وجهة نظر

بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية.. مداخل للتطوير

بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية.. مداخل للتطوير

اتصل بي أحد الأصدقاء قبل أيام، وأفادني أنه حجز موعدا لتجديد بطاقة تعريفه الإلكترونية، عبر المنصة الإلكترونية “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية https://www.cnie.ma/home”، حيث اختار الساعة 17.45 في أحد أيام العمل(السادسة إلا ربع مساء). لكنه عند التحاقه بمركز الأمن المعني في الساعة المحددة، تفاجأ بوجود الإدارة مقفلة، فرجع أدراجه، وعند عودته صباحا سأل أحد رجال الأمن فبادره هذا الأخير قائلا ”هل هناك إدارة تشتغل إلى الساعة السادسة؟”، ولما نبهه صديقي أنه حجز الموعد عبر البوابة، بادره رجل الأمن قائلا “لا تُلْقِ بالا لتلك البوابة”.

لقد دعتني هذه الواقعة، إلى البحث في الموضوع والتأكد من الإشكال الذي طرحَتْه إفادة صديقي، ولأنني مُقْبِل على تجديد بطاقتي الوطنية، قمتُ بالإجراءات المطلوبة عبر المنصة الإلكترونية، ولما وصلت إلى مرحلة حجز الموعد، اقترحتْ علي البوابة خانة من المواعيد(بالأيام والساعات، كما يظهر في الصورة المرفقة):

وقبل تسجيل الملاحظات التي تستدعيها الواقعة التي عاشها صديقي، يتعين ابتداء التعريف الموجز بالإطار القانوني المنظم للبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية. فقد صدر القانون 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، في الجريدة الرسمية بتاريخ 10 غشت 2020، ناسخا القانون 35.06 المحدثة بموجبه البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية(30/11/2007).

وقد منح القانون 04.20 لحامل البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية هوية رقمية، وتتوفر البطاقة على شهادات أمان رقمية، كما حدد المعطيات المكونة لها ضرورة، والمعطيات التي يمكن أن تضاف لها بطلب من حاملها مثل بريده الإلكتروني ورقم هاتفه، وأسماء وهواتف الأشخاص الذين يمكن الاتصال بهم عند الضرورة. من جهة أخرى، أحال ذات القانون على نص تنظيمي يحدد وفقه نموذج البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية. وقد تكفل المرسوم التطبيقي رقم 2.20.521، بأجرأة المقتضيات التي نص عليها القانون 04.20.

وفيما يخص “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”، فهي تُعَرِّف بالإجراءات الإلكترونية الواجب اتباعها عند الحاجة لطلب هذه البطاقة الوطنية لأول مرة أو الحاجة للتجديد، كما توفر خدمة إنشاء الطلب الإلكتروني وتتبع إجراءاته والحصول على الاستمارة الخاصة به.

إن الواقعة التي استهْلَلْنا بها هذه المقالة لتثير الملاحظات الجوهرية الآتية:

  1. أي تأطير قانوني ل”بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”؟:

    إن ما يثير الانتباه عند استعراض القانون 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ومرسومه التطبيقي رقم 2.20.521، أن النصين خَلَيَا من أي تنصيص على إحداث البوابة المذكورة. ويتعلق هذا المأخذ أكثر بالمرسوم، وهو إخلال تجنبته نصوص قانونية صدرت بشأن عدة خدمات عمومية رقمية، ونخص بالذكر:

    • القانون 88.17 المتعلق بإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، المنشور في 21/01/2019(قبل صدور القانون 04.20)، والذي نص على إحداث منصة إلكترونية تُبَاشَر عبرها وجوبا جميع الإجراءات القانونية المطلوبة لإحداث المقاولات؛

    • القانون 36.21 المتعلق بالحالة المدنية، المنشور في 22/07/2022، والذي نص على إحداث بوابة الحالة المدنية، وهي عبارة عن موقع إلكتروني إخباري وتفاعلي خاص بمرفق الحالة المدنية، يمكِّن المرتفقين خاصة من التصريح الأولي بمختلف الوقائع المدنية؛

    • المرسوم 2.23.1067 بتطبيق القانون 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر(منشور في 04/12/2023)، والذي نص على إحداث منصة إلكترونية تودع عبرها طلبات الاستفادة من إعانات الحماية من المخاطر المرتبطة بالطفولة أو الإعانات الجزافية؛

    • المرسوم 2.23.350 بتحديد أشكال إعانة الدولة لدعم السكن وكيفيات منحها لفائدة مقتني مساكن مخصصة للسكن الرئيسي(منشور في 23/11/2023)، والذي نص على إحداث منصة إلكترونية يودع عبرها الشخص الراغب طلبه قصد الاستفادة من إعانة الدولة لدعم السكن؛
  2. أي رسالة من وراء التنقيص من “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”؟:

    إن جواب رجل الأمن لصديقي، مما أوردْتُه في مقدمة هذه المقالة، بقوله: “لا تُلْقِ بالا لتلك البوابة”، ويقصد “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”، لأمر مؤسف وغير مقبول من مسؤول عمومي.

