سياسة

بوعسرية: بيع وشراء الجنح لن يحقق العدالة والمساواة ويفرغ النص الجنائي من القوة الردعية

تتجه الحكومة المغربية نحو إخراج قانون العقوبات البديلة بشكل مستقل عن مجموعة القانون الجنائي، الذي نص على مجموعة من العقوبات البدنية التي سيتم إقرارها مستقبلا، ومن بين هذه العقوبات البديلة شراء المدة الحبسية وحسب تصريح وزير العدل في الجلسة البرلمانية الماضية الذي صرح على أنه سيكون بإمكان الجناة الراشدين شراء أيام الحبس بمبلغ يتراوح مابين 100 و2000 درهم فيما يتعلق بالعقوبات الحبسية التي التي تقل عقوبتها عن سنتين (الجنح الضبطية).

الأمر الذي يدفعنا إلى مقاربة سياسة تخفيف اكتظاظ الساكنة السجنية من منظور مقاربة الجزاء أو العقاب كغاية لإصلاح الجناة وبيع هذا العقاب يقودنا مباشرة إلى التساؤل حول هذه الصفقة الحبسية هل ستحقق الردع العام والخاص في آن واحد كأثر للعقاب؟ وبعبارة السوق إلى أي مدى يمكن تحقيق المساواة بين مشترين الجنح من سوق الحق العام؟

يعتبر بيع الجنح الضبطية من منظور مشروع قانون العقوبات البديلة آلية قانونية يتوخى منها المشرع استبدال العقوبة البدنية (الحبسية) بالعقوبة المالية بعد صدور حكم نهائي في الجريمة التي توصف بالجنحة الضبطية، حيث سيتم إقتراح على الشخص المتهم والمدان بهذه العقوبة الحبسية على أنه بإمكانه شراء مدة محكوميته السجنية بالمبلغ المقترح عليه من المحكمة.

كما تهدف هذه التجارة في الحق العام والخاص إلى تخفيض عداد السجناء بالسجون، شريطة ألا يكون السجين من أصحاب السوابق وأن لا يكون قد سبق له الإستفادة من هذه الفرصة البديلة للعقوبة البدنية حيث له الحق في شرائها مرة واحدة فقط.

وبالتالي يمكن للسجين المحكوم بسنتين شراء هذه المدة من الدولة صاحبة الحق في توقيع العقاب حسب القيمة المالية المحددة لطبيعة هذه الجنحة ومدى جسامتها وخطورتها على المجتمع سيختار القاضي الثمن المناسب في إطار السلطة التقديرية للقاضي الجنائي.

ومن بين الآثار الإيجابية لهذه الآلية البديلة أنها ستساهم في الإيرادات المالية للدولة، وتوفير التكاليف المالية التي تتحملها خزينة الدولة سنوياً عند سجن المحكوم عليهم بعقوبات غير معروضة للبيع أو الذين لا يستطعون شراء هذه الجنح نظرا لسعرها المرتفع، علاوة على ذلك ستجنب هذه الآلية البديلة من تلافي الأمراض المعدية داخل المجتمع السجني سواء على المتهم وذويه وغيرهم وهو ما يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ المال من الضروريات الخمس على أن يكون ذلك وفق ضوابط محددة؛ منها على سبيل المثال استثناء عقوبات الحق الخاص وأصحاب السوابق.

لكن في مقابل ذلك يبدو لنا بشكل جلي أن هذه الآلية البديلة لن تحقق العدالة والمساواة في اقتناء هذه الجنح المطروحة للبيع بسوق الحق العام بالمحكمة الزجرية، فمثلا قد يرتكب شخص جنحة لا تتجاوز عقوبتها سنتين وفي إطار السلطة التقديرية للقاضي الجنائي وإعماله لمقتضيات ظروف التخفيف يتم الحكم على الجاني بستة أشهر وفي نازلة مماثلة يحكم قاضي آخر في نفس المحكمة أو هو نفسه أو في محكمة أخرى بعقوبة حبسية تصل مثلا إلى سنة وستة أشهر، ونحن  نعلم جميعا أن السلطة التقديرية للقاضي الجنائي تتحكم فيها قناعته الوجدانية حسب كل جاني وظروفه وملابساته  لإرتكابه للجريمة المعروضة عليه فهي غير موحدة بين مختلف قضاة المحاكم،لأنها مرتبطة بالقناعة الوجدانية للقاضي كما قلت آنفا حيث تختلف من قاض لآخر ومن محكمة لأخرى.

