مجتمع

اعمارة: سلوكات غير مدنية تُهدد المجتمع ومونديال 2030 فرصة لتخليق الفضاء العام

اعمارة: سلوكات غير مدنية تُهدد المجتمع ومونديال 2030 فرصة لتخليق الفضاء العام

قال رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، إن واقع حال الفضاء العمومي بالمغرب يُبرز، في عدد من الحالات، استمرار بعض مظاهر السلوك غير المدني، من خلال ممارسات لا تنسجم مع الرصيد القيمي للمغاربة، ولا مع متطلبات التساكن الاجتماعي والعيش المشترك، مشيراً إلى أن نهائيات كأس العالم 2030، التي ستنظمها المملكة المغربية بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة سانحة لجعل السلوك المدني عنصراً أساسياً ضمن التحضيرات الوطنية لهذا الحدث الدولي الهام وإعادة الاعتبار وتخليق الفضاء العام.

وأورد اعمارة، في الكلمة التي ألقاها ضمن أشغال لقاء تواصلي لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”، أن هذه السلوكات غير المدنية تتجسد في أشكال متعددة، تشمل الإخلال بالنظافة العامة، وإتلاف التجهيزات العمومية، فضلاً عن بعض السلوكات الخطيرة أحيانا في استعمال الطريق، بما يعكس تفاوتاً في مستويات تملُّك قواعد التعايش والسلامة.

موروث حضاري مهدد 

وأكد عبد القادر أعمارة أن الفضاء العمومي يشكل إطاراً مشتركاً للعيش يتقاسمه المواطنات والمواطنون، وتتجسد داخله التفاعلات الاجتماعية والممارسات اليومية للحياة الجماعية، مبرزا أن السلوكيات المدنية تتجلى من خلال تلازم الحقوق والواجبات الفردية والجماعية، واحترام القواعد المشتركة في استعمالات هذه الفضاءات، فضلاً عن التشبث بقيم المواطنة الفاعلة.

وأضاف رئيس المجلس، في اللقاء التنواصلي ذاته، أن المغرب يتوفر على موروث حضاري متجذر من الفضائل الدينية والقيم السامية التي تُعْلي مِنْ شأن التضامن والاحترام المتبادل والصالح العام، مشيراً إلى أن هذا الموروث تجسد في محطات عديدة من تاريخ المغرب، ولا يزال يتجلى إلى اليوم، لا سيما من خلال حملات التضامن والتعبئة المواطِنة في مواجهة الأزمات، بما يعكس قدرة قوية على الالتزام الجماعي، والتماسك الاجتماعي، وحس المسؤولية، والسلوك المدني.

غير أن الوقوف على واقع حال الفضاء العمومي، وفق اعمارة، يُبرز، في عدد من الحالات، استمرار بعض مظاهر السلوك غير المدني، من خلال ممارسات لا تنسجم مع هذا الرصيد القيمي، ولا مع متطلبات التساكن الاجتماعي والعيش المشترك. وتتخذ هذه السلوكات أشكالاً متعددة، تشمل الإخلال بالنظافة العامة، وإتلاف التجهيزات العمومية، فضلاً عن بعض السلوكات الخطيرة أحيانا في استعمال الطريق، بما يعكس تفاوتاً في مستويات تملُّك قواعد التعايش والسلامة.

الحاجة لمبادرات رسمية منسقة

وكشف رئيس “المجلس الاقتصادي” أنه في ضوء هذه المعطيات، تم إطلاق مجموعة من المبادرات العمومية بهدف تعزيز ترسيخ السلوك المدني، من خلال تعبئة المنظومة التربوية ووسائل الإعلام العمومية، إلى جانب آليات للتوعية الدينية والمواطنة، وكذا برامج لإعادة الإدماج.

وتابع أن هذه التدخلات العمومية، التي تظل في الغالب ذات طابع قطاعي وغير منسق، لا تساهم على الوجه الأمثل في ترسيخ مستدام للسلوكات المدنية كما يقتضيها الحس السليم والالتزام المُواطن، وهو ما يستدعي فهماً أعمق للمحددات البنيوية للسلوكات غير المدنية.

