رأي

قراءة في دستورية المادة 63 من مشروع قانون العدول

قراءة في دستورية المادة 63 من مشروع قانون العدول

نصت المادة 63 من مشروع قانون العدول المحال على المحكمة الدستورية من طرف المعارضة البرلمانية يوم الجمعة 15 ماي 2026, على مايلي:”يجب على العدل أن يقدم نسخا من العقود والشهادات التي يتلقاها لمكتب التسجيل المختص لاستيفاء إجراءات التسجيل والتنبر إما مباشرة بمكتب التسجيل أو بطريقة إلكترونية، وأداء الواجب في الأجل المحدد قانونا، وأن ينجز الاجراءات الضرورية للتقييد بالسجلات العقاريةوغيرها، ويقوم بإجراءات النشر المطلوبة.


غير أنه يمكن للأطراف المعنيين إعفاء العدل من إجراءات النشر، وذلك تحت مسؤوليتهم، ويشار إلى ذلك في وثيقة مستقلة ثابتة التاريخ يوقعها الطرف المعني.”. تثير المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول إشكالات قانونية ودستورية عميقة، خاصة من خلال إقرار الإلتزام بنتيجة في مجال لا يخضع كليا لسلطة العدل وإرادته، وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى ارتباط التقييد العقاري بحماية حق دستوري” حق الملكية”، وبمبادئ أخرى ذات قيمة دستورية نص عليها دستور2011، وأكدتها المحكمة الدستورية في مناسبات عديدة، كما تشكل من جهة أخرى جزءا من المعايير الدولية المؤطرة لفكرة “العقد الرسمي” في الأنظمة القانونية الحديثة، سنحاول تناول بعض الإشكالات التي تطرحها هذه المادة من خلال مايلي:

أولا: المادة 63 من مشروع قانون العدول وإشكالية الانسجام التشريعي.


تثير هذه المادة إشكالية الانسجام التشريعي كقاعدة دستورية أكدت عليها المحكمة الدستورية في أكثر من مناسبة آخرها القرار رقم 26/261 م.د الصادر بتاريخ 22/01/2026، ملف عدد 309/26، جاء فيه ان: “من ضمن صلاحيات المحكمة الدستورية مراقبة مدى تحقق مبدأ الانسجام التشريعي في مواد القانون الواحد لغاية ضمان إمكانية تطبيقها، دون تعارض بينها.”


ذلك أن المادة 63 من المشروع تلزم العدل بتقييد العقد بالسجلات العقارية تحت طائلة تحمله المسؤولية القانونية في حالة الاخلال بهذا الالتزام، دون تمكينه من آليات قانونية تمكنه من تحقيق هذه النتيجة.(الباب العاشر من المشروع المعنون بالمراقبة والبحث والتفتيش والتأديب من المادة 101 إلى المادة 130).


وتبرز بشكل واضح هذه الاشكالية بشكل جلي عند مقارنة المادة 63 من المشروع التي تعتبر صورة طبق الأصل للمادة 47 من قانون رقم 32.09 المتعلق بمهنة التوثيق(مادتين متطابقتبن حرفيا)، إلا أن الفرق يتجلى في أن المشرع المغربي في قانون مهنة التوثيق كان حريصا على احترام مبدأ الانسجام التشريعي بين مواده بتمكين الموثق من “الية قانونية” تمكنه من تحقيق النتيجة بالمادة 33 من قانون مهنة التوثيق، لكنه أخل بهذا المبدأ بمشروع قانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول؟


كما أن المشرع المغربي كان مقصرا في عدم احترام مبدأ دستوري آخر ورد في نفس القرار الصادر عن المحكمة الدستورية المشار اليه أعلاه، وهو: ” أن المشرع لايجوز له إعتماد تقنية تحدد نتيجة معينة دون توافر الشروط القانونية والموضوعية اللازمة لضمان تحقيقها”، وذلك باغفاله في مشروع قانون العدول التنصيص على الشروط القانونية والموضوعية اللازمة لضمان تحقيقها. فيكون قد أخل بمبدأ دستوري آخر.


في المقابل،نجده كان حريصا أشد الحرص في إغراق المشروع بالواجبات و الجزاءات بشتى أشكالها، وعدم تمكين العدل من الحقوق التي تمكنه من القيام برسالته التوثيقية على أكمل وجه.

ثانيا: المادة 63 من مشروع قانون العدول والفصل 21 من الدستور:


ينص الفصل 21 من دستور 2011 على أن الدولة تضمن سلامة الأشخاص وحماية ممتلكاتهم. ولا تقتصر حماية الملكية هنا على الحماية المادية، بل تشمل أيضا الحماية القانونية والأمن التعاقدي المرتبط بالتصرفات العقارية.


