أمن وعدالة

الداكي: الاتجار بالبشر يصنف ثالث تجارة غير مشروعة مدرة للربح بعد الأسلحة والمخدرات

الداكي: الاتجار بالبشر يصنف ثالث تجارة غير مشروعة مدرة للربح بعد الأسلحة والمخدرات

قال الحسن الداكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، إن مختلف أشكال العنف والاستغلال والإهمال، التي يتعرض لها الأطفال، ولاسيما منها الأشكال الحديثة للعنف، وتشغيل الأطفال القاصرين، تستوجب إحداث منظومة للتبليغ عن الخروقات، ينخرط فيها كل الفاعلين، بمن فيهم الأسرة والمدرسة والمجتمع.

وخلال كلمة له في لقاء قدمت فيه رئاسة النيابة العامة، بشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونسيف”، اليوم الأربعاء، عرضا حول مؤشرات التعرف على الأطفال ضحايا جريمة الاتجار بالبشر، أشار الداكي إلى أنه وأمام ما يتعرض له الأطفال من عنف مادي ومعنوي، ومن تجاوزات بشتى أنواعها، من طرف بعض أقاربهم الموثوق بهم، الذين يتعاملون معهم بشكل يومي، فإنه يتعين العمل على وضع آليات لتوثيق هذا النوع من العنف، وإنتاج مؤشرات وبيانات كفيلة بوضع برامج للوقاية منه.

وسجل المسؤول المغربي أن جريمة الاتجار بالبشر تصنف على أنها من أخطر الجرائم التي أصبحت تعرف انتشارا واسعا وسريعا في كل بقاع المعمور، وتستهدف ضحاياها باستعمال مختلف أساليب الاحتيال والخداع لاستقطابهم واستغلالهم أبشع استغلال مما يعد إهدارا لكرامة الإنسان وانتهاكا لحقوقه الملازمة لصفته الإنسانية.

واعتبر المتحدث أن مرتكبي الجرائم ضد الأطفال يسعون إلى التراجع بالبشرية إلى عهود الرق والاستعباد وذلك بتحويل الإنسان لسلعة قابلة للتداول والاستغلال، من أجل تحقيق منافع وأرباح مادية لفائدة المستغلين، مما يوفر تدفقات مالية غير مشروعة أصبحت معها جرائم الاتجار بالبشر تصنف كثالث تجارة غير مشروعة مذرة للربح على المستوى الدولي، بعد تجارة الأسلحة وتجارة المخدرات.

كما أوضح الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، أن جرائم الاتجار بالبشر ترتكب عادة في فضاءات مغلقة وفي ظروف تستعمل فيها أذكى وسائل التحايل والتخفي، وقد ترتبط بعدة جرائم أخرى، كما أنها ترتكب في حق أشخاص في وضعية استضعاف تجعلهم لا يقوون على الهرب أو التبليغ عن الاستغلال الذي يتعرضون له، كل ذلك يجعل هذا الصنف من الجرائم يقتضي توفر عنصر بشري ملم بالأركان التكوينية لهاته الجريمة البالغة الخطورة، ومتشبع بثقافة حقوق الإنسان ويملك القدرة على الموازنة بين حماية ضحايا هاته الجريمة وبين استفادة مقترفيها من ضمانات المحاكمة العادلة.

وأردف :”من هذا المنطلق، وأخذا بالمبادئ المسطرة في بروتوكول باليرمو المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة جريمة الاتجار بالبشر ولاسيما في حق النساء والأطفال، فقد شدد المشرع المغربي في القانون 14-27 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر على ضرورة التعرف على ضحايا الاتجار بالبشر في جميع مراحل سير إجراءات الدعوى العمومية، كما أحاط الأطفال ضحايا هذه الجريمة بالاهتمام البالغ وأفرد لهم مقتضيات خاصة سواء من حيث توفير الحماية لهم أو من حيث تشديد العقوبة على المتجرين، وذلك نظرا لما يتميز به وضعهم من هشاشة مضاعفة بسبب صغر سنهم وعدم اكتمال وعيهم مما يعرضهم أكثر من الرشداء لأخطار الاستغلال”.

