أمن وعدالة

رقمنة التقاضي وتوحيد الاجتهاد.. عبد النباوي يكشف تفاصيل تنزيل المسطرة المدنية

رقمنة التقاضي وتوحيد الاجتهاد.. عبد النباوي يكشف تفاصيل تنزيل المسطرة المدنية

تستعد المحاكم المغربية لدخول مرحلة جديدة من العمل القضائي مع اقتراب دخول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ في 24 غشت المقبل، بعدما وجه الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، دورية إلى مختلف محاكم المملكة تشرح أهم المستجدات التي جاء بها النص الجديد، وتحدد فلسفته وأهدافه، في إطار التحضير لتفعيل أحد أكبر الإصلاحات الإجرائية التي عرفها القضاء المغربي خلال العقود الأخيرة.

وتبرز الدورية أن القانون الجديد لا يقتصر على تعديل بعض الإجراءات، بل يؤسس لتحول عميق في تدبير المنازعات المدنية، من خلال مراجعة المبادئ العامة للتقاضي، وإعادة تنظيم الاختصاصات القضائية، وتوسيع الاعتماد على الرقمنة، وإعادة هيكلة مساطر التبليغ والتنفيذ والطعون، مع تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتسريع البت في القضايا.

وأوضحت الدورية أن الظهير الشريف رقم 1.26.07 القاضي بتنفيذ القانون رقم 58.25 نُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2026، على أن يدخل القانون حيز التنفيذ بعد مرور ستة أشهر، أي في 24 غشت 2026، وفقا للمادة 643 منه.

وأكدت أن هذا الإصلاح يندرج ضمن مسلسل تحديث المنظومة القانونية الوطنية، والرفع من نجاعة أداء المحاكم، وتحسين جودة الخدمات القضائية، وتيسير الولوج إلى العدالة، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتحقيق العدالة الإجرائية، وتسريع تنفيذ المقررات القضائية.

ومن أبرز ما توقف عنده المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تكريس القانون الجديد للمبادئ الدستورية المؤطرة للتقاضي، إذ ألزم القضاة بممارسة مهامهم باستقلال وتجرد ونزاهة، مع ضمان مساواة جميع الأشخاص، بمن فيهم السلطات العمومية، أمام القضاء.

كما منع القاضي، تحت طائلة البطلان، من النظر في قضية سبق أن أبدى فيها رأيا أو ترافع بشأنها أو شهد فيها أو شارك في إصدار القرار المطعون فيه، بما يعزز حياد القضاء ويكرس الثقة في الأحكام القضائية.

وأكد القانون أيضا ضرورة إصدار الأحكام داخل أجل معقول، ووجوب استدعاء جميع الأطراف قانونا وتمكينهم من ممارسة حقوق الدفاع قبل إصدار أي حكم، إضافة إلى منح المحكمة صلاحية الترخيص للقاصر المميز الذي لا يتوفر على نائب شرعي بالتقاضي إذا كانت له مصلحة ظاهرة، مع التنصيص لأول مرة على مسطرة الإقرار بالمستند ودعوى الزور الأصلي.

كما وسع مفهوم “إنكار العدالة” ليشمل رفض اتخاذ الإجراءات القانونية، أو التأخير المتكرر في البت في الملفات، أو الامتناع عن إصدار الأحكام رغم جاهزية القضايا، وهو ما اعتبرته الدورية خطوة لتعزيز مساءلة الأداء القضائي.

ومن بين أبرز المستجدات التي أبرزتها الدورية، ربط ممارسة الحق في التقاضي بحسن النية، بعدما أصبحت المحكمة قادرة على الحكم بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، سواء أثناء سير الدعوى أو عبر دعوى مستقلة.

كما ألزم القانون بالحكم على المدين بغرامة تتراوح بين 5 و15 في المائة من مبلغ الدين إذا تبين أن التعرض أو الاستئناف في أوامر الأداء لم يكن سوى وسيلة للمماطلة والتسويف، مع فتح المجال أمام المتضررين للمطالبة بالتعويض عن الطعون التعسفية.

وفي المقابل، منح القانون مكانة أكبر للعدالة التصالحية، إذ أصبح بإمكان المحكمة أن تعرض الصلح تلقائيا أو بطلب أحد الأطراف، أو تدعو إلى اللجوء للوساطة، مع تثبيت الاتفاقات في أحكام غير قابلة للطعن، بما يهدف إلى تقليص عدد المنازعات التي تصل إلى مرحلة الأحكام النهائية.

وأكدت الدورية أن القانون الجديد أحدث تحولا هيكليا في القضاء الإداري، بعدما جمع مختلف المقتضيات الإجرائية المتعلقة بالمحاكم الإدارية والتجارية في إطار نص موحد، مع الحفاظ على خصوصية كل قضاء متخصص.

وشملت الإصلاحات إعادة تنظيم المساعدة القضائية، وتوسيع حالات الإعفاء من الرسوم القضائية، وإدراج مفهوم “العلم اليقيني” في احتساب آجال دعاوى الإلغاء، وتنظيم آثار التظلم الإداري، واعتبار اللجوء إلى مؤسسة الوسيط سببا لوقف آجال الطعن، مع إلزام الإدارات العمومية بالإدلاء بعناوينها الإلكترونية لتسهيل التبليغ القضائي.