وتعكس هذه المحددات، وفق المتحدث ذاته، تحولات متسارعة في مسارات التنشئة الاجتماعية، التي باتت تتسم بتعدد مصادر التأثير، ولا سيما تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يسهم في إعادة تشكيل المرجعيات وأنماط السلوك الفردي والجماعي. كما ترتبط أيضاً بأشكال الهشاشة الاجتماعية والمجالية، لا سيما التفاوتات في الولوج إلى الخدمات وفرص الإدماج الاجتماعي. ويُضاف إلى ذلك عوامل مؤسساتية تتصل بمدى تفعيل القواعد المعيارية المشتركة، وكذا بفعالية آليات تدبير القرب.

مونديال 2030 بوصلة تقويم السلوك المدني

وأورد اعمارة أنه استناداً إلى الخلاصات المنبثقة عن جلسات الإنصات لمختلف الأطراف المعنية ونتائج البحث الميداني الذي أنجزه المجلس، فإن الغاية تتمثل في إعادة الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره ملكاً مشتركاً، عبر تحسين جودته وتيسير الولوج إليه، والارتقاء باستعمالاته، بما يجعله إطارا محفِّزا لترسيخ السلوكات المدنية بشكل مستدام.

واعتبر المصدر ذاته أن نهائيات كأس العالم 2030، التي ستنظمها المملكة المغربية بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة سانحة لتسريع هذا المسار، عبر جعل السلوك المدني عنصراً أساسياً ضمن التحضيرات الوطنية لهذا الحدث الدولي الهام.

ويرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن ترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية وينبغي أن يرتكز على ثلاث رافعات مترابطة بشكل وثيق وهي تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين وتوطيد مبدأ “القدوة الحسنة” في التدبير لدى المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص وتعزيز التطبيق الصارم للقواعد المنظمة للفضاءات العمومية.

ميثاق وطني للسلوك المدني

واقترح المجلس إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يرتكز على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك في الفضاءات العمومية، ويعتمد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الأطراف المعنية، مع الحرص على تنزيله على المستويين الوطني والترابي.

وأوصى المجلس بدراسة إمكانية توسيع نطاق تدخل مؤسسة “المغرب 2030” لتساهم في تنزيل المشروع الوطني المقترح، بمعية مختلف الفاعلين والشركاء المعنيين، لا سيما المجتمع المدني، للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، باعتباره محوراً رئيسياً في التحضيرات لكأس العالم 2030.

ودعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى ضمان التفعيل الصارم، ووفق مساطر مبسطة، للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالمخالفات والجنح التي تمس بالنظام العام والسكينة العمومية، مع الحرص على إعمال مقتضيات قانون العقوبات البديلة وإرساء إطار معياري موحد للعقوبات الإدارية المرتبطة بالإخلال بالسلوك المدني في الفضاء العمومي، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية، وتدرج ضمنه بدائل تربوية وإصلاحية بديلة، مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو الدورات التكوينية.

واقترح أيضا إعداد وتنفيذ مدونة وطنية للسلوك المدني في المرافق العمومية، في انسجام مع مقتضيات القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية. على أن تهدف هذه المدونة إلى تحديد مسؤوليات الموظف العمومي والمرتفق في علاقتهما بالمرفق العمومي والحفاظ عليه، وتحديد معايير الجودة في استقبال المرتفقين ومعاملتهم وتقديم الخدمات لهم، مع الحرص على أن تتحمل المرافق العمومية مسؤولية أساسية في إعمال مبدأ “القدوة الحسنة” السلوك المدني، من خلال التزام المسؤولين والموظفين بممارسات نموذجية تعكس روح القانون ومقتضياته ومعايير الحكامة الجيدة.

ودعا المجلس إلى إدراج أنشطة تربوية، بشكل صريح وواضح، ضمن الإطار المرجعي للمنهاج والبرامج والمقررات الدراسية، ابتداءً من مرحلة التعليم الأولي وعلى امتداد مختلف مكونات ومستويات منظومة التربية والتكوين، بهدف تنمية السلوكيات المدنية وتعزيز التملك التدريجي للقيم التي تقوم عليها، مع ضمان تفعيلها بشكل فعلي من خلال مقاربات بيداغوجية ملائمة، ولا سيما عبر تعزيز الأنشطة الموازية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News