اقتصاد

خبير: تخفيف الضريبة على الدخل لا يضمن تحسن القدرة الشرائية دون ضبط الأسعار

خبير: تخفيف الضريبة على الدخل لا يضمن تحسن القدرة الشرائية دون ضبط الأسعار

اعتبر مجد عبد المنعم، أستاذ المالية العامة والتشريع الضريبي بجامعة القاضي عياض، أن تخفيف الضريبة على الدخل، الذي يتضمنه مشروع قانون المالية لسنة 2027، لا يمكن اعتباره مدخلا كافيا لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ما لم يواكبه التحكم في الأسعار والتضخم، إلى جانب تفادي تحميل المستهلك أعباء ضريبية إضافية من خلال الضريبة على القيمة المضافة.

وأوضح عبد المنعم، في قراءته لمضامين مشروع قانون المالية لسنة 2027، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن مراجعة جدول الضريبة على الدخل المنصوص عليه في المادة 73 من المدونة العامة للضرائب، من خلال خفض السعر الأقصى من 37 إلى 30 في المائة، والرفع من الشطر المعفى من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم، تمثل إحدى الآليات التي تستهدف دعم القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، غير أن نجاعة هذا الإجراء تظل مرتبطة بالتحكم في مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، وفي مقدمتها الأسعار.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن الهوامش المالية التي سيستفيد منها المواطن نتيجة تخفيف الضريبة على الدخل قد تجد طريقها مجددا إلى الاستهلاك، إذا لم تتم مواكبة هذا الإجراء بضبط الأسعار، محذرا من أن أي اختلال في هذا الجانب قد يقلص الأثر الإيجابي المنتظر من المراجعة الضريبية.

وفي السياق ذاته، شدد المتحدث على ضرورة إعادة النظر في الإصلاح الذي سبق أن باشرته الحكومة السابقة بشأن الضريبة على القيمة المضافة، أو على الأقل تفادي الزيادة في معدلاتها، حتى لا يجد المواطن نفسه أمام وضعية يؤدي فيها، من جهة، ضرائب أقل على دخله، ويضطر، من جهة أخرى، إلى دفع أعباء إضافية عند الاستهلاك، بما قد يفرغ التخفيف الضريبي من جزء من أهدافه الاجتماعية.

وفي قراءته للسياق العام المؤطر لمشروع قانون المالية، سجل عبد المنعم أن المشروع يأتي في ظل اضطرابات اقتصادية ومالية دولية، وتوترات جيوسياسية، تشمل تطورات الشرق الأوسط واستمرار تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية، فضلا عن تقلبات أسعار العملات، ولا سيما الدولار والأورو، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في توجيه القرارات المالية بالمغرب.

أما على المستوى الوطني، فيندرج المشروع، بحسب المتحدث، ضمن مرحلة حكومية جديدة، تتزامن مع استمرار جهود تجاوز تداعيات سبع سنوات من الجفاف، رغم التحسن الملموس الذي عرفته القيمة المضافة للقطاع الفلاحي خلال السنة السابقة. وأبرز في هذا الإطار أهمية استحضار الإكراهات المناخية ضمن التدبير المالي، واعتماد مقاربة استباقية لمواجهة تداعيات الجفاف، بالتوازي مع مواصلة الأوراش الكبرى المؤطرة بالتوجهات الملكية.

وبخصوص الأولويات الخمس لمشروع قانون المالية، أوضح الأستاذ الجامعي أن المرتكز الأول يتمثل في استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية، من خلال إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، والرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة البرامج المرتبطة بقطاعي الصحة والتعليم، فضلا عن تعزيز ولوج المواطنين إلى السكن اللائق عبر برامج الدعم المباشر للسكن.

ويتعلق المرتكز الثاني بإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، معتبرا أن هذه الأولوية ينبغي أن تحضر بشكل أفقي في مختلف السياسات العمومية، عوض حصرها في قطاع حكومي بعينه، بما يجعل قضايا الشباب جزءا من مختلف البرامج والتدخلات العمومية.

أما الأولوية الثالثة، فتهم تسريع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة والجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة، بما يتيح إعادة النظر في مقاربة التنمية الترابية وجعلها رافعة للتنمية الوطنية، في إطار التكامل بين التدبير الترابي والمركزي. وأشار عبد المنعم إلى أن المشروع خصص اعتمادات مالية تقارب 25 مليار درهم للشروع في تنزيل البعد التمويلي لهذه البرامج.

