ترحيل سوق الجملة بالبيضاء.. “إعدامٌ” لقوت البسطاء وتهديد بزيادة الأسعار

تستعد جماعة الدار البيضاء لنقل وتجميع أسواق الجملة (الخضر والفواكه والدواجن والسمك) خارج المدينة نحو مجمع ضخم بتكلفة مالية تناهز ملياري درهم، وذلك بهدف تخفيف الضغط المروري وتنظيم قطاع التسويق الفلاحي والغذائي، غير أن هذا الإجراء يُهدد بإعدام أقوات مئات البُسطاء الذين يسدون رمقهم من السوق منذ عدة عقود، كما يُلوح بزيادات جديدة في أسعار الخضر والفواكه.
ويثير هذا القرار تخوفات في صفوف المهنيين والتجار من تأثير عملية الترحيل على مصادر أرزاق البسطاء، بفعل ارتفاع كلفة النقل. كما يثير قلق المستهلكين من انعكاس تكاليف النقل الجديدة على أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية، فضلا عن تساؤلات حول استغلال الوعاء العقاري الحالي للسوق بعد إخلاءه.
وقال مهنيون من داخل السوق لجريدة “مدار 21” إن الأمر يتعلق بـ”شريان حيوي لتجارة الخضر والفواكه من كل أنحاء المملكة”، مضيفين أن في إغلاقه أو نقله إلى مكان آخر إعداماً لأرزاق الكثير من الفئات الهشة التي تسد رمقها من أشغال بسيطة تُمارس بشكل يومي داخل السوق.
“نحن نتأسف ونتألم عند طرح موضوع ترحيل سوق الجملة للخضر والفواكه من هذا المكان، فالمعلوم أن فئات هشة جداً تكسب قوتها من هذا المكان منذ عقود، بينهم أيتام وأرامل وشيوخ في أرذل العمر، وأشخاص لا يجيدون القيام بأي حرفة أخرى غير مرتبطة بأنشطة السوق، الذي يمثل الأمل الوحيد للعديد من شباب الأحياء الشعبية المجاورة في الكسب وسد الرمق”، يقول أحد المهنيين بحرقة لميكروفون “مدار 21”.
ويواصل المتحدث ذاته بنفس الحسرة: “تجولوا داخل السوق، ستعثرون على شباب يُعيل أسراً برمتها عن طريق التقاط بعض الكيلوغرامات من الخضر والفواكه وبيعها بالتقسيط غير بعيد عن السوق بربح متواضع جداً يتطلب جهداً جهيداً”.
نقل السوق إلى موقع بعيد يمثل “ضربة قاضية” بالنسبة لهذه الفئة من العاملين فيه، الذين لا يمكنهم تحمل تكاليف النقل التي سيفرضها جلب الخضراوات والفواكه من إقليم برشيد، حيث تعتزم جماعة نبيلة الرميلي نقل سوق الجملة للخضر والفواكه.
“هذه مسافة بعيدة جداً” يضيف مهني آخر للجريدة؛ “أؤكد لكم أن هذا التدبير لو تم تفعيله فسيعود بالندم، إذ سيفاقم مشكلة البطالة على مستوى الأحياء الشعبية المجاورة، وسيترتب عن ذلك تنامي مشكلة الهشاشة، فالمغرب بلد فلاحي وهناك نسبة مرتفعة تتعيش من الأنشطة المتعلقة بالفلاحة”.
مهني آخر قال لـ”مدار 21″ إن قرار الترحيل يُعادل تجويع التجار الصغار الذين يقتاتون من السوق؛ “نحن نعيش من هذا السوق، وليست لنا إمكانيات للتنقل إلى مكان بعيد لجلب السلع، فأنا أعمل هنا منذ سبعينيات القرن الماضي، وتأتي علينا أيام لا نكسب فيها حتى 20 درهماً كاملة طيلة يوم كدح، فمن أين لنا يا ترى بتكاليف التنقل ونقل السلع التي قد تصل إلى 100 درهم؟ من برشيد إلى الدار البيضاء؟”.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن الأمر سينعكس بالضرورة حتى على المستهلك النهائي؛ “سوق الجملة حالياً يقع في قلب الدار البيضاء، ومع ذلك تلاحظون الغلاء المستشري في هذه المواد الغذائية، فبالأحرى أن يصبح بعيداً بعدة كيلومترات، سترتفع الأسعار مرة أخرى بلا شك”.
وبدلاً من التنقيل، يطالب المهنيون الذين استجوبتهم “مدار 21” بحلول بديلة، على غرار إعادة هيكلة السوق، لا سيما على المستوى الإداري؛ “يمكن إدخال الكثير من الإصلاحات على هذا السوق مع الحفاظ عليه، هناك مشاكل كبيرة في التسيير والتدبير، ولا يوجد حرص على النظام، هذه الفوضى العارمة التي يرتع فيها هذا السوق إذا تراجعت فلن تكون هناك حاجة لنقله من مكانه”.
“نناشد جميع المسؤولين، وعلى وجه الخصوص وزير الداخلية، للقيام بزيارة ميدانية، وتعيين لجنة للمراقبة والتفتيش، فهنا سيعثرون على ما لا يتقبله العقل”. يخلص المتحدث ذاته.





