طقوس عيد الأضحى في المغرب كما تراها الدراسات الأنثروبولوجية

اهتم عدد من الباحثين الأوربيين والأمريكيين والمغاربة منذ بداية القرن الماضي وحتى الألفية الثالثة بعيد الأضحى في المغرب من منظور انثروبولوجي، باعتباره طقسا تتداخل داخله المعاني الدينية مع البنيات الاجتماعية والرمزية والسياسية، وتعد دراسة الانثروبولوجي الفنلندي ادوارد وسترمارك في كتابه “طقوس ومعتقدات في المغرب” من الدراسات المبكرة ذات الأهمية، إذ يربط الذبيحة بمنظومة واسعة من المعتقدات المرتبطة بالبركة والحماية ودفع الأذى، اعتمادا على عمل ميداني امتد لسنوات طويلة، فيما تتناول الباحثة الأمريكية إلين كومبس شيلنغ في كتابها “الطقوس المقدسة الإسلام والجنسانية والأضحية” العيد من خلال علاقته بالملكية والأسرة والجسد، حيث يظهر فعل الذبح باعتباره ممارسة تتجاوز المجال المنزلي لتربط رمزيا بين السلطان ورب الاسرة، وبين السلطة السياسية والتنظيم الداخلي للبيت.
أما عبد الله حمودي، ففي كتابه “الشيخ والمريد” فإنه يقدم عناصر تساعد على فهم هذا الطقس عبر تحليله لعلاقات الطاعة والهيبة والهبة داخل الثقافة السياسية المغربية، ويساعد هذا التحليل على قراءة مكانة الأضحية داخل الاسرة والدور الرمزي الذي يحتله الأب أو رب البيت داخل البنية الاجتماعية. كما اشتغلت الباحثة الأمريكية كاريزا بريتشارد في دراستها “من المرعى إلى الطبق دراسة للطقوس والبيئة واقتصاد الأغنام في سياق عيد الأضحى بالمغرب” على البعد الاقتصادي والبيئي للعيد، بتتبعها مسار الخروف من المرعى إلى السوق ثم إلى البيت والمائدة في مدينة الرباط. وتكشف الدراسة من خلال هذا المسار طبيعة العلاقة التي ينسجها العيد بين الإنتاج الحيواني والاستهلاك الحضري، وبين المجال القروي والمدينة.
تبين هذه الاعمال مجتمعة أن الأضحية لا تختزل في لحظة الذبح وحدها، لأن الطقس يمتد داخل سلسلة طويلة من الممارسات التي تعيد تنظيم العلاقات داخل البيت وخارجه، فالعيد يغير مؤقتا طريقة استعمال الفضاء المنزلي، ويوزع الأدوار بين أفراد العائلة، ويعيد تنشيط صلات القرابة والتبادل والهدايا والزيارات، كما انه يربط المجال الديني بالمجال الاقتصادي، حيث يتحول شراء الخروف وإعداده واستهلاكه إلى فعل اجتماعي تظهر من خلاله الفوارق الطبقية ومستويات العيش واشكال الاندماج داخل الجماعة.
وتلفت هذه الدراسات الانتباه أيضا الى انتقال العيد بين المجال العام والمجال المنزلي، ففي المجال العام تحضر صلاة العيد والخطبة والمشهد الرسمي الذي تؤطره الدولة، بينما ينتقل الطقس داخل البيت إلى تفاصيل أخرى تتعلق بالدم واللحم والعمل الجماعي والضيافة. وهذا الانتقال بين الفضاءين يمنح العيد طابعا مركبا، لأن السلطة الدينية والسياسية لا تظهر فقط في المؤسسات والخطاب وإنما تجد امتدادها داخل العلاقات اليومية للأسر المغربية.
وعبر هذه القراءات يتضح أن الخروف في السياق المغربي يكتسب قيما متعددة ترتبط بالرجولة والقدرة الاقتصادية والذوق الاجتماعي فضلا عن الجانب الديني، فطريقة اختيار الأضحية وحجمها وسلالتها وسعرها تتحول أحيانا إلى موضوع للمقارنة والتفاخر بين العائلات، خصوصا داخل المدن. لذلك لا يمكن فهم العيد خارج التحولات التي عرفها الاستهلاك الحضري والأسواق الموسمية ووسائل الاعلان والتواصل، فبعض الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية ركزت على البعد الرمزي للذبيحة أكثر مما انتبهت الى التحولات الاقتصادية الحديثة التي جعلت الأضحية مرتبطة بالقروض والاستهلاك والضغط الاجتماعي داخل بعض الفئات الحضرية.
تبدأ طقوس عيد الأضحى في المغرب قبل يوم العيد بأيام، مع دخول الخروف الى البيت ، ومنذ تلك اللحظة يخرج الخروف من وضعه كسلعة سوقية ليصبح جزءا من الحياة اليومية للعائلة، يراقبه الأطفال ويقتربون منه وتشارك النساء في إطعامه وتنظيف مكانه، بينما يهتم الرجال بفحصه وتقدير جودته. وتكشف هذه التفاصيل أن الأضحية لا تقوم فقط على فعل الذبح، ولكنها تبنى تدريجيا من خلال التعايش المؤقت مع الحيوان ، وتشير دراسة كاريزا بريتشارد إلى أن هذا المسار يكشف شبكة مترابطة تجمع المربين والتجار والوسطاء والأسر الحضرية، وتوضح كيف يستمر حضور البادية داخل المدينة عبر الاقتصاد الموسمي للعيد.
