بورتريه

خالد الجامعي.. رحيل صحافي متمرد عاش كَما أراد

في إحدى ليالي السنوات الأخيرة، من حياة الملك الراحل الحسن الثاني، تلقّى الصحافي خالد الجامعي اتصالاً هاتفياً من الأمير مولاي رشيد. هذا الأخير الذي كان يحضر لقاء رسميا مع والده سأل صديقه دون مقدمات هل من عشاء لديك؟ فكان جوابه بأن هناك دجاجة يمكننا اقتسامها إن رغبت بذلك. بعد مدة وجيزة، حضر الأمير إلى بيت الجامعي وتناول فخذا من الدجاجة وسط قطعة خبز ثم أخذ كأسا من الشاي.

هذه الحكاية واحدة من حكايات كثيرة، تكشف مستوى العلاقة الإنسانية، التي كانت تربط الصحافي بالأمير ومكانة الجامعي لدى شقيق وارث العرش إلى درجة أنه لم يكن يتردد في رفع الكلفة بينهما وإلغاء كل القيود البروتوكولية المرافقة لتحركات ساكني القصر الملكي.

تُرى من يكون هذا الصحافي الذي يتصل به الأمير مولاي رشيد ليلا هكذا بشكل مفاجئ قبل أن يحل ببيته فقط ليتناول معه وجبة العشاء؟ المكانة التي حظي بها الجامعي لدى الأمير، كما يكشف أصدقاؤه المقربون، لم تكن نتيجة سعيه إلى التقرب من المحيط الملكي من خلال كتاباته الصحفية وآرائه السياسية، بل كانت نتيجة مصداقيته المهنية وقيمته الاعتبارية اللتين بناهما عبر مسار متفرد.

قصة “اشْكُونْ أنت”

لم تكن العلاقة الوطيدة التي تربط مولاي رشيد بخالد الجامعي، منذ سنة 1978، وهو الصحافي الذي كان يمتلك رأيا مستقلا ومزعجا لكثير من الجهات، لتشفع له وتحول دونه وغضب الرجل القوي في وزارة الداخلية. ففي تسعينيات القرن الماضي، حين كان خالد الجامعي مسؤولا عن تحرير يومية “لوبنيون”، اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال، نشر مقالة حول الديمقراطية المغربية، كتب فيها أن “التعددية السياسية في المغرب مجرد كذبة بلقاء، وأن المغرب يحكمه الحزب الوحيد، هو حزب “المخزن”، والأحزاب الباقية مجرد تزويق وتأثيث.”

وغداة صدور المقال، تلقّى الصحافي استدعاء عاجلا إلى مقر وزارة الداخلية حيث كان بانتظاره إدريس البصري الذي خاطبه قائلا بالدارجة: “اشْكُونْ أنت؟”، لكن الوزير القوي سيفاجأ بأن الماثل أمامه ليس من صنف من اعتاد أن ترتعد فرائصهم أمام رهبته، إذ لم يتوسل بكونه صديقا للأمير ولا بأنه سليل الأسرة العريقة للمقاوم بوشتى الجامعي، بل واجه الصحافي الوزير البصري بحدة وإيمان بكل كلمة كتبها في مقاله المشار إليه.

لمّا غادر الجامعي مكاتب الوزارة التي كانت في السابق مقرا للإقامة العامة الفرنسية، اتجه مباشرة إلى مقر صحيفة “لوبنيون”، وكانت يومها بشارع الشهيد علال بن عبد الله، أحد رجالات المقاومة والفداء في المغرب. جلس الجامعي إلى مكتبه وحرر مقالته الافتتاحية، والتي تحمل الإجابة عن الإهانة التي تعرض لها من وزير الداخلية إدريس البصري.

“كانت صرخة مُدويّة بكلمات مشحونة وشائكة”، يقول الكاتب والإعلامي عبد الرحيم التوراني، في وصف مضامين رسالة الجامعي للبصري، مسجلا أنها كانت “مغموسة بحبر الجرأة ودم التحدي، نص شديد الإثارة ونادر للشجاعة والإقدام”.

وسيصرح خالد الجامعي، فيما بعد أن لقاءه التاريخي مع إدريس البصري كان سريعا لم يتجاوز دقائق معدودة. لاحقا سيعرف أن البصري تصرف على الفور بعد أن أُخْبر بمضمون المقال من طرف المستشار الملكي أحمد رضا اكديرة.

صاح البصري في وجه خالد الجامعي قائلا:

– من أنت حتى تكتب ما كتبته؟! إنك تعلم أن من هم أكبر وأقوى منك قمت بسحقهم.

كان رد الجامعي إنه “مستعد أن يموت واقفا”

هنا أمسك الغضب بالبصري فطرد الصحفي من مكتبه.

“طبعا أنا عَاشرتُه وخبِرته عن قُرب وجايَلته لفترة طويلة تجاوزتْ 20 سنة، وهو صحفي بجريدة “لوبنيون” ثم وهو رئيس تحرير لنفس الجريدة، -يقول رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية عبد الله البقالي، في شهادته لموقع “مدار 21″، عن الراحل الصحفي خالد الجامعي-مضيفا “وبالتالي ما عرِفت في الرجل إلا مناضلاً وصحفياً مهنياً بكل ما للكلمة من معنى، وكل الذين عايشوه يذكرون الرسالة الشهيرة التي وجهها وهو رئيس لتحرير جريدة “لوبنيون” إلى وزير الداخلية الراحل ادريس البصري تحت عنوان “شكون أنت”.

ويؤكد البقالي، أنه وقَع تبنّي رسالة الجامعي الموجهة إلى البصري من طرف قيادة حزب الاستقلال، حيث نتذكر جميعا أن الأمين العام السابق الراحل امحمد بوستة توقف عند هذا المقال ضمن مداخلة له تحت قبة البرلمان، حينما قال بأن “حزب الاستقلال تبنى رسالة “شكون انت” بشكل رسمي”.

“خالد الجامعي ليس فقط رجل الكلمة الصادقة، وليس رجل لغة الوضوح والبعد عن لغة الخشب، إنه أيضا في سيرته وفي مهامه كان واضحا وصريحا حد المغامرة” -يقول مولاي امحمد الخليفة-مردفا “وهذا ما حبّب إلي خالد، الذي صار يعتبروني في جوابه بعد رسالة “شكون أنت”، بمثابة مستشاره القانوني في تحرير الرسالة الثانية، وسجل أن “الذكريات مع خالد الجامعي هي ذكريات ابتدأت من موقع النضال ونحن شباب وامتدت إلى أن لبى نداء ربه”.

اصطدام الجامعي بالبصري لم يكن الأول من نوعه مع وزارة الداخلية، فذات صباح من ماي 1973 سيقتاد الجامعي معصب العينين من مقر “لوبينيون” نحو المجهول، والتهمة: “نشر صورة لطفل، لم يكن غير الأمير مولاي رشيد، إلى جانب بدويات يفترشن الأرض”.

وضمن “متهم حتى تثبت إدانته”، (منشورات طارق الدار البيضاء 2003) التي كانت تنشرها جريدة “المساء” على حلقات في عام 2012، هناك فصول مشوقة ومفارقات بالجملة لوجوه كانت تعبر زنزانة خالد الجامعي، طيلة ستة أشهر من اختطافه، فيما هو ينتظر الفرج وبين كل “علقة”، وأخرى يردد ما أوصاه به والده بوشتى الجامعي: “إذا اعتقلوك يا بني فتماسك، واحذر أن تتخاذل أبدا”.

في مذكراته التي تجمع بين كارل ماركس وعلال الفاسي، على ما بينهما من تناقض، يتوصل خالد الجامعي أخيرا، إلى أن اعتقاله لم يكن بسبب صورة الأمير الصغير، بل بسبب اقترابه من شخصين مسجلين خطر: أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي.

عاش كمَا أراد 

سِيرة الجامعي الذاتية وما كتبه عنه أصدقاؤه ومحبوه والمتابعون لحياته المهنية، تشهد على ما تركه من بصمات سجلت اسمه كرقم صعب في الصحافة، وكإعلامي لا تمكن قراءة مساره وتاريخه كفرد إلا ضمن تاريخ المغرب الراهن. “فتاريخ شخصية إعلامية كبيرة مثله هو تاريخنا كصحافة وصحفيين، وتاريخ لحقبة مميزة من هذه المرحلة”، وفق تأكيد الكاتب الصحفي عبد الرحيم التوراني.