    قد يتفهم المرء موقفا سلبيا للمرتفق بشأن منصة إلكترونية أحدثتها الإدارة العمومية من أجله، وبذلت من أجل ذلك إمكانا قانونيا ومؤسسيا وتدبيريا وماليا معتبرا، وقد يُقْبَل من المرتفق ألا يستعمل تلك المنصة ويلج بدل ذلك إلى الاستفادة الحضورية من الخدمة العمومية.

    لكن ما لا يُسْتساغ ولا يُقْبل، أن يصدر موقف سلبي من مسؤول عمومي، بشأن خدمة تقدمها إدارته، بل إن مسؤوليته المرفقية تقتضي أن يكون فاعلا في تنمية الخدمة العمومية الرقمية من مدخل التحسيس والتوعية والتحفيز والتأهيل لفائدة المرتفقين.

    وما يؤكد أكثر الأثر الوخيم لمثل هذا السلوك، أن ثمة عزوف في المجتمع عن الاستعمال المكثف للخدمة العمومية الرقمية، وللأسف فهذا السلوك له كثير من شواهد المقاومة والممانعة داخل الإدارة العمومية من قِبَلِ العديد من الموظفين العموميين، مما يستدعي من المسؤولين العموميين مقاربة علاجية فاعلة.
  3. احترام المواعيد مدخل لبناء ثقة المرتفق في الإدارة الرقمية:

    إن مما يمكن أن يثير الانتباه، أن “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”، تمنح الإمكانية لحجز موعد بعد الساعة 16.30(الرابعة والنصف)، إلى غاية الساعة 18.45(السابعة إلا ربع مساء) خلال أيام الأسبوع من الإثنين إلى الجمعة، وهو اختيار جدير بالتنويه والتقدير.

    لكن وانطلاقا من الواقعة موضوع هذه المقالة، فإن المتعين أن تحترم الإدارات المعنية المواعيد التي يحجزها المرتفقون والتي حددت شبكتها بإرادتها وبمحض اختيارها، وإذا جاءوا في الموعد الذي حجزوه عبر البوابة وجدوا مسؤولا أمنيا في استقبالهم. وإذا تبين أن شبكة المواعيد بعد الساعة والرابعة والنصف مساء تطرح إشكالا، فوجب مراجعة تلك الشبكة بما يحفظ حقوق المرتفقين ويرفع العنت عنهم، ويسهم في صيانة ثقتهم في الخدمة العمومية الرقمية.
  4. تعبئة الاستمارة الإلكترونية عبر البوابة: تعقيد لا تبسيط

    إن منطق الخدمة العمومية الرقمية، أن تكون متاحة للمرتفق بشكل مبسط وخالية من التعقيدات، وأن تتم في أقل زمن ممكن، وهذا حال العديد من الخدمات على العموم، لكن الوضع بخلاف ذلك في حالة “بوابة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية”.

    فلتعبئة الاستمارة الإلكترونية لطلب موعد التقديم الحضوري لطلب الحصول البطاقة الوطنية أو تجديدها، يتعين على الطالب أن يَرْقَن العديد من المعطيات الشخصية، مما يستنزف وقته، وهي معطيات لا يطالها التغيير، من قَبِيل الاسم الشخصي والعائلي لصاحب الطلب، وجنسه وتاريخ ازدياده ومكانه، والأسماء العائلية والشخصية لوالديه وأجداده.

    إن المطلوب أن تُخَفَّفَ خانات الاستمارة الإلكترونية، بالإبقاء على المعطيات الشخصية التي يمكن أن يلحقها التعديل، وهو ما من شأنه أن يُبَسِّط هذه الخدمة ويشجع المرتفقين على استعمالها.

    خاتمة


    إن إثارة الملاحظات السابقة، هي بدافع التجويد والتحسين، ولا تمس بالمكتسبات القانونية والتدبيرية لمنظومة البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية التي تشرف عليها المديرية العامة للأمن الوطني. وقد عملت هذه المديرية جهدا مقدرا من أجل التحول الرقمي للعديد من الخدمات التي تعود إليها، ومن ضمنها خدمة بطاقة السوابق، وخدمة الإبلاغ الإلكتروني عن المحتوى غير المشروع على الأنترنيت.

    إن الفاعلين العموميين مدعوون إلى استقصاء ملاحظات مستعملي الخدمات العمومية الرقمية، وتثمينها بما يسهم في تنمية استعمال هذه الخدمات، وتعزيز ثقة المرتفقين في المرفق العام الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News