وفي ما يتعلق بالمرتكز الرابع، المرتبط بتعزيز السيادة الاستراتيجية للمغرب، أبرز المتحدث أن الأمر يتعلق بمواصلة الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن المائي، وتسريع تطوير الطاقات المتجددة، والتنزيل التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، ومواصلة تنزيل العرض المغربي في مجال الهيدروجين الأخضر، إلى جانب ضمان الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الرقمية الوطنية، خاصة من خلال إحداث قطاع حكومي يعنى بالذكاء الاصطناعي والرقمنة.

ويتمثل المرتكز الخامس في بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الرهانات الاجتماعية والسيادية، عبر تسريع الإصلاحات المؤسساتية، والحفاظ على استقرار التوازنات الاقتصادية والمالية، وتطوير البنية الصناعية السيادية، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، ودعم المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، فضلا عن توفير التمويل اللازم للمشاريع الكبرى والاستراتيجيات القطاعية.

الاستثمار العمومي والتشغيل

وفي ما يخص قدرة المشروع على تحسين القدرة الشرائية والحد من البطالة، اعتبر عبد المنعم أن مواصلة رفع الاعتمادات المالية المخصصة للاستثمار العمومي تشكل مدخلا أساسيا لإحداث مشاريع إضافية، وتحفيز النسيج المقاولاتي، وخلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.

وأوضح أن الصفقات والطلبيات العمومية تمثل إحدى الآليات الأساسية لتحفيز الاستثمار، بالنظر إلى ما تتيحه من فرص أمام عدد أكبر من المقاولات للاستفادة من الاعتمادات المالية المرصودة للمشاريع العمومية، وهو ما ينعكس على التشغيل وتنشيط الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن إحداث مناصب مالية جديدة في مختلف القطاعات الحكومية، على امتداد السنوات الخمس المقبلة، يشكل بدوره أحد المداخل المباشرة لدعم التشغيل، إلى جانب الدور المنتظر من القطاع الخاص، الذي يتعين عليه الانخراط في المجهود الوطني من خلال الاستفادة من التدابير والامتيازات الجمركية والجبائية والمساهمة في خلق فرص العمل.

تمويل المشاريع وضبط عجز الميزانية

وفي ما يتعلق بمعادلة تمويل المشاريع التنموية والحفاظ على التوازنات المالية، أكد أستاذ المالية العامة والتشريع الضريبي أن تحقيق هذا التوازن يقتضي توجيه الاستثمار العمومي بشكل مركز وعادل، والتحكم في النفقات، وتنويع مصادر التمويل.

وأشار إلى أن هذه المعادلة مؤطرة دستوريا وقانونيا، من خلال المادة 20 من القانون التنظيمي للمالية، والفصل 77 من الدستور، الذي ينص على عدم تجاوز حصيلة الاقتراضات مجموع نفقات الاستثمار وسداد أصول الدين برسم السنة المالية، مع إتاحة إمكانية اللجوء إلى العمليات الضرورية لتغطية حاجيات الخزينة.

وشدد المتحدث على أن توفير موارد مالية إضافية يظل من المداخل الأساسية لضمان تمويل الأوراش التنموية، خصوصا في ظل التوجه نحو خفض بعض المعدلات الضريبية والرفع من أخرى، مستشهدا بالضريبة على الشركات العاملة في بعض الأنشطة، ولا سيما قطاع المحروقات، التي تم رفع معدلها إلى 40 في المائة.

واعتبر أن توسيع الوعاء الضريبي، دون زيادة الضغط الجبائي على الوعاء نفسه، يشكل أحد الحلول الممكنة لتعزيز الموارد المالية للدولة، إلى جانب محاربة التهرب والغش الضريبيين، وتقوية المؤسسات والإدارات المكلفة بتنفيذ المنظومة الضريبية.

وفي هذا الصدد، لفت عبد المنعم إلى أهمية تعزيز أدوار الإدارة الضريبية والإدارة الجمركية والخزينة العامة للمملكة، سواء في تحصيل الضرائب أو مراقبتها، بما يسمح بتوفير موارد ضريبية إضافية، دون اللجوء إلى رفع المعدلات الضريبية أو زيادة الضغط الجبائي على الفئات المستهدفة بإجراءات دعم القدرة الشرائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News