اقتصاد

مقاهي “الخدمة الذاتية”.. ظاهرة اقتصادية تهدد آلاف مناصب الشغل

مقاهي “الخدمة الذاتية”.. ظاهرة اقتصادية تهدد آلاف مناصب الشغل

في بلد حيث تضرب البطالة أطنابها وتكابد الحكومة لجلب الاستثمارات الخلاقة لفرص الشغل، تنبت وتتناسل ظواهر اقتصادية، مبتكَرة في شكلها، لكنها ضارة بأرقام التشغيل، جاعلة المُعضلة تدور في حلقة مُفرغة من خلق وظائف وفقدان أخرى مثل داء زئبقي مراوغ. واحدة من هذه الظواهر: “مقاهي الخدمة الذاتية” أو (Self service) التي تنازلت عن تشغيل النوادل وحولت الزبون إلى نادل لنفسه.

مهنة النادل من أكثرها انتشاراً بالمغرب، رغم دخلها المحدود، تعد ملاذاً للعديد من الشباب الباحث عن سد الرمق، ولو مؤقتاً. وإذا أتقنها المُمارس وتفنن فيها قد تتحول إلى كنز من العلاقات الاجتماعية، عادة ما تُترجم إلى مداخيل مُعتبرة على شكل “إكراميات”، يقدمها الزبون بعد احتساء قهوته علاوة على ثمنها، لقاء الخدمة المُتقنة والابتسامة وحسن المعاملة من طرف النادل.

درهم من هنا ودرهمان من هناك، ولا بأس في “زبون بخيل” بين الفينة والأخرى، المهم أن يعثر النادل في نهاية يوم عمل متعب على بضع عشرات من الدراهم فوق ثمن المشروبات، الذي يذهب مباشرة لخزينة “الباطرون”. وفي بعض المقاهي “الراقية” بعين الذئاب أو المعاريف أو غيرهما من “الأحياء الأوروبية” بالعاصمة الاقتصادية، قد يصل كرم الزبائن إلى 5 دراهم وأكثر.

بهذه الثقافة المغربية السخية في التعامل مع المقاهي، يُحسّن النوادل مداخيلهم، ولا ينتابهم القهر إثر توصلهم نهاية الأسبوع أو الشهر بذلك الراتب الهزيل الذي لم يعد يكفي حتى للمأكل والمشرب في زمن لهيب الأسعار هذا، وتجعل من هذه المهنة المضنية منقذاً للكثيرين من براثن البطالة والحاجة، دون الحاجة لتكوين علمي كبير.

لكن الرأسمالية قلّما تكون صديقة للكادحين. فالعلاقة بين انتشار المقاهي وخلق فرص الشغل شرعت تفقد تلقائيتها؛ إذ ظهرت في الآونة الأخيرة بالدار البيضاء مقاه حديثة جعلت من الزبون نادلاً مجانياً يخدم نفسه بنفسه، وليحتفظ ببقشيشه وإكرامياته في جيبه، أو لعله يدفعها ضمنياً في ثمن القهوة المرتفع قياساً بالمقاهي الاعتيادية.

“مقاهي الخدمة الذاتية، أو (Self service)، عبارة عن فكرة جديدة مستوردة من الولايات المتحدة الأمريكية، تعيد ابتكار تجربة المقهى وتجعل الزبون يَدفع لقاء خدمات أخرى أهم وذات قيمة مضافة أعلى من مجرد (السُّخرة) أو التوسط بينه وبين مشروبه”، يقول س.م، وهو صاحب مقهى من هذا النوع يتواجد على مستوى شارع “عبد المومن” بمدينة الدار البيضاء.

داخل المقهى يشتغل أجيران فقط خلف (الكونتوار) لإعداد طلبيات الزبائن، التي لا تقتصر على القهوة فقط، بل تشمل العديد من المشروبات المُستجدة (موخيطو، تيراميسو، ميلك تشيك…)، إضافة إلى بعض المشروبات الغازية ذات العلامات التجارية الغريبة عن موائد المغاربة، وبعض أنواع الكعكة والحلويات الغربية أيضاً.