الوزير السابق والقيادي البارز في حزب الاستقلال مولاي امحمد الخليفة، وأحد الأصدقاء المقربين من الصحفي الراحل خالد الجامعي، يقول إن هذا الأخير “عاش كمَا أراد، قُوّة في غيْر ضَعْفٍ ولينٌ في غير خُنوع، وإيمانٌ بالمستقبل لا يتسرب إليه اليأس، مع الرضا بما حقّقه وبما وصل إليه، وافتخاره بأنه لم يُخيّب أمل أبيه الذي كان يطمع أن يكون من صُلْبه العلماء”.

ويؤكد الخليفة في شهادته لموقع “مدار 21″، حول سيرة ومسار الصحفي والمناضل الحقوقي والقيادي السابق بحزب علال الفاسي خالد الجامعي، أن “هذا المزيج لا يمكن إلا أن يكون من طينة قامة صحفية ومناضلة متفردة، وتنتمي إلى أسرة أصيلة ربّت أبناءها على السير في المنهاج القوي والقويم وعلى نشر الوعي بالكلمة وعلى التضحية بكل شيء عندما يفرض ذلك الواجب”.

كان القُرّاء يحرصون على متابعة كتاباته في يومية “لوبنيون”، وكانت في زمن سابق الأوسع انتشارا باللغة الفرنسية في المغرب، وبعدها انتقل الجامعي للكتابة في أسبوعية “لوجورنال”، – بحسب ما دونه عدد من أصدقاء الجامعي- ومع انتشار الإعلام الرقمي أصبح المغاربة يقبلون عبر الفيديو على أحاديثه الشيقة وتحليلاته التي تعكس مدى الخبرة الإعلامية والسياسية التي اكتسبها خلال مسيرته في مجالات الإعلام والدفاع عن حرية الرأي، تحليلات تستند على الحقائق والإحصائيات والجرأة والصراحة التي تميز بها.

ملكي وثائر

يحكي عدد من أصدقاء الراحل خالد الجامعي، أن قيادة الاستقلال، كانت مُنزعجة مِمّا كان يكتبه الجامعي من مقالات شديدة اللهجة في جريدة “لوبنيون”، ما أثار خلافا كبيرا داخل اللجنة التنفيذية لحزب علال الفاسي، لكن القيادي بحزب الميزان عبد الله البقالي، يؤكد أن خالد الجامعي، كتب عشرات المقالات التي تخالف توجهات الحزب، وأن الخلاف مع قيادة الحزب كان في الكتابة بالصفة الحزبية بدل الشخصية.

رفض خالد الجامعي التخلي عن جلده، وأصبح صحفيا مشاكسا أكثر، وهذه المرة ليس للسلطة فحسب، بل للحزب الذي يصدر الصحيفة وعينه على رئاسة تحريرها. وكان الجامعي يعتقد أن بإمكانه لعب دور ما وسط حزب الاستقلال بعد انتخابه في قيادته، بمحاولته استقطاب تيار جذري على يسار الحزب.

ولأنه صحفي حر، -يقول عبد الرحيم التوراني-، الذي كانت تجمعه بالجامعي رحلات القطار بين البيضاء والعاصمة، رفض الانصياع الحزبي واختار طريق الحقيقة والصدق الفكري، فضاق صدر القيادة الحزبية بـ”تنطعاته” لتقيله من منصبه كرئيس تحرير.

ويحكي التوراني، “كنت ألتقي بشكل يومي بخالد الجامعي، عندما كانت تجمعنا كل صباح رحلات مكوكية بالقطار الرابط بين الدار البيضاء والعاصمة. وقد أخبرني خالد أنه يتجه يوميا إلى مكاتب الجريدة ليؤكد حضوره من أجل تبرير راتبه في نهاية الشهر. وأنه ممنوع من الكتاب”.

ويُواصل، “خلال ساعة السفر كنا نتبادل الأخبار، وكنت أستمتع بلغته الراشحة بتعابير “أولاد الدرب” في الأحياء الشعبية القديمة لمدينة الدار البيضاء، وبلثغته الجميلة. حقا كنت من المعجبين بعفوية خالد الجامعي وسخريته، وبمزاجه المتمرد والحر”.

