موقف

من يفوز في الانتخابات القادمة بالمغرب؟

سؤال مركزي يخترق قواعد حزب العدالة والتنمية هذه الأيام، وتحاول القيادة بكل ما أوتيت من قوتها خلق أجواء الأمل والحماس بإمكانية أن يحقق الحزب فوزه الثالث رغم إكراهات تغيير القوانين الانتخابية واعتماد القاسم الانتخابي على قاعدة عدد المسجلين.

خطاب قيادة الحزب يقوم على أربعة عناصر أساسية، أولها أن القاسم الانتخابي الجديد لا يعني بالضرورة سد الباب أمام خيار الفوز، وأنه بالإمكان تحقيق الانتصار بالاعتبار الإحصائي الرياضي، وثانيها أن الأمر يتوقف على جاهزية قواعد الحزب واستعدادها لخوض حملة انتخابية قوية، وثالثها الاعتماد على الحصيلة، أي رفع شعار الدفاع عن التدبير الحكومي والإنجازات التي قامت بها حكومة العدالة والتنمية الأولى والثانية. والرابع أن الحقل الحزبي يفتقد لمنافس قوي للعدالة والتنمية، وأن الأحزاب الأخرى مجرد ملحقات للإدارة الترابية أو في أحسن الأحوال هي أحزاب نخبة صغيرة لا تتمتع بقاعدة شعبية عريضة.

أما الأحزاب الوطنية التي تخلقت من رحم الشعب، أي حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فلم تعرف أي دينامية سياسية تؤشر على توسع شبكاتها الاجتماعية.

جزء مهم داخل الحزب لا يستبعد إمكانية الفوز، لكنه يرى أن تغيير عنوان المعركة الانتخابية فيه كثير من المغامرة، فقد اعتاد الحزب، حتى وهو يحمل حصيلة حكومية مشرفة، أن يخوض الانتخابات بعنوان سياسي، وأن التخلي عن هذا العنوان، خصوصاً بعد تصويت الأغلبية الحكومية ضد الحزب على القاسم الانتخابي، سيفقد الحزب أحد أكبر العوامل التي استند إليها في توسيع قاعدة المؤيدين له والعاطفين على خطه، والمتضامنين مع مظلوميته.

ثمة إلى جانب هذين الرأيين اللذين تجمعها فكرة إمكانية انتصار الحزب في هذا الاستحقاق، رأي ثالث، يرى أن الشروط الانتخابية والسياسية والتنظيمية، لا تلعب لصالح الحزب، وأن العدالة والتنمية مطلوب منه في هذه اللحظة ألا يضع كل بيضه في سلة هذه الاستحقاقات، وأن الجوهري في هذه المرحلة هو الالتفات إلى إصلاح آلة الحزب، والبحث عن جواب سياسي جماعي للمرحلة، بما يضمن من جهة تماسك الحزب، واجتماع كل مكوناته، وبما يجعله قادراً على التفاعل مع تحولات السياسة في المغرب.

يستند هذه الرأي على جملة مؤشرات:

أولها أن القاسم الانتخابي ضرب قوة الحزب في المدينة، ففي المجال الحضري، لن يستطيع الحزب أن يفوز بأكثر من مقعد واحد وهو الذي كان يحصل في بعض الدوائر على ثلاثة مقاعد في الدائرة الواحدة. فاعتماد القاسم الانتخابي الجديد في المدن سيجعل الأحزاب الكبيرة متساوية في عدد المقاعد حتى ولو حصل تفاوت كبير في عدد الأصوات.

والثاني، أن عودة الاقتراع الفردي، وتوسيع دائرته، تعني فقدان الحزب لمقاعد مهمة في المجال القروي، وأن الاختراق الذي حققه في الانتخابات السابقة لم يتجدد مع هذا المعطى الذي يخص تعديل القوانين الانتخابية.  فتوسع دائرة الاقتراع الفردي في الدوائر التي يبلغ عدد ساكنتها خمسين ألفاً لن يخدم المصالح الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، وسيخدم بدرجة أولى الأحزاب التي تعتمد على الأعيان لا على القائمة الحزبية التي تستند إلى البرنامج والخيارات السياسية.