يطلب الزبون ما يشاء، ويكون عليه الدفع في الحين وقبل استهلاك طلبيته؛ انتهى عهد الدفع بعد الاستهلاك، أو تغيير المشروب في آخر لحظة، أو الاحتجاج على جودته للحصول على مشروب ثانٍ… بات المشروب مسؤولية الزبون وحده دون سواه، بوسعه شربه أو سقي النباتات بواسطته، لا شأن للمقهى طالما يدفع ثمنه.

يستلم الزبون تذكرة تثبت أداءه ثمن المشروب، حينها فقط يُمكنه التوجه إلى أحد المقاعد الشاغرة ليرتاح في انتظار تجهيز طلبه، وحينَ يجهز يكتفي “البارمان” بوضعه على منضدة الكونتوار ودق جرس صغير مؤشراً له للمجيء واستلامه. هنا ينتهي دور المقهى، فإذا حدث للزبون سهو أو انغمس في محادثة هاتفية فتأخر عن مشروبه، فتلك مشكلته، والمسؤولية تقع عليه دون سواه إن برد أو فسد المشروب.

ولأن هذه المنشآت غريبة عن “ثقافة القهوة” المغربية، فلا بد لها من عوامل جذب تمنح الزبناء أسباباً وجيهة لتفضيلها على المقاهي الكلاسيكية، والحقيقة أنها لا تعدمها إطلاقاً؛ “مقاهينا توفر للزبون الإنترنت بالألياف البصرية وبصبيب مرتفع وسرعة كبيرة، كما أنها مجهزة بعدد كبير من مقابس الكهرباء والكراسي المريحة على شكل أرائك، للراغبين في العمل أو المذاكرة للامتحانات أو حتى المطالعة بهدوء…” يضيف المتحدث ذاته.

الظواهر الاجتماعية تواكب بعضها البعض، فهذا النوع من المقاهي لم يكن ليجد لنفسه موطئ قدم على تربة مغربية لولا انتشار ظاهرة “العمل عن بعد”، التي تدفع العديد من الأجراء للبحث عن مقاه هادئة تخلو من الضوضاء ومباريات كرة القدم والسجالات الصاخبة بين رواد المقاهي التقليدية، وحيث يمنع التدخين ويُسمح باستخدام الإنترنت والكهرباء بلا حدود.

لا تراهن هذه الفضاءات الحديثة على الخدمات المذكورة فقط، بل على ما يعرف في علم الاقتصاد بـ”Effet de snobisme” كذلك، وهو مفهوم اقتصادي يقوم على حالة نفسية يزداد بسببها الطلب على منتج ما كلما ارتفع سعره، لكون الاستفادة من خدمات رفيعة الثمن يؤشر على الوضع المادي والاعتباري الرفيع للزبون أيضاً.

المقاهي المذكورة تدرك ذلك تماماً، ولأجل ذلك يتم بداخلها تشغيل موسيقى غربية، هادئة أحيانا وصاخبة في أحيان أخرى، مع تزيين الجدران بلوحات تحاكي المتاحف الأوروبية، وأخرى كُتبت عليها عبارات بالإنجليزية أو الفرنسية في تنمية الذات وفن العيش وصناعة السعادة.

يمكن للنوادل، أو الباحثين عن عمل في المقاهي، أن يتنفسوا الصعداء مؤقتاً. فالظاهرة ما تزال اليوم محدودة، ولا تكاد تعثر عليها في الأحياء الشعبية ونصف الشعبية. زبناء هذه المقاهي أجراء يملكون ترف العمل عن بعد، وأطباء مستقبليون يدرسون في كليات الطب والصيدلة، ومقاولون يحتاجون بعض الهدوء لإبرام صفقات مربحة… عناصر تجعل هذا النوع من المقاهي يتمركز في محاور “راقية” بالعاصمة الاقتصادية.

غير أنها، وكعادة الظواهر المستجدة، مرشحة للانتشار أكثر في السنوات القليلة المقبلة، أو لعلها تتعمم، فمصيرها محكوم فقط بالتحولات الاجتماعية التي تعرفها البلاد.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News