كان للراحل الجامعي الكثير من محطات الخلاف مع عدد من الأطراف، بما فيها قيادات حزب الاستقلال لأنه انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب في المؤتمر الذي صعد فيه عباس الفاسي أمينا عاما لحزب الاستقلال سنة 1998، وصادف انتخابه إصدار جريدتي “الصحيفة” و “لوجورنال” اللتين كان يديرهما نجله الزميل بوبكر الجامعي المقيم خارج أرض الوطن.

ونشأ خلاف آنذاك بين قيادات حزب الاستقلال وخالد الجامعي، لأنه كان ينشر مقالات سواء في جريدة “الصحفية” أو “لوجورنال”، وكان يوقعها باسم خالد الجامعي عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، حيث كان هذا التوقيع محلّ خلافٍ، خاصة لمّا كتب مقالته الشهيرة “إلى من يهمه الأمر”، التي يرد فيها على الفقيه الراحل ومؤسسة جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين.

وجرى نقاش كبير داخل الحزب، عقب هذه الرسالة التي حملت توقيع خالد الجامعي بوصفه عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، حول ما إذا كان يحق لعضو اللجنة التنفيذية توقيع مقالات صحفية باسم عضوية اللجنة، على اعتبار أن التوقيع باسم اللجنة كان يعني الحديث باسم مؤسسة اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.

“في حقيقة الأمر كان ذلك، هو السبب الرئيسي في خلاف قيادات حزب الاستقلال مع الراحل خالد الجامعي، في ذلك الوقت”، -يقول البقالي-، “وأنا عِشْت هذه المرحلة وخالد تعامل مع الموضوع بأريحية كبيرة، ولم يكن الأمر محلّ تجادب، حيث كان لخالد الجامعي الحق فيما ينشر وفيما يكتب، في مقابل ذلك كان لقيادة حزب الاستقلال أن تدافع عن المؤسسة وعن الخط السياسي للحزب بصفة عامة، وبالتالي تمت معالجة الموضوع في إبانه ولم يطرح أي إشكال”.

كان خالد الجامعي صحافي مهني من طينة الكبار، وأحد قادة الرأي العام بالمغرب، صاحب مواقف صارمة، ومن جانب آخر رجل متمرد، وتعابيره تنهل من معين اليسار والمعارضة اعتبر نفسه دائما “ملكيا”، لكنه ضد الحكم الفردي والمطلق في إحدى رسائله إلى الملك محمد السادس بعد توليه الحكم، وفي إحداها كتب الجامعي مخاطبا خليفة الحسن الثاني: “إذا رأيت الثورة قادمة إليك فقم بها أنت أولا”.

رسالة الجامعي للملك، لم تمنع الجالس على العرش، من الإشادة بخصال خالد الجامعي الذي وصفته برقية التعزية الملكية إلى عائلة الفقيد، والتي جاء فيها، أن الفقيد صحافي مقتدر، ومناضل ومثقف ملتزم، مشهود له بالنزاهة الأخلاقية، والثبات على المبادئ، والصدق والموضوعية والمهنية العالية، سواء في كتاباته الصحفية، أو في مواقفه السياسية”.

وتابع الملك “إننا لنستحضر، في هذا الظرف المحزن، ما خلفه الفقيد الكبير، الذي كان يحظى لدينا بالعطف والتقدير، من رصيد حافل وعطاء وافر، في المجال الإعلامي والسياسي والحزبي، طيلة عقود من الزمن، وما كان يتحلى به من خصال الغيرة الوطنية الصادقة، والتشبث بمقدسات الأمة وثوابتها الوطنية، وعلى رأسها الإخلاص لشخص جلالتنا وللعرش العلوي المجيد”.

