عروض مسرحية جديدة تنبش في المسكوت عنه وتضع المجتمع أمام مرآته

تستعد الخشبة المغربية لاستقبال عروض مسرحية جديدة ضمن الموسم المسرحي الجديد، الذي انطلقت جولته خلال شهر شتنبر الجاري، وتتواصل خلال الأشهر المقبلة، حاملا إلى الجمهور مجموعة من الأعمال التي تنوع بين الحكايات الإنسانية والاجتماعية، وتنبش في قضايا العنف، والاختيار الفردي، واستغلال المعتقدات، والقيود التي يفرضها المحيط على الفرد، إلى جانب التوترات التي تنشأ داخل العلاقات العائلية.
وتتوزع هذه العروض بين حكايات تستعيد تجارب شخصيات ظلت آثار الماضي حاضرة في حياتها، وأخرى تضع أبطالها في مواجهة العادات والتقاليد وما تفرضه من اختيارات، فيما تذهب أعمال أخرى إلى مساءلة بعض الممارسات المرتبطة بالدين والمعتقد الشعبي، أو تفكيك علاقة الفرد بمحيطه والحدود التي تحول دون قدرته على التعبير عن ذاته ورغباته.
وبين هذه الحكايات المتباينة، يراهن الموسم المسرحي الجديد على تقديم عروض تحمل قصصا وشخصيات مختلفة، لكنها تلتقي في الاشتغال على ما هو إنساني واجتماعي، من خلال حكايات تفتح المجال أمام المتلقي للتأمل في آثار العنف والصمت، والحرية والاختيار، وحدود الموروث، إلى جانب العلاقات التي تخفي خلف ظاهرها توترات.
وتتطرق مسرحية “ثلاث عيون وقط”، التي تدخل ضمن خانة العروض الجديدة، إلى قصة ثلاث نساء، لين وباتول ومريم، تجمعهن تجربة مشتركة رغم أن إحداهن لا تعرف الأخرى، لكن مع تطور الأحداث، تبدأ تفاصيل متفرقة في الظهور، من رائحة ومشية وصمت ونظرة، لتوقظ في ذاكرة كل واحدة منهن إحساسا بحضور سبق أن عبر حياتها وترك فيها أثرا عميقا، بحسب ما كشف عنه أيوب كريطع في تصريح لجريدة “مدار21”.
وتتقاطع ذكريات النساء الثلاث تدريجيا، لتكشف عن شخصية واحدة مشتركة، هي “القط”، الرجل الذي تسلل إلى حيواتهن وترك وراءه آثارا لم يستطعن تجاوزها، ومع انفتاح مساحة الكلام وانكشاف ما ظل مسكوتا عنه، تكتشف كل واحدة منهن أن تجربتها لم تكن معزولة، وأن ما اعتقدته حكاية شخصية وحميمة يرتبط بنمط متكرر من العنف.
ومن خلال هذا التقاطع، تنتقل النساء الثلاث من مواجهة ذكرياتهن بشكل منفرد إلى إدراك مشترك لما جمعهن، قبل أن يقررن كسر دائرة الصمت ورفض البقاء أسيرات لما حدث، وفي نهاية هذا المسار، يتحدن في انتظار عودة الرجل الذي ظل حاضرا في ذاكرتهم، في مواجهة مختلفة مع الماضي وآثاره.
وتحكي مسرحية “ساح الزين” التي بدورها تدخل ضمن العروض المسرحية الجديدة المدعمة من وزارة الثقافة، قصة “تاجميلت”، فتاة شابة تجد نفسها أمام زواج تقليدي من ابن عمها “سلامة”، الذي يحمل لها حبا قديما يعود إلى مرحلة الطفولة، غير أن تاجميلت لا تنظر إلى الزواج باعتباره مصيرا مفروضا عليها، وترفض أن يكون الحب مجرد امتداد لما تفرضه العادات والتقاليد، فتبدأ رحلة البحث عن اختيار آخر لحياتها، وفق ما كشف عنه مساعد مخرج المسرحية أيوب بنهباش لجريدة “مدار21”.
وتتغير مسارات الحكاية بعدما تعثر تاجميلت على رمانة حمراء، تتحول إلى علامة تقودها نحو عوالم أخرى، قبل أن تقصد المرأة الحكيمة “تمغارت”، التي تقودها، بمساعدة الحكيم “أنير”، إلى طقس غرائبي لاستحضار العاشق الغائب “مهاني”.
وتنبش مسرحية “البحرية والرداد” في حكاية صوفية متجذرة في الذاكرة الشعبية المغربية، وتعيد تقديمها في قالب درامي يزاوج بين البعد الروحي ومظاهر الاستغلال باسم الدين، إذ من خلال تنقل أحداثها بين الماضي والحاضر، يضع العمل التصوف، بما يحمله من قيم التهذيب والارتقاء الروحي، في مواجهة ممارسات توظف جهل الناس وحاجتهم إلى الأمل لتحقيق أغراض ومصالح مادية.
وتأخذ مسرحية “البحرية والرداد” المتلقي في رحلة تتداخل فيها الحكاية الصوفية مع واقع معاصر تحكمه المعتقدات الشعبية واستغلال حاجة الناس إلى الطمأنينة والخلاص، إذ من خلال الانتقال بين زمنين، يستعيد العمل حكاية “لالة عيشة البحرية” وارتباطها بـ”سيدي بوشعيب الرداد”، بالتوازي مع قصة شخصيات تعيش في الحاضر داخل فضاء ضريح تحول فيه التدين إلى وسيلة للنفوذ وتحقيق المكاسب، وفق ما كشفه حمزة الهندة، المكلف بالإدارة التقنية في العمل المسرحي لجريدة “مدار21”.
ويتمحور الصراع حول ضريح “لالة عيشة البحرية”، حيث تتولى “المجذوبة” إدارة شؤونه وتستغل تعلق الزوار والمريدين بالمكان لتحقيق مصالح مادية، إذ تضع نصب عينيها الحفاظ على استمرارية الضريح ومكانته، لذلك تسعى إلى تزويج “يونس”، خادم الضريح والمنحدر من سلالة “سيدي بوشعيب الرداد”، بـ”ميرا”، امرأة عزباء ومنقطعة النسب وجدت في الضريح ملاذا وأملا في العثور على زوج.
غير أن ما يبدو في البداية مجرد طقس من طقوس الضريح يتحول بالنسبة إلى “ميرا” إلى بوابة نحو زمن آخر، فخلال إحدى الممارسات المرتبطة بالقربان، وتحت تأثير البخور وحالة التنويم، تفقد وعيها وتنتقل إلى الماضي، حيث تنفتح أمامها فصول من الحكاية الأسطورية لعائشة البحرية، التي تخلت عن حياة الرفاه والجاه في بغداد، واختارت سلوك طريق الزهد بحثا عن بوشعيب الرداد، هاربة كذلك من سجانها “الرقيب”.
وبعد عودتها إلى وعيها، تجد “ميرا” نفسها أمام رغبة المجذوبة في إتمام زواجها من “يونس”، لكن الشاب يرفض الانصياع لهذه الرغبة، فتقرر المجذوبة معاقبتهما بإبعادهما إلى الخلاء، ظنا منها أن قسوة العزلة ستدفعه إلى التراجع والعودة إليها خاضعا لشروطها.
إلا أن هذه الخطة تنقلب على صاحبتها، ففي العراء، بعيدا عن سلطة الضريح وأجوائه، تبدأ “ميرا” في كشف الوجه الآخر لما يحيط بـ”يونس”، وتدفعه إلى إعادة النظر في الدور الذي يؤديه، ويكتشف تدريجيا أن حياته المكرسة لخدمة الضريح، والتي كان يعتقد أنها تعبير عن الزهد والتقوى، أصبحت جزءا من منظومة تستغل الدين والجهل وتحول الطقوس إلى مصدر للربح والنفوذ.
وتدخل مسرحية “سيركلاج” ضمن باقة العروض الجديدو، والتي يقدم فيها الثلاثي ساندية تاج الدين، وسعد موفق، وريم مريمري، قضية اجتماعية تتمحور حول القيود التي يفرضها المحيط على الفرد، والحواجز التي تحول دون قدرته على التعبير بحرية عن ذاته ورغباته واختياراته، بحسب ما توصلت به جريدة “مدار21” من طاقم العمل.
ويغوص العمل في طبيعة العلاقة بين الفرد ومحيطه، من خلال رصد مجموعة من الحدود غير المرئية التي تتشكل بفعل العائلة والمجتمع ونظرة الآخرين، وما تفرضه من ضغوط تدفع الإنسان في أحيان كثيرة إلى مراقبة سلوكه وكبح رغباته والتنازل عن جزء من ذاته حتى يتلاءم مع ما ينتظره منه المحيط.
وتتطور الأحداث من خلال مواقف وشخصيات تكشف الصراع بين الرغبة في التحرر والبحث عن الذات، وبين الخوف من الأحكام الاجتماعية والرفض.
وفي سياق العرةض الجديدة المدعمة، مسرحية “ضباب” التي تنطلق أحداثها من موقع يجمع أربعة أشخاص تربطهم علاقات عائلية، وهم أب وابنته الحامل وزوجها وشقيق الزوج، في لقاء يبدو في بدايته عاديا، قبل أن تتغير ملامحه تدريجيا مع بروز واقعة غامضة تقلب توازن الشخصيات وتضعها أمام سلسلة من الأسئلة والشكوك.
ومع تصاعد الأحداث، يتحول المكان إلى مساحة للمواجهة وكشف التوترات الكامنة بين الشخصيات، حيث تتداخل العلاقات العائلية مع الشكوك والاتهامات، ويجد كل طرف نفسه محاصرا بما يقوله الآخرون وبما يخفيه هو نفسه.





