شجاعة لفتيت في مواجهة “الشناقة”

في وقت اختار فيه أغلب الفاعلين السياسيين الصمت أو التبرير أو تبادل الاتهامات بشأن أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية واتساع نفوذ الوسطاء والمضاربين، خرج وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بخطاب مباشر وحاسم، معلنا اعتزام الداخلية إنهاء نموذج ظل لعقود أحد أبرز منابع “الشناقة” والمضاربين داخل الأسواق المغربية.
وبينما فضل عدد من الوزراء، خاصة داخل الأغلبية الحكومية، الابتعاد عن مواجهة هذا الملف الحساس، بين من لجأ إلى التبرير أو تحميل المسؤولية لجهات أخرى، اختار لفتيت المواجهة مع هذا “البعبع” الذي أصبح يفسد على المغاربة حياتهم، إذ أعلن أمام لجنة الداخلية بمجلس المستشارين أن نموذج أسواق الجملة بصيغته الحالية “لم يعد صالحا”، بعدما استنفد مداه وتحول إلى آلية تكرس تعدد الوسطاء والمضاربة بدل تنظيم السوق.
تصريحات وزير الداخلية لم تكن مجرد توصيف إداري لوضع قائم، بل حملت اعترافا واضحا بفشل النموذج الحالي، حيث أكد: “نعترف بأن الوكلاء وأسواق الجملة انتهت ولم تعد تصلح، بل تخلق المضاربة والشناقة”، وهو ما يعكس شجاعة سياسية من الوزير في تشخيص الوضع، لاسيما وأن فترة الاستعداد لعيد الأضحى تشهد نقاشا متصاعدا حول تأثير “الشناقة” والمضاربين على أسعار أضاحي العيد.
ولم يكتف لفتيت بتشخيص الأزمة، بل أعلن قرب إحالة قانون جديد على البرلمان خلال الأيام المقبلة، يهدف إلى إعادة تنظيم أسواق الجملة وتعويضها بنظام أكثر شفافية ووضوحا، يقوم على تقليص عدد الوسطاء وضبط مسار المنتوج من المنتج إلى المستهلك.
وشدد لفتيت على أن النموذج المستقبلي يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: “البائع معروف، والشاري معروف، وبينهما وسيط معروف”، مراهنا بذلك على إنهاء مرحلة تعرف بتعدد الوسطاء بشكل مفرط، حيث يمر المنتوج عبر خمسة أو ستة وسطاء قبل أن يصل إلى المواطن، وهو ما كان يفتح الباب أمام ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر ويغذي اقتصاد الريع والمضاربة.
وتكتسي هذه الخرجة السياسية أهميتها أيضا من حيث التوقيت، في ظل تصاعد الغضب الاجتماعي المرتبط بالأسعار، وتنامي الانتقادات الموجهة للحكومة بسبب ضعف تدخلها في مواجهة المضاربين، وهو ما يستدعي انخراط باقي فرقاء الأغلبية الحكومية ضمن هذا المسار، بدل محاولات الاستغلال السياسي في إطار التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويذكر أن خرجة وزير الداخلية تتزامن مع قرار غير مسبوق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، يشدد الخناق على “الشناقة” والمضاربين في أسعار الأضاحي، عبر فرض إجراءات استثنائية لتنظيم أسواق بيع الأضاحي، تحت طائلة الحبس والغرامات المالية المنصوص عليها في القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.





