الحماية القضائية للجماعات السلالية بين القانون والواقع

ترجع الجدور التاريخية للبنية العقارية لأراضي الجموع أو أراضي الجماعات السلالية إلى فترة ما قبل الإسلام، من خلال انتقال الملكية من منطق العائلة إلى منطق القبيلة، خاصة عند القبائل الرحل على أساس الانسجام الكبير مع نمط عيشهم. وقد عرف بول دوكرو “هذه الأراضي أنها أراضي قروية تعود ملكيتها لمجموعات عرقية، أي قبائل أو دواوير دون أن يكون هناك تحديد لحد الفرد فيها”.
في حين عرفها عبد الكريم بالزاع “أنها أراض تملكها جماعات قبلية؛ في شكل دواوير أو قبائل أو عائلات أصبحت حقوق الفرد فيها غير متميزة عن حقوق الجماعات، أي أن الحقوق فيها مشاعة، وتسند رئاسة تسييرها لمجموعة من رؤساء العائلة المشكلة للجماعات القبلية في إطار ما يطلق عليه بمجلس الجماعة”.
وتشكل الأراضي السلالية داخل المنظومة العقارية المغربية رصيدا وطنيا مهما، اذ تحتل مساحات مهمة داخل الوعاء العقاري بالمغرب، حيث تبلغ خمسة عشر مليون هكتار، وتكتسي مكانة متميزة في بلورة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي سطرها المغرب في مجموعة من المحطات.
وهو ما جعل الدولة تؤكد رغبتها في الاستثمار في التنوع الحاصل في الأنظمة العقارية بالمغرب، وخاصة أراضي الجماعات السلالية من خلال إصدار مجموعة من النصوص والدوريات التي تتجاوز الإشكاليات القانونية والعملية التي كانت تشار في ظل مقتضيات ظهير 1919.
وقد نظمت وزارة الداخلية، باعتبارها الوزارة الوصية، ندوة سنة 2010 خرجت من خلالها بمجموعة من التوصيات، التي لم تكن بحجم الإشكالات العملية المطروحة، ثم جاء خطاب الملك محمد السادس في أكتوبر 2018 ليشكل منطلق لإعادة صياغة نصوص قانونية تنظم أراضي الجماعات السلالية تتفاعل والمشاريع التنموية المرسومة، حيث صدر قانون 62.17 المتعلق بالوصاية على الجماعات السلالية، وقانون 63.17 المتعلق بمسطرة التحديد الإداري والمتدخلين في عملية التحديد لأراضي الجماعات السلالية، وأخيرا القانون رقم 64.17 الذي غيّر بعض مقتضيات الظهير المنظم للأراضي الواقعة بدوائر الري، إضافة إلى هذه الترسانة من القوانين التي تنظم العمليات المرتبطة بالجماعات السلالية التي ذكرناها، نجد أيضا مجموعة من الظهائر والمراسيم والقرارات الوزارية، الضوابط، الدوريات، المذكرات والرسائل، والنتيجة كانت كثرة النصوص القانونية وتشعبها وغموضها في بعض الأحيان والذي يعيق عملية تدبير الأراضي السلالية تدبيرا سليما ويذيب كل الجهود المبذولة من أجل خلق روافد تنموية عن بوابة التدبير السليم للجما عات السلالية.
وأمام كل الجهود المبذولة من طرف سلطة الوصاية من أجل جعل هذه الأراضي ورشا رائدا لواقع اقتصادي واجتماعي يلامس البعد التنموي بالدرجة الأولى، فإن العديد من الإشكالات تقف أمام تنفيذ مختلف هذه الأوراش، خاصة مسألة إعداد اللوائح المتعلقة بذوي الحقوق وصعوبة حصر هذه اللوائح، ثم الشروط التي يتم الاعتماد عليها في إعداد اللوائح وخاصة شرط الإقامة الذي يطرح الكثير من الإشكالات، إلى حد التنازع بين سكان الجماعات السلالية والمؤسسة النيابية، هذه الأخيرة التي من المفروض أن تخضع لتأطير وتكوين يخوّل لها المساهمة في تنزيل الأوراش الكبرى من قبيل ورش التعبئة الفورية للأراضي البورية من أجل الاستثمار، وورش كراء الأراضي السلالية، وهي مجموعة من المشاريع التي تتطلب بالإضافة إلى الوسائل اللوجييستيكية والمادية وموارد بشرية قادرة على التنزيل الفعلي لهذه المشاريع.