كما أن فلسفة بيع الحق العام مقابل الحرية بهدف تخفيف الاكتظاظ بالسجون هي إفراغ النص الجنائي من القوة الردعية وفتح باب آخر من أبواب التمييز بين المواطنين في العقاب وهدر حقوق الضحية لأن الحق الخاص مرتبط بالحق العام، حيث أن هذه الفلسفة الجنائية البديلة للعقوبة ستخدم شريحة من المجتمع دون أخرى، لأنها ستخدم بالأساس ولاد الفشوش دون أبناء الفقراء أو أبناء الشعب الذين لا يجدون حتى لقمة العيش اليومي أو ربما سبب فقرهم هو سبب إقترفهم لهذا الفعل الجرمي.

وهكذا ستصبح الجريمة التي ستأخذ وصف الجنحة الضبطية والمعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية في متناول أصحاب الأموال دون أصحاب ضعف الأموال (أو أصحاب الزلط)، بحيث يمكن لأصحاب المال إقترافها بدون تردد لأنهم يدركون مسبقا سيقومون بشراء عقوبتهم الحبسية بأموال تسمح لهم بعدم دخول الحبس.

وبالتالي فهذه القاعدة القانونية الجنينية ربما ستكرس الطبقية الجنائية في تطبيق العقوبات الضبطية، وتضرب في الصميم إحدى خصائص القاعدة القانونية باعتبارها قاعدة عامة ومجردة أي تسري على الجميع دون تمييز بين الغني والفقير كمشط الأسنان أو الموت الذي لا يستثني أحدا في هذا الكون.

كما أن الاعتماد على معيار المال مقابل الحرية يمس بحق الدولة في العقاب ويجعلها دولة مقاولاتية تتاجر في حقوق أفراد مجتمعها ويصبح هدفها هو الربح المادي من الجريمة وليس تطهير المجتمع من الجريمة وإصلاح الجناة الأشرار كما أن هذه الفلسفة الجنائية البديلة تمس بهبة الدولة وبحقوق ومصالح الفرد والمجتمع في آن واحد.

كما أن الإشكال الذي يطرح في هذا الباب هو تحديد طبيعة الجنح الضبطية التي يمكن بيعها لمقترفها، وكيفية تحصين هذه الصفقة الحبسية بضوابط قانونية دقيقة تضمن الردع العام والخاص في الوقت نفسه، فإذا ما تم ترك بيع هذه الجنح الضبطية بدون قواعد ضابطة ومحكمة فإن الأمر قد يستغل بشكل عكسي يشجع نخبة معينة على سلك نفس الطريق ولو تم اعتماد الاستفادة من هذه التجارة في الحقوق والحريات مرة واحدة في العمر كما جاء على لسان وزير العدل، حيث سيفتح الباب على العدالة الخاصة و ستعم الفوضى آنداك، خصوصا في القضايا التي يتولى فيها الضحية مطالبا بالحق المدني.

لذلك يمكن القول إن هذه الآلية قد تكون وسيلة مهمة في تخفيف الضغط على الساكنة السجنية، لكن ينبغي أن تطبق في أضيق الحدود كأن يتم تحديد طبيعة القضايا التي يجوز فيها ذلك كما هو الشأن بالنسبة للصلح أو الإبقاء على هذه العقوبة مع الزيادة في الغرامة المالية كتنصيص على غرامات مالية مرتفعة جدا.

 محامي متمرن بهيئة الدار البيضاء وباحث بسلك الدكتوراة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاقتصادية -عين الشق بالدار البيضاء-

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *