الهويّة وأقنعتها في جدل “بوجلود”: من يكسب حق تعريف المغرب؟

أتابع الجدل المتجدد حول مهرجان “بوجلود” بالمغرب، ولأنني تعلمت من سنوات تكويني الجامعي في الأنثربولوجيا أن أتوخّى الفهم أولاً قبل الحُكم على أي ظاهرة اجتماعية، فكل تدوينة، وكل شريط، وكل تعليق على صفحات التواصل الاجتماعي يشد انتباهي، كأن الظاهرة في كليتها متوقفة عليه.
ذلك لأني أفهم أن التصورات والمعاني التي يعطيها الفاعلون الاجتماعيون للظواهر، ولنشاطهم الاجتماعي، مهما بدت “سخيفة” و”واهمة” و”لا معقولة”، قد أثبتت، في غير قليل من المناسبات، أنها ذات قوة فاعلة لا تقل تأثيراً عن الحقيقة الموضوعية المحضة. ولذلك فإن تفاعل المغاربة مع مهرجان بوجلود هذه الأيام، لا يخلو من دلالات على المناخ الثقافي والسياسي السائد في البلاد.
حضرت “بوجلود” في قرية إمليل بالحوز منذ بضع سنوات، ولم أرَ هناك سوى حفلة تنكرية بسيطة تُخرج شباب القرية للهو والرقص والغناء، وتمنحهم ملاذاً ترفيهيا من ضنك الحياة اليومية. كان المُقنَّعون يمتهنون، من بين أمور أخرى، نوعاً من “التسول المقنع” أيضاً، إذ يقبلون أي هدية نقدية كانت من المشاركين بحبور، ويتقربون من الأكثر كرماً بينهم، ويخصونهم بمعاملة استثنائية، فلا يجلدونهم بالسوط ولا يطاردونهم…
لا أطمح في هذا المقال لتأويل الظاهرة في حد ذاتها، فأنا لم أعاينها عن قرب لمدة كافية من الزمن، ولستُ متسلحاً نظرياً لأسبر أغوارها أكثر مما فعل عبد الله حمودي في “الأضحية وأقنعتها”. ما سأحاول فعله هو الحفر في المعاني الجديدة التي أصبح المهرجان السنوي يكتسي بها، خصوصاً في صفوف من لا يشاركون فيه، ويحاكمونه عن بعد، وهي معانٍ أزعم أنها مُتأثرة بالمناخ الثقافي والسياسي في البلاد، وحتى بما يجري من حولها.
دعونا نبدأ بوصف ردود أفعال “المعترضين” على بوجلود؛ يُمكن ملاحظة أنها لا تخرج عن ثلاثة مسوغّات كبرى؛ الأول ذو طبيعة جمالية، فالألبسة التي تُرتدى خلال المهرجان، والمكونة من جلود الماعز والخراف المنحورة خلال عيد الأضحى، خاصة في شكله التقليدي دون إضافات عصرية، قد تُوصف بالقبيحة، انطلاقاً من معايير الموضة العصرية.
أما الثاني فهو اعتراض ذو طابع جندري، إذ يرى بعض المُعلقين على المنصات الاجتماعية أن بعض “الانحرافات” و”البِدع” المستحدثة في المهرجان، على غرار استخدام الماكياج وارتداء الشعور المستعارة المسبلة، “تؤنّث” أو “تخنِّث” الذكور المشاركين وتطمس رجولتهم.
وأما الانتقاد الثالث، وهو الأكثر شيوعاً، فمتعلق بالطبيعة “الشِركية” لهذا المهرجان، وما ينطوي عليه من ممارسات وطقوس ورموز تحيل على الجن، وعلى الأرواح والآلهة الوثنية، وغير ذلك من الأنماط الدينية التي شجبها الإسلام.
الحقيقة أن هذا التوصيف، أي “الشِرك”، ذو دلالة قدحية، ويُعتبر، بمنطق العلوم الاجتماعية، حكم قيمة، لكنه لا يخلو من بعض الصواب، إذا عرّفنا الشرك بكونه “إشراك آلهة أو كيانات مقدسة أخرى العبودية مع الله الواحد”، وهو تعريف ينطبق تماماً على الأديان الوثنية التي تتميز بتعدد الآلهة والاعتقاد في الأرواح…
ويمكن تعزيز هذا الطرح بما أورده إدوارد فيسترمارك، وهو عالم أنثربولوجيا فنلندي عاش في المغرب بضع سنوات ودرس طقوس شعبه ومعتقداته في مستهل القرن العشرين، إذ شدد في كتابه “البقايا الوثنية في الحضارة المحمدية” (Pagan survivals in Mohammedan civilisation) على أن التديّن الممارس في المغرب يختلف كثيراً عن الدين الرسمي المدوَّن في الكتاب والسنة والتفاسير…، مُبرزاً أن المغاربة يُمارسون خليطاً من الطقوس والمعتقدات التوحيدية الإسلامية، لا تخلو من بقايا وثنية من حقب ما قبل الإسلام، والتي يتداخل فيها الدين والسحر.
