامة الطرقية 2022/2024 لاقتناء ما يقارب 552 جهاز مراقبة دون أن نلمس أثرها على أرض الواقع في استمرار نزيف الأرواح جراء ضعف استراتيجيات محاربة حوادث السير”.
وصرح سليب أنه “حتى التعديل الذي استبشرنا به خيرا في بنك الأسئلة الخاص بامتحان نيل رخصة السياقة لم ينزل بالشكل الصحيح”، مشيرا إلى أنه “رغم تغيير بنك الأسئلة لاحظنا في بداية هذه العملية من ما يزال يشتغل بالأسئلة القديمة التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي وأصبح البعض يحفظها عن ظهر قلب”.
وأمام توجه الوزارة والوكالة إلى خطوة تغيير بنك الأسئلة وتحيين بعضها لضمان مصداقية رخص السياقة، تساءل المتحدث ذاته “هل واكب هذا التغيير في نمط الاشتغال تكوين لصالح المكونين في مدارس تعليم السياقة”، مشددا على أن “المترشحين للحصول على رخصة السياقة سيجدون أنفسهم في مواجهة مكونين لا فكرة لديهم عن هذه الأسئلة الجديدة”.