وفي هذا الإطار، فإن المادة 63 تهدف ظاهريا إلى تعزيز هذه الحماية من خلال إلزام العدل باستكمال إجراءات التسجيل والتقييد بالسجلات العقارية، لأن العقد غير المقيد قد يبقى عديم الأثر تجاه الغير، خاصة في نظام التحفيظ العقاري المغربي الذي يجعل التقييد منشئا للحق العيني، غير أن الإشكال الدستوري يظهر في المرحلة الفاصلة بين توقيع العقد وإنجاز التقييد النهائي، إذ يبقى المشتري معرضا لمخاطر متعددة، منها:الحجز على العقار، التفويت اللاحق لفائدة الغير؛ رفض التقييد من طرف المحافظ العقاري ،أو ظهور نزاعات قانونية مفاجئة…


وفي المقابل، فإن المادة 63 لم تنظم أي آلية فعالة لحماية ثمن البيع خلال هذه المرحلة، كما لم تمنح العدل الوسائل القانونية الكفيلة بضمان الأمن الكامل للمعاملة.
ومن ثم، فإن تحميل العدل التزاما بنتيجة دون تمكينه من وسائل تحقيق هذه النتيجة قد يؤدي عمليا إلى إضعاف الحماية الدستورية للملكية بدل تعزيزها، لأن الأمن القانوني لا يتحقق فقط بفرض المسؤولية، وإنما أيضا بتوفير الوسائل القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحقيقها.


ثالثا: المادة 63 والفصل 35 من الدستور.


يكرس الفصل 35 من الدستور حق الملكية ويضمن حرية المبادرة والتعاقد، ومن هذه الزاوية، فإن تدخل العدل في استكمال إجراءات التقييد يهدف إلى حماية استقرار المعاملات وضمان حجية التصرفات العقارية، وهو ما ينسجم مع فلسفة الفصل 35 القائمة على تأمين التداول القانوني للحقوق.


لكن الإشكال يكمن في أن المشتري، رغم توقيعه العقد وأدائه للثمن، قد يبقى دون حماية فعلية إلى حين انتهاء جميع الإجراءات الإدارية والقضائية المرتبطة بالتقييد. وهنا يطرح السؤال الجوهري: مصير ثمن البيع خلال هذه المرحلة؟
ذلك أن المادة 63 لم تنظم أية الية قانونية، رغم أن هذه الآلية تعد من أهم ضمانات الأمن التعاقدي في الأنظمة المقارنة. وبالتالي قد يجد المشتري نفسه أمام وضعية يؤدي فيها الثمن دون أن يكتسب الملكية بصورة نهائية، وهو ما قد يمس بالتوازن العقدي وبالحماية الدستورية للملكية.


كما أن تحميل العدل مسؤولية النتيجة النهائية، رغم ارتباطها بقرارات الإدارة والمحافظة العقارية، قد يؤدي إلى خلق مسؤولية مفرطة وغير متناسبة مع سلطته الفعلية، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ العدالة التعاقدية.


رابعا: المادة 63 والفصل 154 من الدستور.


ينص الفصل 154 من الدستور على أن المرافق العمومية تخضع لمبادئ الجودة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتندرج مهنة التوثيق العدلي ضمن المهن ذات الطابع المرفقي، بالنظر إلى اتصالها بتحقيق الأمن التوثيقي وحماية المعاملات.


ومن هذه الزاوية، فإن المادة 63 تعكس إرادة تشريعية لتطوير جودة الخدمة التوثيقية عبر إلزام العدل بمواكبة العقد إلى غاية استكمال آثاره القانونية، غير أن مبدأ الحكامة الجيدة يقتضي أيضا التناسب بين الاختصاص والمسؤولية والوسائل، فلا يمكن دستوريا تحميل مهني مسؤولية تحقيق نتيجة قانونية إذا كانت هذه النتيجة رهينة بتدخلات إدارية وقضائية خارجة عن نطاق سلطته، فالتقييد العقاري لا يتم بإرادة العدل وحده، بل يخضع:


لإجراءات التسجيل المرتبطة بادارة التسجيل؛لاجراءات الخطاب على العقد من طرف قاضي التوثيق، ولإجراءات التحفيظ ولمراقبة المحافظ العقاري قبل تقييد العقد نهائيا، ولمختلف الموانع القانونية والإدارية المحتملة.

وعليه، فإن المادة 63 قد تطرح إشكالا من زاوية الفصل 154، لأنها توسع نطاق المسؤولية دون أن تقرن ذلك بوسائل قانونية ومؤسساتية فعالة.


خامسا: المادة 63 والفصل 157 من الدستور.


