جواد غسال يناقش أطروحته حول التواصل في الأنظمة القضائية

احتضنت جامعة ابن طفيل بمدينة القنيطرة، اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، أطوار مناقشة علمية رفيعة المستوى لأطروحة دكتوراه في التواصل، أعدها وقدمها الطالب الباحث جواد غسال، والتي حملت عنوان: “التواصل في الأنظمة القضائية – دراسة مقارنة”.
وتناولت هذه الأطروحة الأكاديمية تحول مفهوم العدالة والتواصل المؤسساتي داخل المنظومات القضائية المعاصرة، عبر إطار تحليلي ومقارن يفكك أبعاد الظاهرة في مستوياتها المفهومية والإجرائية والخطابية، مستعرضاً تباين الهندسات التنظيمية بين العائلات القانونية الدولية والانعكاسات التداولية لذلك على بناء الثقة وتعزيز خيار “العدالة المفتوحة”.
وذهب الباحث، الذي حصل على درجة مشرف جدا مع تنويه اللجنة والتوصية بالطبع في أجواء علمية وأكاديمية رفيعة، إلى كون الأنظمة القضائية المعاصرة تخوض تحولاً جوهرياً في صلتها بالمجتمع، تحت ضغط المطالب الشعبية بالمساءلة وتنامي وعي المواطنين بالحق في الوصول إلى المعلومة.
وتكشف الدراسات الأكاديمية المتخصصة عن خروج القضاء من عزلته الكلاسيكية التي كانت تحصر مهامه في في تطبيق القانون والفصل في الخصومات إلى أداء أدوار اتصالية رمزية تُعزز القبول التداولي للأحكام.
ولتأطير هذا المسار، أشار الباحث إلى التحولات في الفكر الاتصالي الحديث من النماذج الخطية التقليدية لصالح مقاربات تفاعلية ونسقية تعيد الاعتبار للبعد الرمزي والتداولي في الفضاء العمومي.
وتتصدى الدراسة المقارنة لإشكالية تدبير هذا التواصل في ظل التوتر القائم بين متطلبات الشفافية والعلنية من جهة، ومقتضيات استقلال القضاء وواجب التحفظ من جهة أخرى. وتبرز في هذا السياق أهمية صياغة استراتيجيات تتلاءم مع متطلبات الطفرة الرقمية المتسارعة لوسائل الإعلام لضمان بناء الثقة المؤسساتية.
وعلى مستوى الهندسة التنظيمية للبنى التواصلية، أفضى تطبيق “نظرية النظم” في الأطروحة إلى تصنيف البنيات التواصلية القضائية إلى ثلاثة نماذج مؤسساتية متباينة الأهداف والأدوات. إذ تتأسس بنية ”الانضباط المعياري” في كل من كفرنسا وألمانيا وإسبانيا وهولندا على عقيدة المركزية القانونية والصرامة الإجرائية.
وتعتمد هذه المنظومة على قضاة ناطقين رسميين يعملون كـ”دروع مؤسساتية” لحماية سرية التحقيق وقرينة البراءة وهيبة المرفق العام. وفي المقابل، تتميز بنية “المرونة التفاعلية” في العائلة الأنجلوسكسونية (ككندا وبريطانيا) باللامركزية المرفقية والقدرة على المبادرة الإعلامية الاستباقية. حيث تُمنح المحاكم المحلية صلاحيات واسعة لتدبير علاقاتها الصحفية عبر فرق متخصصة تسهم في إنتاج الخطاب القضائي وتبسيطه لترسيخ مفهوم “العدالة المفتوحة”.
أما النماذج الانتقالية، كالحالة المغربية، فتظهر فيها الفجوة قائمة بين التحديث الهيكلي وبين غياب سياسة تواصلية مندمجة توازي هذا الإصلاح. حيث يصطدم الطموح المؤسساتي بضعف الإمكانيات اللوجستية وتنازع الممارسة بين إرث التحفظ الكلاسيكي وتحديات الانفتاح الرقمي الحديث.
ويُفرز هذا الارتباك تشتتا في الخطاب وتناميا للتأويلات الإعلامية غير الدقيقة، مما يوسع الفجوة المعجمية بين لغة القانون المتخصصة ولغة التلقي لدى المواطن. كما يسجل التفكيك المؤسساتي تباينا في هوية الفاعل التواصلي بين إسناد المهمة لقضاة ناطقين رسميين يخضعون للتراتب الهرمي في النظام الجرماني، وبين الاعتماد على خبراء علاقات عامة مستقلين في النظام الأنجلوسكسوني لبناء القبول التداولي.
وعلى صعيد التحليل اللساني والسيميائي، ينعكس التنظيم الهيكلي للمؤسسة بشكل مباشر على مخرجاتها الخطابية واستراتيجيات التأثير المعتمدة تجاه الجمهور. فالأنظمة ذات الانضباط المعياري تميل في خطابها نحو الحذر والاختزال الدلالي واستخدام شبكات معجمية مغلقة لحماية حظر النشر وسرية المساطر. في حين يتسم الخطاب في الأنظمة المرنة بنبرة حجاجية تشاركية تقترب من لغة الفضاء العمومي لتبرير القرارات وعقلنتها.
وتؤكد المخرجات العلمية للأطروحة أن درجة تقنين الخطاب وتبسيطه تحدد شكل العلاقة المفترضة بين المؤسسة والقضاء والمتلقي في المجال العام. فبينما يكرس الخطاب القانوني الجاف مسافة رمزية عمودية تفترض في المتلقي الانضباط السلبي، يقدم النموذج الأنجلوسكسوني لغة تفسيرية هجينة تدرج المتلقي كـ”شريك تأويلي”. وتستمر النماذج الانتقالية في التأرجح التدبيري بين الرغبة في طمأنة الرأي العام وهدف ضبط التأويل لدرء الأزمات.
وتخلص التقييمات إلى ضرورة تجاوز المقاربات التقليدية التي تختزل التواصل القضائي في أبعاده الإخبارية أو التبريرية، والتعامل معه بوصفه نظاما دلاليا ومؤسساتيا يتداخل فيه القانون مع علوم التواصل والاجتماع لبناء المشروعية وتوطيد الثقة.





