سياسة

صبري: خرق الجزائر اتفاق استغلال منجم غار اجبيلات سيسقط ترسيم الحدود الشرقية

بقي ترسيم وتسطير الحدود الفاصلة بين المغرب والجزائر عالقا ومحكوما بقاعدة بقاء الحال على ما هو عليه، بعدم الحسم فيها رغم الاعتقاد الجزائري، ورغم تعدد محاولات التسطير النظري، وأقدميتها.

فقدان الثقة عسر مفاوضات الاتفاقات بين المغرب والجزائر

فمحاولات اتفاق الطرفين، وعلى ما يبدو من جسم الاتفاقات ذاته، تصطدم على الدوام بفقدان الثقة وغيابها، وتوجس الخوف من مناورات الآخر، والانتباه لعدم الوقوع ضحية مكر أو غبن أو تدليس من الطرف الآخر، والريبة الدائمة، الذي فرضه الشعور بثقل وجسامة المسؤولية، تولد عنه ضغط شديد انعكس على الاتفاقات في بنيانها اللغوي وفي تنفيذها الذي لم يتم تبعا لكل ذلك.

فالحرص والحيطة والحذر الذي انتاب الأطراف وتحكم في إدارتهم لمفاوضات الاتفاقات كان بينا وواضحا من خلال الصياغة اللغوية، ومن انتقاء العبارات وطريقة تركيبها، اللفظي والدلالة، ووقوف المعنى عند الأمور العامة العائمة رغم وضوح الكلمات وانتقائها بعناية فنان الزخرفة، بحيث تعمدت الأطراف استعمال كثرة الاحالات، الذي جعل المغزى يتيه وينتهي حيث بدأ بالرغبة المشتركة في بناء التعاون وتمثين العلاقات. وكأنه يدور في حلقة مفرغة.

فقدان الثقة بين المغرب والجزائر أثر سلبا على البنيان القانوني للاتفاقات

فطغيان المخاوف والشكوك وعدم الثقة حتم على كل طرف مفاوض التزام حرص الشديد على من خلال فرض اقحام تعبير معين أو جملة خاصة أو عبارة مختار، وفي نواياه أنه يحصن ويحافظ على حق أو يؤسس له. الأمر الذي فقدت الاتفاقات بين المغرب والجزائر وحدة محلها واستقلالية في موضوعها ومضمونها وهدفها بالنظر إلى تعدد مراجع هذه الاتفاقات وربط بعضها البعض بالإحالات.

ويبدو من ظاهر التمعن في قراءة الاتفاقات أن الأطراف تعمدوا عنوة وعن قصد تعقيد مسطر البث والفصل في النزاعات المرتبطة باحتمال بروز فرضية اختلافهما في تفسير تأويل الاتفاقية، وجعلوا الحسم فيه رهين الرجوع الى اتفاق او اتفاقات سابقة.

تنفيذ الاتفاقات في إطار حزمة واحدة لا تقبل التجزئة ولا الانقسام

فالحسم في النزاع العارض الناتج عن الاختلاف في التنفيذ يتم الحكم فيه خارج الاتفاق نفسه، وينظر إليه في علاقته وارتباطه باتفاقات سابقة معينة؛ وبالضبط اتفاقية إفران وإعلان تلمسان والمحمدية والرباط، فهذه الاتفاقات و غيرها الذي يأتي يعتبر مكملا بعضها البعض ومرتبط بها، وليست كائنا قانونيا مستقلا، بل أرادوها كذلك، وجعلوها وحدة واحدة في اطار جمع واحد متعدد لا يقبل التجزئة ولا الانقسام في قيامه وفي تنفيذه وفي سقوطه بعدم تنفيذ إحدهما او كلاهما للالتزام.

إن البث في استشكال أو صعوبة في التنفيذ يستدعي خلق لجنة مشتركة مغربية جزائرية، وانتظار ميسرة ومهلة وأجل غير محدد لانعقادها، وترقب النظر في مخرجاتها التي يحكمها التوافق غير القائم، فلو حصل ما برز الاختلاف والنزاع أصلا. وفي حالة عدم الوصول إلى نتيجة، الذي هو الصورة الأكثر غلبة واحتمالا، فغن الاتفاقات جعلت المبادرة في مباشرة المسطرة وتتبعها على الطرف الذي يريد التعجيل وليس على اللجنة المشتركة، التي لها الصفة التمثيلية، وهي الصورة الأخرى لغياب الارادة والنية في التعاقد الجدي من أصله ومنذ البداية.