وشدد على “ضرورة الإلمام بمختلف المؤشرات التي تمكن الأشخاص المكلفين بتطبيق القانون من التعرف على ضحايا هذه الجريمة من الأطفال، قصد وقايتهم ومساعدتهم وتمكينهم من الحماية التي أفردها لهم القانون من جهة وضمان عدم متابعتهم كمتهمين من جهة ثانية، وذلك انسجاما مع مبدأ ‘ساعد ثم حقق’ الذي كرسه الفقه الجنائي في باب الاتجار بالبشر”.

ويؤكد الداكي أن رئاسة النيابة العامة حرصت على إعداد دليل بغية توفير وثيقة مرشدة لقضاة النيابة العامة ومرجعا يستهدف التفعيل الأمثل للمقتضيات القانونية ذات الصلة بمكافحة جريمة الاتجار بالبشر وحماية ضحاياها ووضع تصور موحد لكيفية التعرف على الأطفال الضحايا ولأنجع السبل للتكفل بهم، فضلا عن تقديم نماذج للقرارات القضائية التي وظفت المؤشرات القانونية المتعارف عليها عالميا واستطاعت توفير الحماية للضحية والزجر للمعتدين، كما يقدم الدليل عددا من الوثائق القانونية الوطنية والدولية الضرورية لمعالجة قضايا الاتجار بالبشر ونماذج للمطبوعات التي يمكن للنيابة العامة استعمالها في قضايا الاتجار بالأطفال.

وقال إن الدليل يعتبر ثمرة مجهود حثيث حرصت من خلاله لجنة علمية تتألف من قضاة مسؤولين برئاسة النيابة العامة أو بالمحاكم على تجميع مجموعة من التجارب والممارسات الفضلى، سواء تلك التي راكمها الخبراء الدوليون في المجال أو تلك المستقاة من العمل القضائي بمختلف محاكم المملكة، وصياغتها في شكل دليل عملي تأمل من خلاله رئاسة النيابة العامة أن يشكل وثيقة يمكن الرجوع إليها من طرف مختلف الفاعلين والمتدخلين المعنيين بمكافحة جريمة الاتجار بالبشر.

ولفت أن تحقيق الغاية من إعداد الدليل المذكور، والمتمثلة في توحيد الجهود والرؤى للتعرف على الأطفال ضحايا هذه الجريمة المركبة، لا يتطلب فقط المقاربة القضائية أو الزجرية وحدها لمحاربتها والحد من آثارها، “بل يقتضي الأمر ضمان الوقاية الفعالة والحماية الناجعة في سبيل تحقيق زجر رادع لمرتكبيها، الكل في ظل التقائية تروم تعبئة كافة القدرات وتظافر مختلف الجهود للحد من آثار هذه الجريمة لاسيما عندما يتعلق الأمر بشريحة الأطفال الفئة المحتاجة للعناية والرعاية التي تشكل المستقبل الواعد لبلدنا”.

وأشار المسؤول إلى أن المنهجية المعتمدة في إنجاز هذا الدليل اعتمدت بالأساس على استقراء الواقع من خلال ما يفرزه من أحداث ونوازل، واستنباط المؤشرات التي تميز كل حالة، وبعد تجميعها وتبويبها تم استخلاص المؤشرات التي تميز كل مجموعة من الحالات بحسب الزاوية التي يتم النظر من خلالها الى الفعل المرتكب وما يخلفه من آثار ظاهرة أو مستترة على الضحايا ليتم وضع قائمة بمختلف المؤشرات التي تؤدي إلى التعرف على الأطفال ضحايا كل حالة من حالات الاتجار بالبشر مع التركيز بطبيعة الحال على صور الاتجار الغالبة ببلدنا والمتمثلة في استغلال الأطفال في الدعارة، التسول والعمل القسري أو المنزلي، كما نشيد بالمقاربة التشاركية التي تم نهجها أثناء اعداد محتويات هذا الدليل وذلك من خلال اشراك السادة القضاة الممارسين، ولاسيما أعضاء شبكة الاتجار بالبشر وأطر المساعدة الاجتماعية من اجل بلورة تصورات مشتركة وعملية لمختلف النقط المضمنة متنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News