النعم ميارة يحذر من “عدم اليقين” الدولي وتداعيات الحرب المدمرة بغزة

قال رئيس مجلس المستشارين، النعم ميارة، إن السياق الجيواستراتيجي الصعب يضع العالم أمام مسؤوليات جسام من أجل تحويل مخاض إعادة تشكل النظام الدولي إلى فرص حقيقية للتنمية الشاملة، وكذا التنسيق الفعال للاستجابة الدولية المطلوبة للتعامل مع هذا السياق وما يؤدي إليه من ظواهر تزعزع الاستقرار والأمن العالمي من الناحيتين السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، أبرزها هشاشة نظام الأمن الغذائي العالمي، وتقلب الأسواق المالية والدولية، وأزمة الطاقة والتضخم وارتفاع أسعار المواد الأولية والأساسية، مما يرسم صورة قاتمة عن وضع دولي عنوانه العريض عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.
وسلط ميارة، في كلمة له خلال أشغال الدورة الثانية لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورومتوسطية والخليج، اليوم الخميس، والذي شارك فيه ممثلون من مختلف الدول والاتحادات الإقليمية والقارية، في إفريقيا والعالم العربي والمنطقة الأورومتوسطية وأمريكا اللاتينية، على الحرب المدمرة بغزة، محذرا من تداعياتها على المدنيين الأبرياء وعلى البنيات التحتيى التي بدونها لا يستقيم الحديث عن التنمية المستدامة والكرامة الإنسانية، معبرا عن “أسف المملكة الشديد وقلقها البالغ”.
وأشار ميارة، إلى أن محاور ومواضيع هذه الدورة، والتي ستمتد على مدى يومين، تتعلق بآفاق الاقتصاد الكلي للمنطقة الأورومتوسطية والخليج، وضمان إمدادات الطاقة والتحول الأخضر في المنطقتين، وتمويل المشاريع، لاسيما الصغيرة والمتناهية الصغر، وريادة الأعمال في العالم الرقمي وتحدي الذكاء الاصطناعي، ودور الابتكار في الازدهار والتنمية الشاملة، وهي ما تمكن من مواكبة آنية ومرافقة مستمرة للنقط الساخنة والملفات الحارقة التي تستأثر باهتمام المجموعة الدولية، خاصة وأنها ترتبط بشكل وثيق بالجهود المبذولة، وطنيا وفي نطاق التعاون المتعدد الأطراف، من أجل إرساء نماذج اقتصادية بديلة وأكثر ملائمة للاحتياجات الوطنية والإقليمية والعالمية.

ومن هذا المنظور تتجلى الأهمية الاستثنائية للمنتدى البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورومتوسطية والخليج، بحسب النعم ميارة، ذلكم أنه إطار برلماني يشجع التعاون والحوار والعمل المشترك داخل منطقتين تتمتعان بثقل استراتيجي وازن استعادتا، عن جدارة واستحقاق، اهتمام الجهات الفاعلة في الأسرة الدولية، بحكم موقعهما الجغرافي المتميز ومؤهلاتهما المادية والبشرية التي تجعلهما في صلب دوائر النقاش وروابط التعاون العالمي الهادف إلى استعادة العافية الاقتصادية الدولية ودعم الأمن والسلم الاجتماعي داخل وبين دول المعمور.
ولفت رئيس مجلس المستشارين، إلى أن المغرب، العضو الفاعل في المنطقتين المتوسطية والخليجية، وارتباطهما بمنطقة أمريكا اللاتينية، ما فتئ يبذل، تحت القيادة الحكيمة، للملك محمد السادس، وبالانخراط الكلي لجميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة البرلمانية، جهودا مقدرة تحظى بالإشادة والتقدير من قبل شركائه من دول ومنظمات وهيئات مختلفة، بغاية إيجاد الحلول المبتكرة والمناسبة للإشكالات والتحديات المطروحة عليه في المجالات والقطاعات التي تحظى بالأولوية في لقاءنا هذا، ولاسيما المتصلة بالتحول الطاقي والطاقات المتجددة.
وأبرز أن المغرب كان سباقا للاستثمار في الحلول المستدامة، حيث مكنه موقعه الإستراتيجي ومؤهلاته من الارتقاء إلى مصاف البلدان الرائدة في مجال تمويل وتطوير مشاريع الطاقة المتجددة والنجاعة الطاقية والهيدروجين الأخضر، وذلك ضمن استراتيجيته الطموحة لتسريع الانتقال الطاقي وتحقيق الحياد الكربوني، مسجلا أن المملكة وبهدف جعل قطاع الطاقات المتجددة أكثر جاذبية للاستثمار الخاص، تم إرساء إطار تشريعي وتنظيمي ومؤسساتي مناسب، والذي يتواصل تحيينه بشكل مستمر، إذ يلعب البرلمان وضمنه مجلس المستشارين، أدورا هامة في تناغم تام مع تركيبته الفريدة والصلاحيات التي يخولها له دستور المملكة في المجالات التشريعية والرقابية وفي مجال تقييم السياسات العمومية.