وقد لعب خالد الجامعي، -بحسب البقالي- دورا محوريا في تقريب وجهات النظر وتجسير الهوة بين المحيط الملكي وبعض الوجوه اليسارية والحقوقية التي ستتولى فيما بعد مسؤوليات مرموقة ووازنة في الدولة، حيث لا يمكن أن ننسى الجولات التي كان يقوم بها الجامعي في مختلف ربوع المملكة والبرامج التلفزية التي قدمتها القناة الأولى بما فيما برنامج “حوار” الذي كان يديره الصحفي والإعلامي مصطفى العلوي”

وجلب الجامعي،- الذي كان في فترة ما مقربا من فؤاد عالي الهمة المستشار الملكي الحالي، قبل يبتعد عنه لتتسع الفجوة بينه وبين السلطة تدريجيا- معه حين ذاك ثُلة كبيرة من المناضلين في اليسار الرديكالي والمعتدل، واضطلع بدور أساسي في مرحلة إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة وفي التعبئة للعهد الجديد من داخل المؤسسات، لاسيما أنه كان يتمتع بمصداقية كبيرة لدى مختلف الأطراف، وهو ما أكدته الرسالة الملكية التي نعى فيها الملك محمد السادس الراحل خالد الجامعي، حيث شكلت هذه الرسالة إحدى العناوين البارزة لحجم المصداقية التي كان يحظى خالد الجامعي.

الجامعي.. ثقافة وسياسة

تابع الجامعي، ذو التكوين الفرنكفوني، تعليمه بمؤسسات البعثة الفرنسية، جلبه الوزير العلامة محمد الفاسي ليعمل إلى جانبه في وزارة الثقافة، لكن لم يكن الجامعي بالشخص الذي يسعى لاهثا وراء المناصب والنفوذ لذلك لم يستمر مدة طويلة في وزارة الثقافة، فرغم التزام الجامعي بارتداء البذلة الرسمية وربطة العنق، لم يرغب في التخلي عن شعر رأسه المنفوش، وسيكون خالد الجامعي من أوائل الداعمين للنسخة المغربية من الفرقة الإنجليزية “البيتلز” وهي مجموعة “ناس الغيوان”.

واستهل الجامعي مساره المهني في وزارة الثقافة، وسرعان ما انتقل إلى العمل الصحفي ليشرف على رئاسة تحرير جريدة لوبينيون لسان حال حزب الاستقلال الذي كان عضوا بلجنته التنفيذية، واشتهر الراحل بنزوعه النضالي والثوري، وعن سيرته الثقافية والمهنية تحدث الجامعي في مذكراته “متهم حتى تثبت إدانته”، عن بداية علاقته بكتابات رولان بارط وأندري مالرو وكارل ماركس، وكذا علال الفاسي، الذي التحق بنصيحة منه بديوان وزير الشؤون الثقافية آنذاك، المرحوم محمد الفاسي. في مُذكراته “متهم حتى تثبت إدانته”، يحكي الصحافي خالد الجامعي كيف ارتمى في عالم الصحافة تاركا جَمل وزارة الثقافة، بما حَمل

وفي لُجّة الحراك الثقافي والفني الذي انبثق بقوة خلال فترة السبعينيات، إثر ما يعرف بنكسة 1967، وثورة الشباب العالمية التي كانت من تداعيات انتفاضة “ماي 1968” بفرنسا، سيجد الشاب خالد الجامعي أن لا صلة له ببروتوكولات الوزارة، حيث قرر دون كثير من التردد التنازل عن امتيازات السيارة والتحية الرسمية التي كانت تؤدى له كل صباح، لينخرط في مجرى الحياة العامة ويتحول إلى صحفي متمرد.

وفي مذكراته يقول: “كنت أعتقد وقتئذ أن الثقافة قادرة لوحدها على تغيير العالم عموما ووطني على الخصوص. لذلك، كنت أحلم بثقافة وظيفية من شأنها أن تفتح أعين المواطنين على حقوقهم. ثقافة تتكفل بنشرها أساسا وسائل الإعلام السمعية البصرية لسدّ تلك الثغرة الكبيرة المتمثلة في استشراء الجهل والأمية..نعم، كنت أعتقد بكل سذاجة بأني قادر على تغيير النظام من الداخل”.

ويتابع ضمن نفس المذكرات، ولهذا، فإن اشتغالي في وزارة الثقافة، لم يكن ليثير في نفسي أدنى إحساس بالندم، بل على العكس من ذلك، كان احتكاكي بالسيد محمد الفاسي فرصة فريدة من نوعها لتحصيل كثير من الفوائد، والاطلاع على العديد من مجالات كنت أجهلها بالمرة، كشعر الملحون مثلا وعصر ما قبل التاريخ…غير أني سرعان ما استوعبت سريعاً بأني عاجزٌ عن تغيير النظام المخزني، وأني إذا لم أتشبث بالحيطة والحذر، فسوف أنتهي مبلوعا لا محالة في جوف هذا الغول المتربص الخطير..فلم أجد من حل مناسب للحفاظ على أحلامي ومبادئي سوى الفرار.

