افتتاحية

نجاحات حكومية تحتاج الكثير من التسويق السياسي

المتتبع لنشاط الحكومة منذ تعيينها إلى اليوم يلاحظ كيف أن عددا كبيرا من النجاحات التي أحرزتها يمر في زحمة الأحداث، ولا يستأثر بالحيز الذي يجب أن يشغله ضمن الفضاء العام، بينما توضع بالمقابل الأخطاء والهفوات تحت العدسة المكبرة، فتصبح الصورة العامة أن الحكومة الحالية لا حسنات لها، وأنها لا تأخذ مساحة لها من النقاش إلا إذا كانت مخطئة، وهو أمر طبيعي داخل الحقل السياسي التي تبنى فيه القرارات على التقديرات التي قد تصيب وقد تخطيء.

مناسبة هذا الكلام هي البرودة المفرطة التي تم بها تناول حدث توقيع محضر اتفاق يضم المبادئ المؤطرة للنظام الأساسي الجديد للشغيلة التعليمية، بعد جولات من الحوار بين الحكومة والنقابات التعليمية. فعلى الرغم من أهمية الحدث الذي انتظرته النقابات والشغيلة التعليمية لفترة طويلة، والذي يرتقب أن يتم من خلاله إغلاق عدد من الملفات، إلا أن الاستجابة الحكومية استُقبلت بالإنكار، وكأن الأمر لا يتجاوز كونه مجرد توقيع روتيني.

قبل التوصل إلى هذا الاتفاق، أبانت الحكومة عن مرونة كبيرة وقابلية أكبر للإنصات لمختلف الشرائح المتحاور معها، فكانت الحصيلة العديد من النجاحات ومكتسبات مهمة لا شك أن خفضت منسوب الاحتقان، ذلك أن اتفاق الحوار الاجتماعي مع النقابات التعليمية لم يتم منذ سنوات، إضافة إلى الاتفاق مع نقابات التعليم العالي، والاتفاق مع الأطر الصحية، وقبله المكاسب المهمة التي جاء بها الحوار الاجتماعي المركزي، الذي توج بتوقيع محضر 30 أبريل، إضافة إلى رفع الحكومة لرهان مأسسة الحوار الاجتماعي.

وفي سياق الحوارات كذلك أظهرت الحكومة قدرة مهمة على التجاوب مع المطالب المهنية، وذلك ما ترجمته الصيغ التوفيقية التي اعتمدتها لتنزيل إصلاح الضرائب، الذي أثار حفيظة هيئات مهنية في البداية، ومنها المحامين، قبل أن تتدخل الحكومة لنزع فتيل الأزمة، وتمرر الإصلاح المطلوب بحنكة، وقد تتبع المغاربة كيف تدخل رئيس الحكومة لإطفاء الغضب على امتداد مجموعة من النقاشات.

الحكومة التي جاءت في سياق استمرار التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا، وموجة الارتفاع الكبير في الأسعار على المستوى العالمي، وتداعيات سنوات الجفاف، تمكنت من احترام الجدولة الزمنية فيما يتعلق بتنزيل ورش الحماية الاجتماعية، حيث نجحت في الوفاء بالتزاماتها، قبل انقضاء سنة 2022، في تعميم وتوسيع خدمات التأمين الإجباري عن المرض، إذ انتقل في ظرف سنة واحدة العدد الإجمالي للمؤمنين من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 7,8 مليون فرد إلى أزيد من 23,2 مليون من المواطنات والمواطنين المغاربة.

هذا غيض من فيض الإنجازات الحكومية، لكنها تبدو باهتة وبدون ألوان في “بورصة” الفضاء العام والنقاش السياسي المغربيين، لأنها ظلت بدون الجهود اللازمة على مستوى التسويق السياسي، وافتقرت إلى الوقوف عند حسناتها وأهميتها مقارنة بالظرفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر منها البلاد. لكن الحكومة، ليست دائما “مظلومة” فيما يتعلق بالاعتراف تجاهها، فهي أول من يجحد بأهمية إنجازاتها بافتقارها للحد الأدنى من الترويج والتواصل السياسي من طرف وزرائها.

قد يكون الأمر مرتبطا بعقيدة سياسية لدى الحكومة، تجعلها تغلب الفعل على القول، والإنجاز على الترويج، والصمت على التواصل، لكن التسويق السياسي ليس ترفا لدى الحكومة الاختيار بين اعتماده أو تجاهله، فقد أصبح مطلبا رئيسا لبناء الثقة وتعزيز اللحمة وشحذ الهمم، لا سيما في مجتمع بات فيه التواصل المنظم وسريان المعلومة محددا في تشكيل الصور والأفكار حول الأفراد والمؤسسات والحكومات وغيرها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *