سياسة

صمت الأزمة يخرج للعلن.. المغرب يعامل فرنسا بالمثل ويعين بنشعبون بمؤسسة عمومية

صمت الأزمة يخرج للعلن.. المغرب يعامل فرنسا بالمثل ويعين بنشعبون بمؤسسة عمومية

عين الملك محمد السادس، أمس الثلاثاء، محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية السابق وسفير المملكة بباريس، مديرا عاما لصندوق محمد السادس للاستثمار وذلك طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وباقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من وزيرة الاقتصاد والمالية نادي فتاح العلوي.

تعيين بنشعبون مديرا لمؤسسة عمومية، بعد عام واحد على تعيينه سفيرا بفرنسا، أثار عدد من علامات استفهام تدور رحاها حول “الأزمة” التي تعيشها العلاقات بين البلدين (المغرب وفرنسا)، خاصة أنه جاء بعد أسابيع من إعلان هيلين لو غال، سفيرة باريس، أواخر شتنبر الفارط، مغادرتها منصبها بعد أن شغلته لمدة 3 سنوات، وتكليفها بمهمة دبلوماسية جديدة من قبل “قصر الإليزيه”، حيث ستكون مسؤولة عن “الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية” في الاتحاد الأوروبي.

واعتبر حسن بلوان، أستاذ العلاقات الدولية، أن تعيين محمد بنشعبون مديرا عاما لصندوق محمد السادس للاستثمار “مفاجأة سياسية ودبلوماسية من العيار الثقيل، ليس فقط لأن الرجل خبر مجال المال والأعمال والاقتصاد والاستثمار، لكن لكونه إلى حدود الأمس كان يشغل منصب سفير في دولة محورية في العلاقات الخارجية للمملكة من حجم فرنسا”.

وسجل بلوان، في معرض حديثه لجريدة “مدار 21” الإلكترونية، وبعيدا عن التوتر الحاصل في العلاقات بين المغرب وفرنسا، أن هذا التعيين يمكن اعتباره “عاديا”، نظرا لحجم التوجهات الاقتصادية الجدبدة للمملكة المركزة على الاستثمار كخطة مستعجلة للإقلاع الاقتصادي، وهو ما أكده الخطاب الملكي الأخير في افتتاح البرلمان الذي أفرد حيزا مهما منه لتشجيع الاستثمار وتطويره، حيث حدد الخطاب الملكي خطوات وآليات فعالة لتحقيق هذا المبتغى، مضيفا “لكن تعيين المجلس الوزاري سفير المغرب في باريس خلط كل الأوراق وفتح الباب أمام جميع الاحتمالات، خاصة في ظل الأزمة الصامتة التي تمر منها العلاقات المغربية الفرنسية”.

وأشار المحلل السياسي إلى أن تعيين بنشعبون يمكن أن يحتمل عدة قراءات ومن زوايا مختلفة ومتعددة، حيث يمكن اعتبار تعيينه، أمرا عاديا اقتضته الضرورة والمصلحة العليا للوطن لاستفادة عجلة الاقتصاد والاستثمار من كفاءة مغربية خبرت مجال المال والأعمال، وبالتالي الأولوية للإقلاع الاقتصادي وبالتالي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

كما يمكن اعتبار تعيين بنشعبون، بحسب الباحث في العلاقات الدولية، خطوة ذكية من الرباط لتوجيه رسالة ثقيلة الحمولة لفرنسا للتعبير عن الاستياء المطلق من تصرفات دوائر الحكم في الاليزيه من أزمتي التأشيرات والموقف من الصحراء المغربية، وذلك في ظل تقارب فرنسي جزائري “مصطنع وهش”، والذي لا يمكن أن يتم على حساب المصالح العليا للمملكة المغربية.

وتابع قائلا “في حالة ثبوت الاحتمال الثاني فإن التوتر بين المغرب وفرنسا خرج للعلن ولم يبقى حبيس الصالونات السياسية الخلفية المغربية والفرنسية وداخل مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي ستنتقل الأزمة من أزمة دبلوماسية صامتة الى أزمة خطيرة ستكون لها تداعيات على المصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين وستضرب في العمق علاقات تقليدية وتاريخية وعميقة بينهما”.

ويرى المتحدث أن المغرب اختار بهذا التعيين اتخاذ موقف وسطي ومعتدل والتعبير عن حسن نية بسحب سفير المملكة بباريس بطريقة ذكية لا ترقى إلى التشنج والإرباك، وذلك من خلال تعيينه على رأس مؤسسة عمومية سيادية، “وهو بمثابة تحذير لحكومة ماكرون من إعادة السيناريو الألماني والإسباني ولكن بمرفقات اقتصادية وسياسية وأمنية أكثر حدة بحكم العلاقات الاستثنائية بين البلدين”.

وقال إن أزمة العلاقة بين المغرب وفرنسا تمر بمنعطفات حرجة لن تبدد غيومها إلا إجراءات فرنسية عاجلة وملموسة في أزمة التأشيرات خاصة بعد تسوية هذا الأمر مع الجزائر وتونس واستثناء المغرب من ذلك، بالإضافة إلى إشارات واضحة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية التي أصبحت المنظار الحصري الذي يقيم به المغرب سياسته الخارجية.

وشدد بلوان على أن موقف فرنسا في قرار مجلس الأمن من قضية الصحراء المغربية خلال الشهر الجاري، سيحدد بشكل كبير مسارات العلاقات المغربية الفرنسية، و”الأكيد أن إنهاء مهام سفير الرباط في باريس بهذه الطريقة خطوة تحذيرية استباقية من المغرب تجاه فرنسا من عدم الانسياق وراء الأطروحات الجزائرية في قضية حساسة ومركزية في العقل الجمعي للمغاربة”.

رسالة.. من وإلى الرباط

وقبيل ساعات من إعلان بلاغ الديوان الملكي تعيين بنشعبون، وجه الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية الفرنسية، أوليفييه بيخت، رسالة للرباط من الرباط، دعا فيها إلى “تجاوز التوترات” في العلاقات بين المغرب وفرنسا، وذلك وفق ما أورد موقع صحيفة “لوموند” الفرنسية.

ولفتت الصحيفة الفرنسية إلى أن تلك “التوترات” قد “”أججتها بالخصوص القيود المفروضة على تأشيرات “شنغن” الصادرة للمغاربة”، مضيفة أن بيخت الذي يقوم بزيارة إلى المغرب أكد في كلمة له أمام الجالية الفرنسية بالمغرب “يجب أن نكتب صفحة جديدة لبناء مشاريع مشتركة”.

زيارة المسؤول الحكومي الفرنسي إلى المغرب، والذي التلقى فيها مسؤولين مغاربة، من بينهم الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، محسن الجزولي، ونشر إثر ذلك تغريدة عبر حسابه على تويتر قال فيها “الشراكة التي تربطنا تقوم على روابط صداقة تاريخية، نريد معا كتابة صفحة جديدة في تعاوننا مع مشاريع الهيكلة لبلدينا ولجميع المواطنين”.

كما التقى المسؤول الفرنسي، الأربعاء، بوزير الصناعة والتجارة المغربي رياض مزور،  وقال  في تغريدة نشرها عبر حسابه على تويتر “أخبرته إلى أي مدى تعد المملكة شريكا صناعيا رئيسيا لفرنسا. إن تنافسية الاقتصاد المغربي وشبابه ومواهبه كلها أصول فريدة لتعاوننا”.

ومن جانبها، أفادت المستشارة السياسية والمتحدثة باسم السفارة الفرنسية بالمغرب، عطيا نيومي، بأن زيارة الوزير الفرنسي بيخت للمغرب تمتد ليومين ونصف وتتمحور حول الاقتصاد الذي يعد “أحد المجالات الرئيسية في تعاوننا المتميز” وفق المتحدثة.

وإلى جانب لقائه بوزيري الصناعة والاستثمار المغربيين، أشارت المتحدثة ذاتها في فيديو نشرته السفارة الفرنسية بالرباط عبر حسابيها على فيسبوك وتويتر، إلى أنه “سيلتقي بفاعلين اقتصاديين فرنسيين ومغاربة وبممثلين عن قطاع الأعمال من مختلف المجالات الاقتصادية لتعزيز تعاوننا ومناقشة التحديات المشتركة”.

وأضافت أن الوزير “سيلقي كلمة خلال الدورة الثالثة لمنتدى “شوازول أفريقيا للأعمال” الذي سينظم لأول مرة في المغرب وسيجمع أزيد من 600 من أصحاب القرار والقادة الاقتصاديين والمؤسساتيين الأكثر تأثيرا في أفريقيا وأوروبا والخليج بحيث ستكون القارة الأفريقية محور النقاشات”.

وأورد المصدر ذاته، مجموعة من المعطيات الرقمية التي تعكس حجم التعاون بين البلدين، من بينها أن المغرب يحتضن “أزيد من 1000 فرع لشركات فرنسية توظف قرابة 130 ألف شخص في جميع قطاعات الاقتصاد المغربي”، كما أن “فرنسا تتصدر البلدان المستثمرة في المغرب الذي يمثل أيضا أول دولة لعمليات الوكالة الفرنسية للتنمية”.

وأضاف المصدر، “بالمقابل أصبح المغرب أول بلد أفريقي مستثمر في فرنسا بنسبة 20 في المائة من مجموع الاستثمارات المباشرة القادمة من أفريقيا”.

أزمات تعكر العلاقات

وشهد عام 2014 مجموعة من الخلافات بين البلدين وصلت حد استدعاء شارل فري السفير الفرنسي بالمغرب آنذاك أكثر من مرة، وتعليق وزارة العدل المغربية لجميع اتفاقيات التعاون القضائي بين البلدين، كما شكل قيام الشرطة الفرنسية، خلال زيارة رسمية لعبد اللطيف حموشي المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني (المخابرات المغربية) إلى باريس، بمحاولة استدعائه، شرارة اندلاع الأزمة بين البلدين، وذلك خلال فبراير من نفس العام.

وفي 28 شتنبر 2021، أعلنت الحكومة الفرنسية، في بيان لها تشديد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب والجزائر وتونس بدعوى “رفض الدول الثلاث إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستعادة مهاجرين من مواطنيها”، ليرد مباشرة وفي اليوم ذاته، وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في مؤتمر صحفي بالعاصمة الرباط، ويعبر عن استنكاره للقرار الفرنسي ووصفه بـ”غير المبرر لمجموعة من الأسباب”.

وأوضح بوريطة وقتها، أن السبب الأول هو أن المغرب “كان دائما يتعامل مع مسألة الهجرة وتنقل الأشخاص بمنطق المسؤولية والتوازن اللازم بين تسهيل تنقل الأشخاص، سواء طلبة أو رجال أعمال، وما بين محاربة الهجرة السرية (غير الشرعية)، والتعامل الصارم حيال الأشخاص الذين هم في وضع غير قانوني”.

وتابع أن السبب الثاني يتعلق بكون بلاده “من منطلق هذه المسؤولية أعطت تعليمات واضحة لاستقبال عدد من المواطنين الذين كانوا في وضع غير قانوني (بفرنسا)؛ إذ بلغ عدد وثائق جواز المرور (تسمح للمواطنين بالعودة لبلادهم) التي منحتها القنصليات المغربية خلال 8 أشهر من السنة الحالية (2021) 400 وثيقة”.

واعتبر بوريطة أن “اعتماد هذا المعيار تشديد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب غير مناسب، لأن البلاد تعاملت بشكل عملي وصارم مع المهاجرين غير القانونيين”.

وقبلها بشهرين، (يوليوز 2021)، اتهمت صحف فرنسية الرباط باختراق هواتف الكثير من الشخصيات الوطنية والأجنبية عبر برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”، ما أرخى بظلال “ثقيلة” على علاقات البلدين.

وفي 28 من الشهر ذاته، رفعت السلطات المغربية دعوى قضائية ضد كل من صحيفة “لوموند”، وموقع “ميديا بارت”، و”فرانس راديو” بفرنسا، وذلك بتهمة التشهير.
ونشرت صحيفة “غارديان” البريطانية، في 14 يوليوز، نتائج تحقيق أجرته 17 مؤسسة إعلامية، عن أن “بيغاسوس” انتشر على نطاق واسع حول العالم، “واستخدم لأغراض سيئة”.

وكانت الحكومة المغربية نفت، في بيان آنذاك، اتهامات بالتجسس على هواتف شخصيات عامة وأجنبية، باستخدام البرنامج الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News