الاتفاقات تتضمن عيوبا قانونية تجعلها باطلة بقوة القانون مع عدم تغيير الحالة الأولى

وكأن الاتفاق صوري ومستتر لإرادة وعقد آخر غير معلن، وليس عقدا ملزما للجانبين، يتضمن التزامات متقابلة يحب على كل طرف تنفيذها تحت طائلة سقوطه لعدم صلاحيته. أو أنهما جعلا تنفيذ الاتفاق متوقف على إرادتهما خارج مبدأ وجوب تنفيذ الالتزامات، وهي كلها عيوب قانونية تبطل الالتزام، خاصة وأن تنفيذه معلقا على إرادة الملزم نفسه. أو أن نية الطرفين غير متجهة أصلا لتحقيق هدف المصالحة كشرط للأمن والتنمية والاستقرار في المنطقة.

فالأطراف اعتمدوا خلق صعوبات منذ البداية من خلال توافقهم على إقرار تضخم مثبط للعزائم ويشجع على التماطل في التنفيذ، من خلال تعدد مسطرة الفصل في النزاعات المرتبطة بتنفيذها وفي ضرورة احترام تدرجها، إذ جعلوا على عاتق الذي يريد التعجيل في فك النزاع أن يتبع مجموعة من الإجراءات والمساطر.

التعقيدات الشكلية في إشكاليات التنفيذ جعلت الكرامة فوق المطالبة بالتنفيذ

وهي تبدأ برفع الأمر أمام محكمة العدل الدولية أولا ثم بين يدي لجنة منظمة التجارة الدولية من أجل تفعيل مسطرة التوفيق، وفي حالة فشلها التحكيم قبل التدخل النهائي لمحكمة التحكيم بقرار لا يقبل أي طعن. و”جعلوا إطار ومرجعية التوفيق او التحكيم مضمون اتفاق او اتفاقين سابقين بينهما” (لمادة 17 من اتفاق الاستغلال المشترك لمنجم غارة اجبيلات الذي يتضمن 13 فقرة).

فالأمر وعلى فرض غدعاء أحد الطرفين ضررا ناتجا عن عدم تنفيذ الطرف الآخر للاتفاق، وتوفره على رغبة مستعجلة للفصل في الأمر وفقا للطريقة المشار إليها في الاتفاق، فعليه أن يتحلى بالصبر والاستعداد لتحمل طوله، وأن يضبط تعقيدات المسطرة، فهي بمثابة طواف قضائي بين الوسائل البديلة لفك النزاعات؛ وساطة توفيق وقضائية؛ محكمة العدل الدولية وتحكيمية؛ لجنة منظمة التجارة الدولية.

فالأطراف خصصوا للشكل اهتماما أكثر من الجوهر والموضوع، ففهم الإجراءات وضبط وتتبع المساطر المقررة في الاتفاقات عمل شاق وصعب وعسير، وقد يكون ذلك مقصودا. فهي إجراءات متعددة ومعقدة، تستغرق وقتا طويلا للوصول الى نتيجة.

الإجراءات المثخنة وتضخم المساطر يطرح سؤالا حول جدية الأطراف أثناء وبعد الاتفاق

وفي مباشرة الإجراءات والمساطر عناء كبيرين، ولو حصل صدور حكم أو قرار وفق الطلب والنتيجة لاشك يرفضها الطرف الآخر. فهل فكرت الأطراف أن الرغبة في التنفيذ وأن العبرة ليست في الاتفاق ذاته. و إذا كان الأمر كذاك فان غاية احد الطرفين هو الحصول على الاتفاق كهدف وليس كوسيلة ولست متحيزا اذا قلت أن الجزائر هي من تبحث عن اعتراف مكتوب من المغرب لترسيم الحد الفاصل بينهما.

و لهذا أميل في استنتاج على شكل اعتقاد خلصت إليه من قراءات متعددة ومتأنية لمجمل للاتفاقات أن التعقيد كان مقصودا، ويعطي ذلك الدليل الكافي على غياب وانعدام الثقة بين المغرب والجزائر وقت الاتفاقات؛ أواخر الستينات وبداية السبعينات وحتى تلك التي تمت في بداية التسعينات وإلى الآن وحتى الآن، وإنهما كانا يتفقان لتجاوز ضرورة وقتية وأن ارادتهما غير متجه غلى الاتفاق ولا إلى احترامه وتنفيذه.