في صبيحة يوم العيد يتجه الرجال غالبا الى المصلى أو المسجد لأداء الصلاة وسماع الخطبة، ثم يعودون الى البيت حيث تنتظر العائلة لحظة الذبح، وترى كومبس شيلنغ أن هذه اللحظة تكتسب قوتها من التوازي القائم بين المستويين الرسمي والمنزلي، فالملك يذبح في المجال العام ورب الأسرة يذبح داخل البيت. ومن خلال هذا التشابه الرمزي يعاد إنتاج صورة السلطة داخل المجتمع المغربي،. غير أن هذا التحليل تعرض لبعض النقد، لأن التركيز على الذكورة والسلطة الأبوية يجعل أدوار النساء تبدو هامشية رغم أنهن يتحملن جزءا أساسيا من العمل المرتبط بالإعداد والتنظيف والطبخ والتنظيم اليومي للعيد.
أما وسترمارك فقد قرأ الأضحية داخل أفق أوسع من المعتقدات المرتبطة بالبركة والحماية والعين. فالدم في هذا التصور لا يظهر كمادة عادية، إنه يحمل أثرا رمزيا يرتبط بالحماية ودفع الأذى. ولهذا نجد الممارسات تختلف من منطقة إلى أخرى، مثل ملامسة الدم للعتبة أو بعض الجدران أو الأدوات المنزلية، غير أن أعمال وسترمارك تنتمي بدورها إلى مرحلة مبكرة من الانثروبولوجيا الأوربية، وهي مرحلة كانت تنظر أحيانا إلى المجتمعات غير الأوربية باعتبارها فضاءات للغرابة والطقوس التقليدية. لذلك تعرضت بعض قراءاته لاحقا للنقد بسبب ميلها إلى تفسير الممارسات الشعبية من زاوية فولكلورية اكثر من ربطها بالسياقات الاجتماعية والتاريخية المتحولة.
بعد الذبح تبدأ مرحلة السلخ والتقطيع، وهي مرحلة تتطلب معرفة عملية دقيقة تنتقل داخل العائلة عبر التجربة والتكرار، فالذبيحة لا تتحول مباشرة الى لحم للاستهلاك، إنها تدخل في نظام كامل من الأعمال المنزلية والمطبخية، ففي اليوم الأول يحضر طبق البولفاف، وهو قطع من الكبد وأحيانا القلب تلف بالشحم وتشوى على الفحم. يمثل تقديم هذا الطبق بداية الانتقال من مشهد التضحية إلى مشهد الأكل الجماعي. ثم تتوالى الأطباق المرتبطة بالأحشاء والرأس واللحم المجفف والمروزية. ويكشف هذا الامتداد الزمني أن الأضحية لا تستهلك دفعة واحدة، وإنما يعاد توزيعها على أيام متعددة وفق منطق اقتصادي ومنزلي دقيق يهدف الى الاستفادة من كامل الذبيحة.
وتولي هذه الدراسات أهمية خاصة لمسألة توزيع اللحم، لأنها تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء والعائلات، فجزء من اللحم يستهلك داخل البيت، بينما يوزع جزء آخر على الأقارب والجيران والفقراء. وعبر هذا التبادل يعاد تأكيد قيم الكرم والتضامن والانتماء الجماعي، لكن هذا الجانب لا يخلو أيضا من التوترات الاجتماعية، بحيث تظهر بعض الأبحاث الحديثة أن ارتفاع تكاليف العيد يجعل بعض الاسر تعيش ضغطا اقتصاديا قويا خوفا من فقدان مكانتها الاجتماعية أو عجزها عن مسايرة المعايير السائدة. ويربط عبد الله حمودي هذه العلاقات بمنطق أوسع داخل الثقافة السياسية المغربية، إذ تتداخل الهيبة والهبة والطاعة في تشكيل الروابط الاجتماعية، ذلك أن رب الأسرة يظهر كمسؤول عن اقتناء الأضحية ويحتل موقعا رمزيا داخل البيت بقدرته على تدبير الطقس وضمان استمراره.
جميع هذه الدراسات تبرز أن عيد الاضحى في المغرب هو طقس كثيف تتداخل داخله عناصر دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فالعيد لا يتعلق بالذبح وحده، وإنما بطريقة تنظيم البيت وتوزيع الأدوار واستهلاك الطعام وتبادل الهدايا وإعادة بناء الروابط الاجتماعية، وانطلاقا من هذه التفاصيل اليومية يظهر الخروف رمزا يحمل داخله تحولات المجتمع المغربي وعلاقته بالدين والسوق والدولة والذاكرة الجماعية.





