انتقادات برلمانية تكشف اختلالات السياسة الدوائية وتدعو لإصلاح شامل

دعا عدد من النواب البرلمانيين، خلال المناقشة العامة لمشروع القانون رقم 27.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، إلى مراجعة شاملة وجريئة للسياسة الدوائية الوطنية، معتبرين أن التعديلات المقترحة، رغم أهميتها التقنية والتنظيمية، “لا يمكن أن تعوض الحاجة إلى إصلاح عميق للمنظومة الدوائية”.
ووفق ما ورد في التقرير البرلماني الصادر عن لجنة القطاعات الاجتماعية، الذي اطلعت عليه جريدة “مدار21”، فقد شددت عدة مداخلات على أن الرهان الحقيقي “ليس فقط في تعديل بعض المواد القانونية، بل في بناء منظومة دوائية وطنية قوية ومندمجة قادرة على تأمين حاجيات المغاربة من الدواء، وفي الوقت نفسه قادرة على جعل “صنع في المغرب” علامة تنافسية في الأسواق الدولية”.
وركزت الانتقادات البرلمانية بشكل لافت على استمرار ارتفاع أسعار الأدوية بالمغرب، حيث أشار النواب إلى أن هذا الملف “يثير مقارنات مع دول مجاورة، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المستعصية كالسرطان والأمراض المزمنة”، مؤكدين أن المغرب “مدعو إلى سن سياسة دوائية تراعي القدرة الشرائية للمواطن وتشجع الصناعة الوطنية باعتبارها دعامة أساسية”.
كما نبهت المداخلات إلى الأوضاع الصعبة التي يعيشها قطاع الصيدلة، معتبرة أن عددا مهما من الصيدليات “يعاني اختلالات مالية وضغوطا اقتصادية وبعضها مهدد بالإغلاق”، خصوصا في ظل “ارتفاع تكاليف التسيير وضغط المنافسة والتحولات الرقمية المتسارعة وتأخر أداء بعض المستحقات المرتبطة بأنظمة التأمين الصحي”.
وانتقد برلمانيون ما وصفوه بغياب التوزيع المتوازن للصيدليات على المستوى الوطني، خاصة بالعالم القروي، معتبرين أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على الولوج العادل إلى الدواء والخدمات الصحية، في وقت يفترض فيه أن يواكب الإصلاح الدوائي ورش الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة.
وفي السياق ذاته، اعتبرت مداخلات برلمانية أن قطاع الدواء “يعرف إشكالات كبيرة تحتاج إلى تفكير أعمق”، مشيرة إلى أن الرهان لا يقتصر فقط على حصول الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية على تصنيف منظمة الصحة العالمية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان ولوج المواطنين إلى الأدوية “بأسعار معقولة وبالجودة المطلوبة”.
وأضافت المداخلات أن مشروع القانون لا يجيب عن “الأسئلة الحقيقية في قطاع الأدوية”، خاصة ما يرتبط بالاختلالات الموجودة على مستوى التشريع والآليات، وعلى رأسها “الصفقات العمومية والاحتكار والتراخيص”.
وفي ما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي للأدوية، انتقد نواب “عدم احترام الآجال”، مستحضرين في هذا الصدد تقارير وطنية صادرة عن مؤسسات دستورية، من بينها المجلس الأعلى للحسابات، والتي سجلت عددا من الاختلالات المرتبطة بهذا الورش، إلى جانب إشكالات أخرى تتعلق بتهريب الأدوية وصعوبة التعويض عن بعض العلاجات الباهظة الثمن.
وأشار النواب إلى أن عددا من صناديق التغطية الصحية “ترفض التعويض عن بعض الأدوية المكلفة بدعوى عدم إدراجها ضمن اللائحة المعتمدة”، محذرين من التناقضات التي تطرحها المادة 114 من مدونة التغطية الصحية الأساسية، ومطالبين بمعالجتها في إطار إصلاح شامل للمنظومة.
وفي مقابل هذه الانتقادات، شددت عدة تدخلات على أن المشروع، رغم طابعه التقني، يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز اليقظة الدوائية ومراقبة جودة المنتجات الصحية، من خلال إحداث “نظام وطني لليقظة الدوائية” لرصد الآثار غير المرغوب فيها للأدوية، إضافة إلى منح إمكانية “إذن بالوضع في السوق مشروط” في حالات الطوارئ الصحية.
كما دعت مداخلات أخرى إلى تمكين الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية من صلاحيات رقابية صارمة تشمل محاربة الأدوية المزيفة، وضبط مسارات توزيع الدواء، واسترداد الحصص غير المطابقة للمعايير، بما يضمن “تدبيرا عقلانيا ومهنيا للمخزونات الدوائية”.
وسجلت عدة مداخلات على مستوى الحكامة ضرورة تحديث الإطار القانوني وملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، إلى جانب تقوية دور الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية وفق الصلاحيات الممنوحة لها، معتبرة أن ذلك من شأنه معالجة عدد من الاختلالات البنيوية التي يعرفها قطاع الأدوية، مع الدعوة إلى اعتماد سياسة دوائية ناجعة تجعل من الدواء “أولوية اجتماعية”، باعتبار أن الأمن الدوائي “جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب”.