من جملة ما يمكن استنتاجه من أطروحة فيسترمارك هذه، أن الشخصية الدينية والثقافية المغربية هي شخصية مُتعددة الأبعاد، هجينة الثقافات، بها طبقات متعددة قد تكون غير منسجمة لكنها متعايشة، وبالتالي فهي لا تقتصر على المُكوّن الإسلامي فحسب، رغم كونه مهيمناً عليها ويحتل طبقة عُليا.
من هذا المنظور، يُمكننا افتراض كون الصراع حول مشروعية بوجلود اليوم يُعد تعبيراً اجتماعياً عن هذا التوتر الثقافي بين مفاهيم متضاربة ظلت متعايشة إلى غاية اليوم، لكنها تنحو شيئاً فشيئاً نحو الاستقلال بذاتها والبروز وطرح أجوبتها الخاصة عن أسئلة كبرى متعلقة بالهوية، وبالنقطة التي يفترض أن ينطلق منها تاريخ المغرب، وبشأن مكانة الدين في الفسيفساء الثقافية المغربية، وحول “حدود الثقافة”، وهل يمكن اعتبارها كياناً ثابتاً أم متحولاً بفعل الزمن؟
فجزء من مناهضي المهرجان مُتخوفون ضِمنياً من هذه الأسئلة المتعبة، التي تُعرّض “الحتمية الثقافية” المريحة التي يؤمنون بها لهزة عنيفة، وهي التي تقوم على انتساب المجتمع المغربي لهويته الدينية الإسلامية، وذلك في حال انتشار المظاهر الثقافية غير الإسلامية، وقبولها على نطاق واسع، ومزاحمتها إياها، إذ لا نغفل أن بوجلود يتزامن مع شعائر عيد الأضحى في تجلٍ واضح للتعايش المُتوتر.
(الخطر) على هذا “اليقين الثقافي” كبير لصعوبة نقد هذا النوع من المظاهر غير الإسلامية باعتبارها غريبة أو وافدة من الخارج أو مبتدعة… كما يحدث عادة حين يتعلق الأمر بالثقافات الغربية المُعولمة مثلاً، ذلك أن الأولى تتمتع بحصانة تاريخية وبمشروعية العراقة؛ “مارس أجدادنا بوجلود قبل وصول العرب المسلمين من الصحراء”، يقول أحد المعلّقين بشراسة، فيحصد عشرات التفاعلات المؤيدة.
يصبح الأمر أوضح فعلاً حين نتجه ناحية المنافحين عن المهرجان الذي، وبعدما ظل هامشياً وشِبه مُهمل في القرى النائية لقرون طويلة، أصبح يتخذ زخماً متزايداً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً لا فقط بالرغبة في الحفاظ على الموروث الثقافي، بل أيضاً برفض ضمني لمبدأ الثقافة الواحدة، وللهيمنة والحتمية واليقين الثقافي.
المهرجان لم يعد في خارطة أنصاره الفكرية مجرد فرجة شعبية، أو ظاهرة فنية بريئة من الإديولوجيا ومن التدافع الفكري والسياسي، بل بات يُستثمر كشكل احتجاجي مُخاتل ضد الهيمنة الثقافية، ومناسبة سنوية لتمرير رسائل مفادها بأن “الثقافة الإسلامية لا تعني كل المغاربة”، أو على الأقل أنها “جُزء لا كل” من نسيج ثقافي مُتنوع تحضر فيه مكونات أخرى، أو أن هنالك مغاربة يحتل عندهم الإسلام مرتبة ثانوية لا تؤهله لمنعهم من استحضار تاريخ عريق سابق له.
يكف بذلك الجدل حول “بوجلود” عن كونه مجرد اختلاف ذوقي أو نقاش فني أو حتى ديني حول الحرام والحلال في مظاهر فرجة شعبية، بل يُصبح واجهة للتداول بشأن أسئلة أكبر متعلقة بالهوية، والتاريخ، والثقافة، ومعتركاً، من بين معتركات أخرى، للتباري والتنافس حول من يَملك حق تعريف الهوية المغربية، والإجابة عن سؤال “من أين يبدأ تاريخ المملكة؟”، و”ما مكانة الدين ضمن الخارطة الثقافية للمغاربة؟”.





