انتقائية الإعلام الإسباني في ملف حيجاوي.. حين تتراجع المهنية أمام استهداف المغرب

عادت التغطيات الأخيرة لبعض وسائل الإعلام الإسبانية اسم المهدي حيجاوي إلى الواجهة، بعد سنوات طويلة من ابتعاده عن أي موقع وظيفي رسمي، في محاولة لتقديمه باعتباره مصدراً لمعطيات وأسرار مرتبطة بالمغرب. غير أن حجم الوقائع والاتهامات التي باتت المنابر الإسبانية نفسها تربطها باسمه يجعل وضعه داخل إسبانيا أكثر أهمية من الروايات التي يحاول تسويقها عن بلده.
فحيجاوي، الذي غادر موقعه الوظيفي منذ سنة 2010، أصبح اليوم موضوعاً لاتهامات تتصل بملفات تمس إسبانيا بصورة مباشرة، وفي مقدمتها قضية برنامج التجسس “بيغاسوس”، كما تذهب هاته الصحف في “عملها الاستقصائي”، فضلا عما ورد في تسجيلات صوتية مسربة بشأن مقتل هشام المنظري فوق الأراضي الإسبانية سنة 2004.
وفي ملف “بيغاسوس”، ذهبت وسائل إعلام إسبانية إلى ربط اسم حيجاوي بعملية التجسس التي يقال أنها استهدفت هاتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، وقدمت روايات تنسب إليه معرفة مباشرة بالعملية وبالمعطيات التي جرى الوصول إليها.
وتكتسي هذه الاتهامات خطورة خاصة بالنظر إلى طبيعة الهدف المفترض للعملية، فاختراق هاتف رئيس الحكومة الإسبانية لا يتعلق بواقعة تقنية عابرة، وإنما بقضية تمس الأمن القومي الإسباني وأعلى مستويات الدولة، وهو ما يجعل أي شخص تنسب إليه الصحافة الإسبانية صلة مباشرة بهذا الملف موضوعا طبيعيا للاهتمام القضائي والأمني.
وتزداد أهمية المسألة بعدما تحدثت منابر إسبانية عن إقامة حيجاوي داخل إسبانيا وتنقله بين مدريد ومنطقة كاسيريس، وبذلك يصبح وجود شخص تنسب إليه اتهامات بهذا الحجم فوق الأراضي الإسبانية معطى يفرض التحقق من طبيعة وضعه ومن حقيقة التهم المنسوبة إليه، بدل إبقاء القضية محصورة في دائرة التسريبات والتجييش واللغط الإعلامي.
ولا يتوقف ملف حيجاوي عند “بيغاسوس”، فقد تضمنت التسجيلات الصوتية التي نشرتها مجموعة “أطلس هاكرز” حديثا منسوبا إليه بشأن مقتل هشام المنظري في جنوب إسبانيا في غشت 2004.
وتضع هذه التسجيلات أمام السلطات الإسبانية معطيات تتصل بواقعة جنائية حدثت داخل أراضيها. فإذا ثبتت صحة ما ورد فيها، فإن الأمر يتعلق بمعطيات خطيرة بشأن جريمة قتل يفترض أن تخضع للتحقيق القضائي، أما إذا كانت الأقوال التي أدلى بها حيجاوي مختلقة، فإن ذلك يطرح بدوره مسألة دوافعه إلى نسبة أفعال جنائية بهذا الحجم إلى نفسه وتقديم روايات بشأنها.
وفي الحالتين، يصبح مضمون التسجيلات عنصرا ماديا يصعب تجاهله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بواقعة قتل وقعت في إسبانيا وبشخص تشير الصحافة الإسبانية إلى وجوده حاليا فوق أراضيها.
وتكشف هذه الوضعية عن انتقائية واضحة في طريقة تعامل بعض وسائل الإعلام الإسبانية مع حيجاوي. فعندما يتحدث عن المغرب، يجري تقديمه باعتباره مصدرا استثنائيا يمتلك معلومات حساسة، بينما تتراجع عملية التدقيق في أقواله عندما تتعلق بوقائع تمس بإسبانيا وأمنها وقضاءها بصورة مباشرة.
ولا يمكن فصل هذه الانتقائية عن مسألة المصداقية. فمن يمنح أقوال حيجاوي قيمة كبيرة عندما تتعلق بالمغرب يفترض، بالمنطق نفسه، أن يتعامل بالجدية ذاتها مع أقواله عندما تتصل بملفات إسبانية. أما الانتقاء بين روايات الشخص نفسه بحسب الجهة التي تستهدفها، فيطرح إشكالاً مهنياً واضحاً بشأن المعايير المعتمدة في تقييم المصدر.
كما أن تقديم حيجاوي اليوم باعتباره مصدراً لمعلومات راهنة عن المغرب يصطدم بعامل الزمن. فالرجل خرج من موقعه الوظيفي سنة 2010، أي قبل أكثر من ستة عشر عاماً، وهي مدة طويلة بالنظر إلى طبيعة العمل الاستخباراتي وما يعرفه من تغير مستمر في الهياكل والأشخاص وأساليب العمل والملفات.
ومن ثم، فإن الصفة الوظيفية السابقة لا تكفي وحدها لإضفاء المصداقية على كل ما يقدمه اليوم من روايات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوقائع حديثة يفصل بينها وبين مغادرته موقعه سنوات طويلة.
وزادت تسريبات «أطلس هاكرز» من تعقيد صورة حيجاوي، بعدما كشفت التسجيلات المتداولة عن طبيعة تواصله مع هشام جيراندو، وفتحت الباب أمام معطيات أخرى تتعلق بشبكة علاقاته وبالبيئة المحيطة به، بما يجعل التحقق من مصداقية رواياته ضرورة تسبق التعامل معها باعتبارها معلومات جاهزة للنشر.
ويبدو التناقض أكثر وضوحاً عندما تجمع بعض التغطيات الإسبانية بين تقديم حيجاوي باعتباره شخصاً يمتلك معلومات عن عملية تجسس استهدفت رئيس الحكومة الإسبانية، وبين التعامل معه في الوقت ذاته كمجرد مصدر صحفي للحديث عن المغرب. فخطورة الأفعال المنسوبة إليه تضعه، وفق الرواية التي تقدمها هذه الصحافة نفسها، في موقع يتجاوز بكثير دور «المصدر».
وبناء على هذه المعطيات، أصبح ملف حيجاوي شأناً إسبانياً في المقام الأول. فالاتهامات المرتبطة بـ«بيغاسوس» تمس مباشرة الأمن القومي الإسباني، بينما ترتبط أقواله بشأن هشام المنظري بجريمة قتل ارتكبت فوق الأراضي الإسبانية.
وهو ما يضع القضاء والأجهزة المختصة في إسبانيا أمام مسؤولية التحقق من هذه الوقائع وتحديد حقيقتها وترتيب الآثار القانونية التي تقتضيها، خاصة في ظل الحديث عن استمرار إقامة حيجاوي داخل البلاد.
وفي المقابل، فإن عدم وجود إجراءات قضائية معلنة بشأن هذه الوقائع يضع الصحافة الإسبانية أمام مسؤوليتها المهنية أيضاً. فإذا كانت المعطيات التي تنشرها عن حيجاوي تبلغ هذه الدرجة من الخطورة، فإنها تستوجب متابعة مسارها القضائي والأمني، وليس الاكتفاء باستحضار الرجل عندما يتعلق الأمر بإنتاج روايات عن المغرب.
وبذلك يتحول النقاش من محاولة معرفة ما يحتفظ به موظف سابق غادر موقعه منذ أكثر من عقد ونصف من معلومات عن المغرب، إلى ملف أكثر راهنية يرتبط بإسبانيا نفسها: رجل تقول صحافتها إنه يقيم فوق أراضيها، وتنسب إليه وقائع تمس أمنها القومي، إلى جانب أقوال مرتبطة بجريمة قتل وقعت داخل حدودها.
وعند هذه النقطة، لم يعد ملف المهدي حيجاوي مجرد قصة صحفية مرتبطة بالمغرب، بل أصبح ملفاً إسبانياً تنتظر الوقائع الخطيرة المرتبطة به أن تنتقل من صفحات الجرائد والتسجيلات المسربة إلى دائرة التحقيق القضائي والأمني.