كما شدد على أن المملكة المغربية، وإدراكا منها لموقعها الاستراتيجي الذي يجعل منها نقطة تلاقي وصلة وصل بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وتصريفا لقناعاتها الثابتة بأهمية التعاون المشترك وخاصة التعاون جنوب-جنوب، كما يرعاه الملك محمد السادس، éلا تكتفي بوضع ما تستلزمه التحديات المذكورة من سياسات عمومية وطنية فاعلة وناجعة، بل تتعدى ذلك إلى طرح وقيادة مبادرات إقليمية تستهدف تحقيق أهداف مشتركة على مستوى التنمية الشاملة مع محيطه المتعدد، ولاسيما في عمقه الإفريقي”، مشيرا إلى أنها، وبفضل ما تحقق لها من تراكم مهم في المجالات المذكورة، تعمل على تعزيز وتطوير علاقات التعاون والشراكة مع البلدان الصديقة وبالخصوص الإفريقية لأجل تنمية قارية مستدامة.
وأورد ميارة، في كلمته، أن المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لتعزيز ولوج دول الساحل للمحيط الأطلسي، تشكل إطارا متفردا لتحقيق تعاون إفريقي متعدد الأبعاد وتنسيق جهود التنمية بما يؤسس لميلاد إفريقيا جديدة مزدهرة ومستقرة، مذكرا بالجهود المكثفة التي تبدلها المملكة لتنفيذ مشروع خط أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا وفقا لمقاربة اقتصادية تركز على تحسين الأوضاع الاقتصادية للدول الإفريقية ذات الدخول المتوسطة التي سيمر بها المشروع، وذلك في إطار تعظيم المكاسب الاقتصادية لهذه الدول وفق مبدأ “رابح-رابح”، معتبرا أن هذه المشاريع كلها مشاريع تهدف إلى جعل المواطن الإفريقي في صلب التنمية وخلق فضاء للتكامل والتنمية المشتركة مع هذه الدول.
وتنضاف إلى هذه المبادرات الخلاقة، وفق ماجاء في كلمة رئيس المستشارين، الجهود المبذولة مع الشركاء في شمال المتوسط ومع الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي “الذين تربطنا معهم شراكات نموذجية، متجددة وشاملة قائمة على التكامل والتعاون في مختلف المجالات”، معربا عن إشادته بمستوى التقدم المحرز في العلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية، “لاسيما على المستوى البرلماني، حيث يحظى البرلمان المغربي بوضعية خاصة لدى التكتلات البرلمانية الفاعلة في هذه المنطقة”.