هذا وأمام تعدد الفاعلين والمتدخلين في أراضي الجماعات السلالية الذي من الطبيعي أن ينتج عنه تقاطع بينها، وتزايد المنازعات المتعلقة بها.
إن طبيعة النزاعات المتعلقة بأراضي الجماعات السلالية هي التي تفرض نوع المحاكم التي لها أحقيت البث، حيث يرجع الاختصاص للمحاكم الزجرية عندما يكون النزاع ذو طابع جنائي.
وعمليا يختص القضاء الزجري بالبث في منازعات أراضي الجموع:
– من خلال دعوى انتزاع حيازة عقار والمنصوص عليها في الفصل 570 من مجموعة القانون الجنائي، لهذا وإن كنا نعتقد كممارسين أن هذا الاختصاص أثقل كاهل القسم الجنحي بالمحاكم الابتدائية، بمقتضى هذا النص الذي يتميز بالطابع المدني حسب اعتقادنا باعتبار أن هذا الفصل يناقش الحيازة والتصرف اعتمادا على مبادئ القانون المدني.
– أيضا يختص القضاء الزجري في نفس الإطار بالبث في الدعاوي المتعلقة بإتلاف الحدود الفاصلة طبقا لمقتضيات الفصل 606 من مجموعة القانون الجنائي.
– دعوى الترامي على مراعي الجماعة، ودعاوى أخرى أقل حضورا بالمحاكم الزجرية مقارنة بدعوى انتزاع العقار وجريمة اتلان حد فاصل لمجموعة من الاعتبارات المتعلقة بتكييف النيابة العامة والتفسير الواسع لمحكمة النقض، لمفهوم انواع الحيازة التي لا يسعنا أن نذكرها بشكل مفصل ودقيق.
اختصاص القضاء المدني في المنازعات المتعلقة باراضي الجما عات السلالية
يتجلى اختصاص القضاء المدني في منازعات أراضي الجموع أساسا تنازع الجماعات حول عقارات لم تتم تصفيتها أثناء التحفيظ، وتثار إشكالية الحيازة بين القبائل، ونذكر على سبيل المثال نزاع كاد يتسبب في الكثير من الحروب القبلية والفوضى، وهو النزاع القائم بين دوار أجلموس الذي يبعد بحوالي 83 كلم من مدينة ورزازات والذي يضم كثافة سكنية مهمة مقارنة بباقي الدواوير والتابع لجماعة إغرم نوكدال ولإقليم ورزازات، وبين دوار تدارت التابع لجماعة زرقطن وإقليم الحوز حول أحقيت الحيازة والتصرف في أرض تيشكا، خاصة أن الحدود لم تتم تصفيتها ولم يصدر لتحديد الإداري للقبيلتين، وقد قدمت في هذا الإطار مجموعة من الشكايات للمصالح المختصة في انتظار التجاوب مع هذا المثال الحي من طرف الوزارة الوصية والمصالح التابعة لها.
رقابة القضاء الاداري على منازعات الأراضي السلالية
يقتضي التدبير السليم للمؤسسات ومواردها إدارة رشيدة لها من القوامة والحكامة ما يخوّل لها مناقشة القضايا المجتمعية بنوع من الترزن، وهو أيضا ما يقتضي توفر مؤسسات تراقب أعمال هذه الإدارة حماية لحقوق الأفراد من أي تعسفات مع ما لها من امتيازات السلطة العامة بقوة القانون، هنا لابد أن نؤكد الدور الذي يلعبه القضاء الإداري في تحقق هذه الحماية.
