رأي

قراءة ما وراء أرقام صناديق 2026

قراءة ما وراء أرقام صناديق 2026

لا يمكن تقييم أي محطة انتخابية انطلاقا من النتائج العددية وحدها، فالأرقام لا تعكس دائما حقيقة التحولات التي يعرفها المجتمع، ولا تكشف طبيعة الاختيارات التي قادت إلى تصدر حزب معين أو إلى تراجع حزب آخر. فالنتيجة الانتخابية تظل عنصرا من عناصر التقييم، لكنها غير كافية بمفردها في تفسير دلالات المشهد السياسي، ما لم تتم قراءتها في ضوء نسبة المشاركة، وحجم العزوف، وطبيعة السلوك الانتخابي للناخبين.

من هنا، تبرز أهمية تحليل السلوك التصويتي للناخبين، لفهم تشريعيات 2026، فالنتائج ليست ترجمة فورية وموضوعية للحصيلة أو مقارنة دقيقة بين البرامج، بل قد تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية وسياسية ظرفية، كالتعبير عن الغضب والاحتجاج، أو الانجذاب إلى خطابات بسيطة ومباشرة تستثمر في بعض التحديات والانتظارات اليومية.

في هذا الإطار، يبدو أن جزءا من الأصوات التي استفادت منها بعض الأحزاب، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية، لم يكن بالضرورة نتيجة اختيار عقلاني مؤسس على تقييم حصيلة هذه الاحزاب أو الاقتناع بنجاعة برامجها الانتخابية. فقد ارتبط هذا الرصيد، في جانب كبير منه، بمزاج شعبي عام تمت تغذيته بخطابات شعبوية، قدمت إجابات جاهزة ومبسطة عن قضايا معقدة، وتستثمر في التوترات الاجتماعية وفي شعور عام بعدم الثقة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، غير أن قراءة هذه النتائج تقتضي التمييز بين التصويت المبني على اقتناع سياسي وبرنامجي واضح، والتصويت الذي تحكمه اعتبارات ظرفية أو عاطفية أو احتجاجية. فالاحتكام إلى الصندوق يمنح النتائج مشروعيتها الديمقراطية، لكنه لا يمنع من تحليل الخلفيات التي أنتجتها، ولا من مساءلة طبيعة الخطاب الذي نجح في استقطاب الناخبين.

كل هذه المعطيات تكشف عن تراجع واضح في التصويت البرنامجي، حيث بدا واضحا أن الأحزاب تتسابق على إنتاج خطاب مؤثر، وتوظيف الرموز السياسية، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع الانفعالات الجماعية. وفي كثير من الأحيان، تتراجع المضامين التنموية والاجتماعية والاقتصادية أمام شعارات عامة لا تحمل هموما تنموية واضحة، ولا تستند إلى رؤية إيديولوجية متماسكة.

إن خطورة هذا التحول، لا تكمن فقط في صعود الخطابات الشعبوية، بل أيضا في إضعاف النقاش العمومي حول البدائل والسياسات العمومية. فحين يصبح الانتخاب تعبيرا عن الغضب أو التذمر أكثر مما هو اختيار لمشروع سياسي، تتحول العملية الانتخابية إلى مناسبة لتفريغ الاحتقان، بدل أن تكون لحظة لتحديد الأولويات ومحاسبة المسؤولين على أساس الحصيلة والبرامج. وعندما يتراجع التصويت البرنامجي، تفقد المنافسة السياسية جزءا من مضمونها، ويصبح الفوز مرتبطا بالقدرة على التأثير في المزاج العام أكثر من ارتباطه بمدى واقعية المقترحات السياسية ونجاعتها.

لذلك، فإن تقييم تشريعيات 2026 ينبغي ألا يتوقف عند ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد التي حصلت عليها. المطلوب هو قراءة أوسع تشمل نسبة المشاركة، وحجم العزوف، وتوزيع الأصوات، وأنماط التعبئة، ومضامين الخطابات التي أثرت في الناخبين. كما ينبغي التمييز بين الشرعية العددية، التي تمنحها صناديق الاقتراع، والنجاعة السياسية والتنموية، التي لا تثبت إلا عبر الممارسة والإنجاز والقدرة على الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين.

وفي النهاية، إن قيمة أية محطة انتخابية لا تقاس بمن تصدر نتائجها العددية فقط، بل بما تكشفه من مستوى الوعي السياسي، وطبيعة العلاقة بين الناخب والأحزاب، ومدى حضور البرامج في الاختيار الانتخابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News