ينص الفصل 157 على إخضاع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، ولا شك أن إخضاع العدل للمساءلة عن إجراءات التقييد ينسجم مبدئيا مع هذا الفصل، لأنه يعزز حماية المتعاقدين ويمنع الإهمال أو التراخي المهني، غير أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يفترض منطقيا أن تكون المسؤولية مرتبطة بسلطة فعلية على أسباب النتيجة. أما إذا كانت النتيجة متوقفة على تدخل جهات أخرى، فإن تحميل العدل مسؤولية مطلقة قد يتحول إلى نوع من المسؤولية غير العادلة أو شبه الموضوعية، ومن ثم، فإن التطبيق السليم للفصل 157 يقتضي معالجة تشريعية لاسيما على مستوى المادة 63 في علاقتها مع المادة 46 و76 و 77 من المشروع، كيف أن العدل يتحمل المسؤولية لوحده لوثيقة ليس هو من أضفى عليها طابع الرسمية؟


سادسا: مدى مطابقة المادة 63 للمعايير الدولية للعقد الرسمي.


بالرجوع إلى الأنظمة المقارنة، وخاصة في النموذج اللاتيني للتوثيق الرسمي المعتمد في فرنسا وإسبانيا وعدد من الدول، يقوم العقد الرسمي على ثلاثة عناصر أساسية:الرسمية القانونية؛ الأمن التعاقدي؛ الحماية الفعلية للمتعاقدين.
غير أن هذه الأنظمة لا تكتفي بتحميل الموثق مسؤولية تحرير العقد والتقييد، بل تمنحه بالمقابل وسائل قانونية ومؤسساتية لتحقيق الأمن التعاقدي، من بينها: نظام حسابات الإيداع المهني، التأمين الإجباري عن المسؤولية المهنية؛ والربط الإلكتروني الفوري مع الإدارات العقارية والجبائية وغيرها.


أما في المادة 63، فإن المشرع المغربي اتجه نحو توسيع مسؤولية العدل دون إرساء منظومة متكاملة للضمانات المهنية والمؤسساتية المواكبة، وهو ما يجعل النص أقرب إلى تحميل المهني التزاما بنتيجة دون توفير أدوات تحقيقها.

ومن ثم، فإن المادة 63 تحقق جزئيا المعايير الدولية للعقد الرسمي من حيث السعي إلى تعزيز الأمن التعاقدي، لكنها لا تستجيب بصورة كاملة لمتطلبات الحماية المهنية والمالية التي تشكل جوهر الأنظمة الحديثة للتوثيق الرسمي.


خاتمة:


يتضح أن المادة 63 من مشروع القانون رقم 16.22 تسعى في ظاهرها إلى تحديث وظيفة العدل وتعزيز دوره في تحقيق الأمن العقاري، غير أنها تثير إشكالا دستوريا وعمليا يتمثل في تحميله التزاما بنتيجة في مجال لا يملك السيطرة الكاملة على جميع مراحله، كما أن غياب آليات قانونية لحماية ثمن البيع (كركن من أركان العقد) خلال الفترة الفاصلة بين توقيع أطراف العقد والتقييد النهائي يضعف الحماية الفعلية للمشتري، وقد يمس بمقتضيات الفصول 21 و35 و154 و157 من دستور 2011، خاصة من زاوية الأمن القانوني والتناسب بين المسؤولية والوسائل.


لذلك، فإن تحقيق مبدأ الانسجام التشريعي بين مواد هذا المشروع لكي تؤدي جميع مواده وظيفتها دون تعارض يينها، ومبدأ ملاءمة ومطابقة نصوصه التشريعية مع الدستور والمعايير الدولية للعقد الرسمي يقتضي إعادة النظر في هذه المادة وباقي المواد ذات الصلة، وذلك بإقرار آليات قانونية لحماية الأموال والمعاملات؛ وتوفير وسائل مهنية ومؤسساتية تمكن العدل فعليا من تحقيق النتيجة ضمانا للأمن التوثيقي والتعاقدي.


وهكذا، إذا علمنا ان من مبررات وجود هذه الاختلالات التي تعرفها المادة 63 من المشروع تتمثل في ملاحظة قطاع حكومي معين (تحفظ على الية الايداع إن صح التعبير بعدما كانت مضمنة بصيغة المشروع الأولى قبل المصادقة)من المفروض فيه ان يحترم الدستور وتحديدا الفصل 157 وقانون 19.54 بمثابة ميثاق للمرافق العمومية،والذي يلزم جميع القطاعات الحكومية التقيد بمضامينه حسب المادة 03 منه، حُقَّ لنا أن نطرح السؤالين التاليين:
1/هل المادة 63 من مشروع قانون العدول احترمت دستور المملكة المغربية؟
2/وهل يحق لقطاع حكومي معين الاعتراض على تنزيل الوثيقة الدستورية؟

ذ.طارق القاسمي،الكاتب العام للمجلس الجهوي لعدول استئنافية سطات سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News