وقال إن من أبرز اللحظات القوية لمنتدى مراكش البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورومتوسطية والخليج، والتي تضفي عليه قيمة استثنائية تلك المرتبطة بتسليم جائزة التميز لبرلمان البحر الأبيض المتوسط لفائدة وكالة بيت مال القدس الشريف الذراع التنفيذية للجنة القدس، برئاسة الملك محمد السادس، وذلك نظير ما تقدمه الوكالة من خدمات جليلة ومجهودات قيمة، من أجل العمل الإنساني والاجتماعي الميداني الملموس، والذي يتلازم مع المسار السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية، الذي تضطلع فيه الدبلوماسية المغربية، بقيادة العاهل المغربي، بدور ريادي وإنساني مشهود بثباته ونبل مساعيه.
وأفاد المسؤول المغربي، أن هذه الدورة ستتميز كذلك بإطلاق “المرصد البرلماني للجنوب العالمي من أجل التنمية المستدامة للمنتدى البرلماني جنوب جنوب” بشراكة مع برلمان البحر الأبيض المتوسط، وذلك في إطار تنزيل قرارات الإعلان الختامي للمؤتمر البرلماني للتعاون جنوب – جنوب المنعقد بالرباط في فبراير 2024 والذي شارك فيه ممثلو مجالس الشيوخ الشورى والمجالس المماثلة والاتحادات البرلمانية الإقليمية من إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والذي دعوا من خلاله إلى تعزيز التنسيق والتعاون والتشاور، وذلك عن طريق إنشاء مؤسسات دائمة.
وإأردف موضحا :”إن أملنا كبير في أن يكون هذا المرصد إطارا فاعلا ومنتجا من أجل مواكبة المنتدى في تحقيق أهدافه واقتراح الحلول والخطط العملية التي من شأنها تقوية وتعزيز قدراتنا كبرلمانيين في المنطقيتين من أجل النهوض بمسؤولياتنا المشتركة على أحسن وجه، حيث يظهر تقرير أهداف التنمية المستدامة الأخير، الذي نشرته الأمم المتحدة في 28 يونيو 2024، أن 15% فقط من الأهداف المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة تنحو حاليا منحى صحيحا نحو تحقيقها”.
وسجل النعم ميارة، إلى أن جائحة كوفيد-19 والصراعات والتوترات الجيوسياسية والتجارية والآثار المتفاقمة لتغير المناخ تتضافر لكبح الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لافتا إلى أن بلدان الجنوب هي الأكثر تضررا في ظل هذه السياقات، بسبب افتقارها إلى الموارد المالية وإلى المرونة الموازناتية اللازمة للاستثمار بشكل مستدام في مستقبلها وفي مستقبل شعوبها.

واسترسل موضحا :”لأن للبرلمانات أدوارا أساسية في النهوض بالرؤية الشاملة لأهداف التنمية المستدامة، لاسيما من خلال العمل على تأمين آليات التحمل الأفقي لمهام التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية والإذن بتعبئة الموارد ضمن الميزانية، وكذا مهام التمثيل عبر السهر على إسماع صوت مختلف شرائح المجتمع في عملية صنع القرار، فإني أعتبر هذه المناسبة سانحة للدعوة إلى إحداث هذا المرصد”.
كما اعتبر أن من شأن هذا المرصد، الذي لابد أن تتفرع عنه مراصد إقليمية ووطنية، أن يشكل إطارا مؤسساتيا لتعزيز التعاون جنوب-جنوب وأن يتيح لبرلمانات وبرلمانيي الجنوب إمكانية تبادل التجارب والممارسات الفضلى فيما يتصل بتتبع تعهدات حكوماتهم وتقييم الاستراتيجيات والسياسات العمومية من منظور أهداف التنمية المستدامة، وكذا إمكانية التنسيق المنتظم وبلورة مواقف مشتركة للترافع في المحافل والتظاهرات الدولية لصالح بلدان وشعوب الجنوب.
وأشار إلى أنه وإبرازا للأدوار الطلائعية التي تلعبها المرأة في عمليات صنع القرار والمشاركة السياسية، سيعرف اليوم الثاني من هذا المنتدى عرض الأنشطة التي قام بها “منتدى النساء البرلمانيات ببرلمان البحر الأبيض المتوسط” خلال الفترة الممتدة من 2021 ولغاية 2023، وكذا بسط نتائج الاجتماع التنسيقي للمجلس الاستشاري الموسع للمنتدى إضافة إلى توقيع اتفاقية التعاون بين “منتدى النساء البرلمانيات ببرلمان البحر الأبيض المتوسط” و”الشبكة البرلمانية للسيدات البرلمانيات في إفريقيا والعالم العربي”.