“كان رجلا يعشق الثقافة ومهوساً بِها حدّ الإيمان” -وفق شهادة البقالي- حيث كان اشتغاله الأول بوزارة الثقافة، قبل أن يلتحق فيما بعد بجريدة “لوبينيون” كصحفي يكتب في الملحق الثقافي، الذي أبدع فيه بشكل كبير، إثر ذلك انتقل إلى تولي المسؤولية عن الجريدة برمتها.. خالد الجامعي بدأ مناضلا وانتهى مناضلا.

الذي كان يميز خالد الجامعي، -بحسب الخليفة- أن كل من كان يقرأ الفرنسية بشكل جيد في تلك الفترة من مثقفين وطلبة وصحفيين تتلمذ على يد خالد الجامعي في معرفته بمعنى الحريات العامة ومعنى حقوق الإنسان، قل قراء “لوبينيون”، آنداك يفهمون كل يوم معنى جديدا وأسلوبا جديدا تمارس به الحريات العامة وحقوق الإنسان.

صحافي بقناعات ثابتة

“مات خالد الجامعي قبل أيام، باغتته المنية وصوته ما زال يصدح ضد الحكم القمعي حتى آخر الأنفاس، وعيناه تبحثان عن قبس من الديموقراطية والكرامة، دون جدوى”، يقول فؤاد وجاني، الشاعر المغربي المقيم في الولايات المتحدة، مضيفا في نعيه للراحل الجامعي، مردفا “مات الرجل وبقيّ حياًّ في ذاكرة الأرض والناس المحبين للتحرر..”

“من كثرة ما كان يكتب في موضوع حقوق الإنسان”، -يقول الخليفة- كنت أصارحه وأؤكد له أنك أصبحت لوحدك جمعية للمجتمع المدني للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، فيقول “بأن هذا هو دور الصحفي”، وبالتالي أنا أمنت بأن الرجل خلق للدفاع عن حقوق الإنسان.

خالد الجامعي، كان صحفيا بقناعات ثابتة، وفق ما يؤكد البقالي، وهي النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقيام دولة حديثة بمؤسسات ذات مصداقية، وكان مناضلا حقوقيا بامتياز سواء تعلق الأمر أثناء ممارسته لمهنة الصحافة أو بعد تقاعده ظل دائما في طليعة المناضلين المدافعين عن حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحريات الصحافة والفكر والتجمعات.

ويعتبر البقالي، أن الجامعي، عملة نادرة يصعب التكهن بإمكانية تعويضه في المدى المنظور لأنه رجل متفرد بكل ما للكلمة من معنى، فالأمر يتعلق بفقد كبير لصحفي متمرس وكفء وذي مصداقية كبيرة جدا، الفقيد خالد الجامعي هو غصن من شجرة أنتجت ثمار عظيمة بحجم رجالات بصمت التاريخ الإعلامي والسياسي الوطني، من قبيل العربي المساري وعبد الجبار السحيمي وعبد الكريم غلاب مصطفى القرشاوي مصطفى اليزناسني والعلوي، وبالتالي هو غُصن ينتمي إلى هذه الشجرة الوارفة الضلال.

ويخلص نقيب الصحفيين المغاربة، إلى أن الراحل الجامعي، ” كان مهوسا بالدفاع عن الديمقراطية وبحقوق الإنسان والتمكين لحريات الصحافة والتعبير، وحتى حينما آمن بالعهد الجديد انخرط في هذا المسار بروح إيجابية وبناءة، وزاد: ” وبالتالي تحلى بنوع من نكران الذات في بداية العهد الجديد مع تولي الملك محمد السادس للعرش، وحينما كان يلاحظ ما يعاكس قناعته كان لا يتردد في التعبير عن مواقفه بالجرأة اللازمة، حيث ظل مناضلا مدافعا بشكل شرس عن الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.