الجزائر مارست الخداع بنهج اتفاقات صورية لتجاوز هزيمة وخطر وأزمات داخلية

وأكاد أجزم أن حاجات الجزائر الذاتية والوقتية لتجاوز عقدة هزيمة (حرب الرمال) أو لقضاء حاجة مستعصية (مطالبات المغرب بخصوص الحدود الشرقية) أو اتقاء خطر نانج عن مأزق حقيقي وتخاف من المغرب استغلاله (الإرهاب) هو أصلا المتحكم في تفكيرها في الاتفاق والدخول فيه مع المغرب. ونوايا النظام الجزائري غير سليمة منذ البداية بل تنطوي على حيل ومكر فينا يشبه التاكيدات الخادعة لأعمال النصب والاحتيال.

فالجزائر لا تتصرف بدافع الرغبة إلى الاتفاق إلا في اطار حاجتها الماسة إلى استصدار اقرار من المغرب بالحدود، وليس ناتجا عن ضرورة حماية مصلحة قدرتها متطابقة أو متكاملة مع المغرب، ولا تعتمد حسن النية في إبرام الاتفاقات والعقود مع المغرب، كمبدأ وركن أولي في صحة العقود والاتفاقات منصوص عليه في كل القوانين الدولية والمقارنة. وهو أمر مؤسف جدا لأن ذلك فوت على البلدين فرص عمل سانحة، قد لا يتم تداركها مستقبلا.

وتقف الجزائر في مركز ومرتبة من ينصاع عرضا ربحا للوقت مع المغرب واستعدادا لفعل مستتر، تنتظر توفر شروطا موضوعية وذاتية للقيام وتنفيذ فعل في مواجهة المغرب، فهي ناعمة بتاريخ الاتفاقات لتجاوز إكراه ذاتي حال وخطر داهم يهددها او استجابة لطلب خارجي حتم عليهما الرضوخ للأمر الواقع المؤقت.

وبمجرد زوال الظرف وانقشاع الغمامة تأمر الجزائر مباشرة بتعليق تنفيذ الالتزامات وتوقيفها وتقطع حتى العلاقات، وتقوم بارجاع الحالة إلى ماكانت عليه بعد ذلك أو لنقل تتعمد بقاء الحال على ما هو عليه، في انتظار ضغط آخر يفرض عليها لتجنح إلى سلم في إطار خدعة أخرى وجديدة.

ذكاء المغرب في عدم القبول بانقسام الالتزامات كشرط لصحتها اجهض محاولات المكر الجزائري

ولهذا فان تصرف المغرب أذكى عندما جعل من مسألة حسم الحدود وسيلة لضمان المصالحة والسلام والنماء والأمن والاستقرار في المنطقة. وفرض على الجزائر من حيث تدري او لا تدري جعل الاتفاقات بينهما حزمة واحدة تتناول جميع الميادين وفي مقدمتها الاقتصادي، كما ربط بعضها البعض وجعلاها جمع واحدد متعدد غير قابلة للتجزئة ولا الانقسام في التنفيذ، تحت طائلة سقوط الاتفاقات جميعها.

إن قضية الحدود حسب الاتفاقات بين المغرب والجزائر هي المحرك لباقي الاتفاقات للتناسق الممتاز بينها، وهي ضمانة لتنفيذ وتطبيق الكل الواحد المتعدد. و يراهن المغرب على الحدود وفي فتحها لتكون جسرا حقيقيا للتطبيع الشعبي، ولا يتردد في المطالبة بفتحها، واعتبرها فلسفة ليعم السلم والتنمية والأمن والاستقرار.

وفي الختام، يمكن القول إن في ذلك تختلف مقاربة المغرب للحدود في ربطها بالمستقبل عن نظرة الجزائر التي مازالت تحتفظ بمنطق الاستعمار العنصري من خلال اعتناقها الأناني لمبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي زال وانقضى ومازالت تحن إلى أساليبه وتصرفاته. وإن محاولات الجزائر الحالية ومن جانب واحد لاستغلال حديد منجم غار اجبيلات رغم الشراكة في استغلاله مناصفة مع المغرب، وبحل اممي من أجل السلام ولتجنب العنف بين المغرب والجزائر، هو فعل عدائي ينضاف إلى حرب على المغرب بالوكالة عن طريق البوليساريو.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.