كما كرس القانون حماية أموال الدولة والجماعات الترابية من الحجز التنفيذي والحجز لدى الغير، إلى جانب تقليص أجل المطالبة بتقدير زائد القيمة في منازعات نزع الملكية من ثماني سنوات إلى أربع سنوات.

وأفردت الدورية حيزا مهما لإعادة تنظيم دور النيابة العامة أمام المحاكم المدنية، بعدما ميز القانون بين تدخلها كطرف أصلي أو كطرف منضم، مع منحها صلاحيات جديدة، من بينها طلب التصريح ببطلان بعض الأحكام المخالفة للنظام العام خلال أجل خمس سنوات إذا ثبت أنها صدرت نتيجة تزوير أو تدليس أو غش.

كما نص القانون على تبليغ النيابة العامة بجدول الجلسات وتمكينها من الإدلاء بمستنتجاتها الكتابية في أي مرحلة من مراحل الدعوى، دون إلزامها بحضور الجلسات المدنية.

وتوقفت الدورية عند إعادة تنظيم قواعد الاختصاص النوعي والمحلي والقيمي والدولي، حيث أصبح بإمكان المحكمة إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا، مع إلزامها بالبت فيه داخل آجال قصيرة.

كما حدد القانون الاختصاص النهائي للمحاكم الابتدائية في الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها عشرة آلاف درهم، وأجاز للأطراف الاتفاق كتابة على المحكمة المختصة محليا، ووسع اختصاص المحاكم الابتدائية في بعض القضايا التجارية والإدارية، إلى جانب استحداث قواعد متكاملة للاختصاص القضائي الدولي للمحاكم المغربية.

وتعد الرقمنة من أبرز رهانات القانون الجديد، إذ أصبح بإمكان المتقاضين رفع الدعاوى إلكترونيا، مع إلزامية تضمين المقال الافتتاحي معطيات دقيقة، من بينها رقم البطاقة الوطنية الإلكترونية، وبيانات المحامي والبريد الإلكتروني بالنسبة للأشخاص الذاتيين والاعتباريين.

وفي مجال التبليغ، ألغى القانون مسطرة التبليغ بواسطة القيم، واعتمد التبليغ الإلكتروني بشكل واسع، من خلال إحداث حسابات إلكترونية مهنية للمحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء، مع اعتبار مكتب المحامي محلا للمخابرة، واعتماد العنوان المضمن في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية مرجعا احتياطيا للتبليغ.

كما حدد آجالا جديدة بين الاستدعاء والجلسة، ومنع التبليغ ليلا إلا في حالات استثنائية، ونظم احتساب الآجال في إطار المنصة الإلكترونية الخاصة بالتبليغات القضائية، مع إلزام أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، وإتاحة إمكانية اختيار التبليغ الإلكتروني للأشخاص الذاتيين والاعتباريين.

وسجل المجلس أن القانون الجديد يؤسس لما وصفه بـ”عقلنة الزمن القضائي”، من خلال تحديد آجال دقيقة للبت في مختلف الإجراءات، سواء تعلق الأمر بالاختصاص أو تجهيز الملفات أو إحالة الاستئنافات والطعون إلى المحاكم المختصة.

كما ألزم المحكمة بعدم اللجوء إلى إجراءات التحقيق إلا إذا كانت ضرورية ومجدية، وحدد آجالا لتجهيز ملفات الاستئناف وإيداع مصاريف الخبرة، بما يحد من طول أمد النزاعات.

وأبرزت الدورية أن القانون أعاد تنظيم طرق الطعن بصورة جذرية، حيث رفع أجل التعرض من عشرة إلى خمسة عشر يوما، وأحدث نظام “الاستئناف المثار”، ونظم الاستئناف الفرعي، وراجع آجال تعرض الغير الخارج عن الخصومة وإعادة النظر، كما رفع قيمة الودائع المالية في بعض الطعون.

ومن بين أهم المستجدات أيضا، منح محكمة النقض صلاحيات أوسع للتصدي للبت في بعض القضايا، وإحداث آلية جديدة لتوحيد الاجتهاد القضائي، تجعل تفسير محكمة النقض للنصوص القانونية ملزما لجميع المحاكم إلى حين العدول عنه أو تدخل المشرع بنص جديد.

كما استحدث القانون مسطرة خاصة لإلغاء بعض الأحكام الابتدائية الانتهائية أمام رئيس المحكمة الابتدائية في حالات استثنائية محددة، من قبيل خرق قواعد الاختصاص أو الحكم بما لم يطلب أو وجود تدليس أثناء التحقيق، باعتبارها آلية جديدة للرقابة على الأحكام غير القابلة للاستئناف.

وفي باب القضاء الاستعجالي، أعاد القانون تحديد اختصاصات رؤساء المحاكم، وسمح بالبت في بعض الطلبات دون استدعاء المدعى عليه في حالات الاستعجال القصوى، مع توسيع صلاحيات القضاء الاستعجالي لاتخاذ التدابير التحفظية وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه لدرء الضرر الحال.

كما نظم آجال استئناف الأوامر الاستعجالية، ومنح الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف صلاحية وقف التنفيذ المعجل متى كان من شأنه إحداث ضرر جسيم، في توجه يروم التوفيق بين السرعة في البت وضمان حقوق المتقاضين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News