صوت الجامعة

مطيع: الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في وظائف التواصل بالمغرب

مطيع: الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في وظائف التواصل بالمغرب

أكد عبد الصمد مطيع، مدير المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما، أن التحولات الرقمية وتطور الذكاء الاصطناعي يفرضان إعادة التفكير في وظائف التواصل وأدوار الفاعلين فيه، مبرزا أن الفن والسينما والإنتاج السمعي البصري لم تعد مجرد قنوات ثانوية للتعبير، بل أصبحت مكونات أساسية ومحركات رئيسية للتواصل الحديث وصناعة الفضاء العمومي.

وأوضح مطيع، في كلمة له خلال أشغال الدورة الثامنة للندوة الدولية “التواصل والفضاء العمومي بالمغرب”، التي تنظمها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أن موضوع هذه الدورة، الذي يتمحور حول “التواصل في تحول: الرقمنة ،الذكاء الاصطناعي، المجال الترابي وسيرة المتواصلين في القطاعين العام والخاص”، يلامس تحولات أكاديمية ومهنية تفرض نفسها بقوة، في ظل التغيرات التي تعرفها وسائل إنتاج المعلومات وتداولها والتفاعل معها.

وأبرز المتحدث ذاته أن هذه التظاهرة العلمية، التي يشرف على تنظيمها قسم علوم وتقنيات الاتصال بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أصبحت موعدا أكاديميا سنويا بارزا، مشيرا إلى أن برنامجها، يشكل فرصة لمد جسور نظرية وتطبيقية بين علوم الاتصال والذكاء الاصطناعي والصناعات الثقافية والإبداعية.

وفي سياق تأطيره النظري للموضوع، استحضر مدير المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما تصور الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس للفضاء العمومي، الذي تشكل تاريخيا حول التبادل والتداول واستخدام العقل في النقاش العام، معتبرا أن التحولات الراهنة تفرض تجاوز التصورات التي حصرت التواصل في الكتابة والنقاش اللفظي.

وأشار إلى أن مقولة المفكر مارشال ماكلوهان “الوسيط هو الرسالة “تكتسب أهمية خاصة في السياق الحالي، بالنظر إلى قدرة الشكل السينمائي واللغة البصرية على إعادة تشكيل مضمون الفضاء العمومي وطرق تفاعل المواطنين مع القضايا المطروحة للنقاش.

 واستحضر مدير “ISMAC” معطيات بشأن تنامي هيمنة الفيديو على حركة الإنترنت العالمية، مشيرا إلى أن المحتويات المرئية والسرد البصري يمثلان أكثر من 82 في المائة من إجمالي حركة الإنترنت عالميا، لافتا في الآن ذاته إلى أن عدة دراسات تشير إلى ارتفاع التفاعل مع الرسائل الاتصالية ذات البناء السردي والبصري والجمالي إلى مستويات تفوق التفاعل مع النصوص المجردة بـ12 مرة.

وأضاف أن تراجع مدة الانتباه الممنوحة للمعلومات الثابتة يجعل تقنيات السرد السينمائي والإيقاع البصري عناصر أساسية في إيصال المعنى وضمان وصول الرسائل إلى الجمهور، بما يفرض على المؤسسات إعادة النظر في أساليب التواصل المعتمدة لديها.

وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي التوليدي، حذر مطيع من المخاطر التي قد يطرحها هذا التغير على طبيعة الفعل التواصلي، مستحضرا التمييز الذي أقامه هابرماس بين الفعل الأداتي، الموجه نحو التحكم والفعالية التقنية، والفعل التواصلي الذي يستهدف التفاهم الحقيقي بين الأفراد.

واعتبر أن التحدي الأبرز يكمن في إمكانية تغليب منطق الكفاءة التقنية وإنتاج المحتوى على حساب التواصل الإنساني القائم على التفاهم، مبينا أن خوارزميات التعلم العميق تعتمد على كميات ضخمة من المعطيات، من بينها التسلسلات السينمائية وقواعد التأطير والإضاءة والبناء الدرامي، لتوليد محتويات جديدة.

وشدد مدير معهد السينما على أن هذه التحولات تفتح، في الوقت ذاته، آفاقا جديدة أمام الاتصال الترابي وتثمين الموروث الثقافي، إذ لم يعد الترويج للمجالات الترابية يقتصر على المنشورات التعريفية والمؤسساتية، بل أصبح يتطلب تحويل الموارد الثقافية إلى سرديات سينمائية ورقمية قادرة على إثارة اهتمام المواطنين والمستثمرين وتعزيز ارتباطهم بالمجالات المعنية.

كما أبرز أهمية المسؤولية الأخلاقية وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى ما وصفه بتحديات التحيزات الخوارزمية وانتشار المحتويات المزيفة بعمق، المعروفة بالتزييف العميق، ومستحضرا النقاشات الدولية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي..

وأكد أن الحس الفني والنظرة النقدية والرؤية الإنسانية لصانع الأفلام تمثل عناصر أساسية في حماية الحقيقة وصون كرامة النقاش العمومي، محذرا من أن يؤدي إقصاء الفن والسينما من الاتصال المؤسساتي في عصر الذكاء الاصطناعي إلى اختزال الرسائل في محتوى آلي يفتقر إلى الروح والوعي.

وبخصوص الكفاءات المطلوبة في المرحلة المقبلة، شدد مطيع على ضرورة إعادة بناء صورة المشتغل بالتواصل في القطاعين العام والخاص، معتبرا أن المرحلة لم تعد تحتاج إلى ممارس تقليدي يقتصر دوره على تحرير البلاغات الصحافية أو التدبير الآلي لمنصات التواصل الاجتماعي، بل إلى كفاءة هجينة تجمع بين الإبداع الفني والمعرفة الرقمية والالتزام الأخلاقي.

وأوضح أن هذه الكفاءة تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية؛ أولها امتلاك نظرة الفنان وصانع الأفلام، من خلال فهم سيميولوجيا الصورة والقدرة على بناء سرد بصري جذاب، إلى جانب مراعاة القيم الجمالية والأخلاقية،أما البعد الثاني، فيتعلق وفق المسؤول نفسه بامتلاك عقلية المهندس الرقمي، بما يشمل الفهم النظري والتطبيقي للبنيات الخوارزمية، وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والقدرة على التحليل النقدي للبيانات الضخمة المتعلقة بالجمهور.

ويتمثل البعد الثالث، وفق المتحدث، في الالتزام الأخلاقي للمواطن، من خلال الدفاع عن صدقية المعلومات، وتعزيز الاتصال الترابي الشامل، وتثمين الهوية والموروث الوطنيين.

وانطلاقا من هذه التحولات، أكد عبد الصمد مطيع أن المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما يعمل على تحديث برامجه ومناهجه التكوينية، بما يضع الإبداع الفني والسينما والوسائط الإعلامية الناشئة في صلب استراتيجيات التواصل الجديدة، مؤكدا أن هذه الخطوة تتم في إطار تعاون وثيق مع الجامعات ومراكز الأبحاث الوطنية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News