القضاء يكرس مسؤولية شركة الطرق السيارة في تأمينها من حوادث تسلل الحيوانات

تتواصل معاناة مستعملي الطرق السيارة المغربية مع مخاطر تسلل الحيوانات الضالة إليها وتسببها في حوادث سير خطيرة، وأضرار مادية وبشرية جسيمة تهدد سلامة مستخدمي الطريق. ورغم أن الشركة ما فتئت تسعى للتنصل من مسؤولية تأمين الطرق السيارة ضد تسلل الحيوانات الضالة، إلا أن للقضاء رأياً مختلفاً، يشهد عليه حكم حديث عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش.
وفي الوقائع، وبناء على مقال الاستئناف المرفوع بتاريخ 2024/10/03 من طرف الشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب، كانت المحكمة الإدارية بمراكش قضت بأداء الشركة لفائدة المدعي تعويضا إجماليا قدره 19000 درهم مع الصائر.
ويستفاد من وثائق الملف أن المدعي تقدم بمقاله الافتتاحي الذي عرض بموجبه أنه عندما كان يسوق سيارته على مستوى الطريق السيار مراكش/أكادير، فوجئ بخروج كلب ضال يعبر الطريق، مما أدى إلى الاصطدام به، رغم قيامه بمحاولات لتفاديه، مما ألحق بسيارته خسائر مادية حسب الفاتورة المدلى بها.
كما أن المدعي اضطر لكراء سيارة أخرى قصد القيام بأغراضه والتزاماته، ملتمسا الحكم على الشركة المدعى عليها بأدائها لفائدته تعويضا قدره 37 ألف و560 درهم ومع تحميل المدعى عليهم الصائر.
وبعد جواب الأطراف والتعقيب وإجراء خبرة وانتهاء الإجراءات، صدر الحكم المشار إلى منطوقه أعلاه، فاستأنفته الشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب استنادا لما اعتبرته خرقاً للقانون، متمثل في خرق مقتضيات الفصلين 404 و440 من قانون الالتزامات والعقود لاعتماد المحكمة على مجرد صور شمسية للقول بثبوت مسؤوليتها، وعلى محضر الضابطة القضائية رغم أنه لا يشكل وسيلة من وسائل الإثبات التي حددها المشرع حصرا في الفصل 404 المذكور.
كما تعللت الشركة بخرق مقتضيات المادة 6 من القانون رقم 4.89 المتعلق بالطرق السيارة والمادة 92 من مدونة السير لاستبعاد المحكمة مسؤولية المستأنف عليه، رغم أنه ملزم باحترام مقتضيات قانون السير والقانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير، والتي تلزمه باتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لتفادي أي خطر يمكن أن يباغته أثناء السياقة.
كما تحججت الشركة بفساد التعليل، لعدم صدور أي خطأ عنها وانعدام مسؤوليتها، ذلك أن عملها في إطار عقد الامتياز الممنوح لها من الدولة، وكذا القوانين المنظمة للطرق السيارة، لا يتضمن ما يلزمها بوضع سياج وحواجز على الطريق السيار، إضافة لعدم موضوعية الخبرة، لانجاز الخبير مهمته دون معاينة السيارة.
والتمست الشركة إلغاء الحكم المستأنف، وتصديا الحكم بعدم قبول الدعوى لانعدام الإثبات ورفض الطلب في الموضوع، واحتياطيا التصريح بإحلال شركة التأمين محلها في الأداء عند الاقتضاء.
وبعد المداولة طبقا للقانون، اعتبرت المحكمة أن المستأنفة لم تنازع في مدى صحة وسلامة مضمون الوثائق المدلى بنسخ منها في المرحلة الابتدائية مما يجعلها منتجة في الإثبات؛ فضلا على أن الحادثة موضوع دعوى التعويض تعتبر واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات الممكنة قانونا، بما في ذلك محضر البحث التمهيدي المنجز من طرف الدرك الملكي مما يتعين معه استبعاد ما ورد في الشق الأول من سبب الاستئناف لعدم جديته.
وبالنسبة للشق الثاني، اعتبرت المحكمة أن الثابت من خلال اطلاعها على كافة وثائق القضية، خاصة محضر البحث التمهيدي المنجز من طرف الدرك الملكي، أن سيارة المستأنف عليه تعرضت لحادث اصطدام بحيوان، وما دام أن الشركة المستأنفة تتحكم في الولوج للطريق السيار، ومعهود لها بمسؤولية تدبيره وصيانته، باعتباره من الواجبات القانونية الملقاة على عاتق الجهة التي تتولى امتياز تسيير طريق عمومي، وما يقتضيه الالتزام من تأمين سلامة مستعمليه واتخاذ الاحتياطات الضرورية لمنع دخول الحيوانات إليه.
وبالتالي ارتأت المحكمة عدم إمكانية الدفع بالمسؤولية الكاملة، ولا تعفى منها ولو بشكل جزئي، في هذه الحالة، إلا بإثبات القيام بما يفرضه واجب الصيانة والرقابة، وفقا لما سار عليه الاجتهاد القضائي على مستوى محكمة النقض ومؤداه: “إن من أهم واجبات الشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب هي صيانة المنشئات العمومية بمقتضى عقد الامتياز، وأن عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي ولوج الحيوانات من طرف الشركة المذكورة يثير مسؤوليتها عن الأضرار الناتجة عنه طبقا للفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود”.
أما بخصوص طلب المستأنفة الرامي لإحلال شركة التأمين محلها في الأداء، فهو غير مشفوع بما يفيد الضمان وقيام علاقة التأمين، مما يكون مردودا، ووفقه يتعين تأييد الحكم المستأنف، وفقا لمحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش.
ولهذه الأسباب قضت محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش علنيا انتهائيا وحضوريا في الشكل بقبول الاستئناف، وفي الموضوع تأييد الحكم المستأنف.