المؤشر الثالث، أن ظاهرة الترحال السياسي قد نشطت بشكل غير مسبوق، وأنها أصابت حتى حزب العدالة والتنمية، وربما لأول مرة بهذه الوتيرة، حيث شجعت القوانين الانتخابية الجديدة (القاسم الانتخابي) عدداً من برلمانيي الحزب ومستشاريه، ممن قدروا أن أملهم في الترشح مع مسطرة الحزب للترشيح سيكون ضعيفاً. هذا المعطى الجديد يضر الحزب من جهتين، أولاهما أنه سيفقد قاعدة مهمة من عاطفيه الذين ارتبطوا بشكل أو بآخر بالرحل منه، والثانية، أن آثار ذلك على الداخل التنظيمي ستضعف جهوزية الحزب في الحملة الانتخابية.

المؤشر الرابع وله أهمية كبيرة، لأنه مرتبط  بتوتر الداخل التنظيمي، فثمة  تيار داخل الحزب يترقب الاستحقاق الانتخابي، ويترقب أكثر ما بعده من استحقاق تنظيمي (مؤتمر الحزب القادم)، ويرى أنه غير معنيّ بالمطلق بتدبير المرحلة، وأن نتائج الانتخابات ستكون حاكمة على هذا التدبير، وأنه لا يجد القدرة الفكرية والسياسية، فضلاً عن الجاهزية التنظيمية للدفاع عن تدبير المرحلة، لاسيما في شقه السياسي، وربما قد يكون في صالحه أن يخسر الحزب في الانتخابات، حتى يترتب على الفشل استحقاقات تنظيمية (محتسبة القيادة في المؤتمر وتغييرها).

المؤشر الخامس، وهو لا يقل أهمية عن  المؤشرات السابقة، ويرتبط بقاعدة الحزب الطبيعية، والتي ارتبطت به لاعتبارات المرجعية والهوية والقيم، فهناك هزة عنيفة داخل هذه القاعدة، نتجت بسبب تصويت الحزب على فرنسة التعليم (القانون الإطار)، كما أن هناك قاعدة أخرى ارتبطت به لاعتبار دوره في الدفع بمسار الدمقرطة وحقوق الإنسان، وهي تجد اليوم في التراجع الحقوقي والمس بحرية الصحافة المستندات الكافية لفك الارتباط به.

حكاية الطبقات والشرائح في تقديري لن تكون حاسمة، فالطبقات الوسطى التي حسمت في الاستحقاق النتيجة لصالح العدالة والتنمية بسبب شعورها بدوره في الانتقال الديمقراطي مظلوميته السياسية، لن يستطيع أي حزب أن يستقطبها، بسبب غياب المنافس، وأنها في السيناريو الأقصى ستتجه إلى توسيع دائرة عدم المشاركة.

كل هذه المؤشرات -في تقديري- تجعل عملية فوز العدالة والتنمية في الاستحقاقات القادمة أمراً صعباً، لاسيما إن تخلى عن العنوان السياسي ودخل الانتخابات بعنوان الدفاع عن الحصيلة، ولم يعطِ أهمية لتوحيد مكونات الحزب.

ليس ثمة سيناريو واضح لما بعد العدالة والتنمية، وإذا كانت وسائل الإعلام تستثمر بقوة في إبراز قوة التجمع الوطني للأحرار، فذلك راجع لصلة رجال أعماله بالإعلام من جهة، ولوجود رهان على إزاحة العدالة والتنمية. لحد الآن، هناك أربعة أحزاب متنافسة على المرتبة الأولى، هي: العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة،  وليس ثمة أي مؤشر يبرز تفوق هذا الحزب على الآخر، وأن القوة التي كان يتمتع بها العدالة والتنمية تم ضربها بقوة بالقاسم الانتخابي، فضلاً عن تأثرها بالتدبير السياسي للمرحلة (تدبير قيادة الحزب)، وأنه تبعاً لذلك صار يتمتع مع الأحزاب الأخرى بنفس الحظوظ، وأن ما سيحسم المعركة هو قدرته على مواجهة التحديات التي تطرحها المؤشرات الخمسة السابقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.