وقد عاش القضاء الإداري المغربي تراكمات مهمة منذ إنشاء المحاكم الإدارية سنة 1993 بمقتضى قانون 41.90 بعد الخطاب الملكي للراحل الحسن الثاني سنة 1991، ثم استمرت الرغبة في تأليف قضاء إداري متكامل القواعد والدرجات، ليتم إنشاء محاكم الاستئناف الإدارية سنة 2006 بمقتضى قانون 80.03 على أمل أن يكتمل المشهد بالمغرب بإنشاء مجلس الدولة على غرار القضاء الإداري الفرنسي.
وارتباطا دائما بمنازعات أراضي الجموع و بتزايد الانتظارات حول أحقيت البث للقضاء الإداري في كثير من المواضيع المرتبطة بالجماعات السلالية مع إنتاج قواعد قادرة على تجاوز المسكوت عنه في النصوص القانونية وتفسير الغامض منها وخلق التوازن بين الدفاع عن الحقوق والحريات من جهة وتحقيق الاستثمار من بوابة اراضي الجما عات السلالية من جهة ثانية.
فإلى أي حد يساهم الاجتهاد القضائي الإداري المغربي في ظل الاختصاصات المخولة في تجاوز الإشكالات العملية المطروحة؟ وما هي الآليات القانونية الممكنة أمام القضاء الإداري لمواجهة القرارات الصادرة عن مؤسسات المتدخلة في الأراضي السلالية؟
الطعن بالإلغاء في القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية:
بالعودة إلى مقتضيات من المادة 8 من قانون 41.90 والتي تنص على أنه تختص المحاكم الإدارية مع مراعاة أحكام المادة 9 و11 من هذا القانون بالبث ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة.
يصطدم القاضي الإداري ببعض السلوكات الصادرة عن الإدارة الناتجة أما عن سوء الإدارة، أو المس بحقوق الأفراد، أو خرق القواعد القانونية، وذلك من خلال استحضار وخلق قواعد اجتهادية.
التساؤل المطروح هنا هل يمكن اعتبار القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية قرارات إدارية قابلة للطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية؟
في هذا السياق، يمكن القول أن المشرع حسم الأمر بالنسبة للقرارات الصادرة عن المجالس النيابية التي تستأنف أمام مجلس الوصاية الإقليمي وأن القرارات التي تصدر عن مجلس الوصاية الإقليمي تم الطعن فيها أمام مجلس الوصاية المركزي.
أما القرارات الصادرة عن مجلس الوصاية المركزي في قرارات إدارية محطة تقبل الطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية، بالإضافة إلى أن مقتضيات المادة 20 من القانون المنشأ للمحاكم الإدارية قد حسم الأمر حيث أكد المشرع من خلالها أن كل قرار تتوفر فيه مقومات القرار الإداري بعناصره المكتملة يكون قابلا للطعن بالإلغاء، وهو التوجه الذي كرسته الاجتهادات القضائية الإدارية بشكل واضح نذكر منها الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 30 يناير 2002 الذي جاء فيه، وحيث تبقى جميع مقررات مجلس الوصاية قابلة للطعن كيفما كانت طبيعتها، وأن عبارة غير قابلة للطعن الواردة بالفصل 12 لا يقصد منها سوى الطعن الإداري دون القضائي، وتبقى دعوى الإلغاء في إطاره أداة فاصلة لحماية المشروعية وضمان سيادة القانون.
نفس التوجه أكدته محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش في القرار عدد 496 الصادر بتاريخ 12 نونبر 2008 في الملف عدد 08/5/158.
في حين ذهبت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في أحد قراراتها إلى ضرورة التمييز بين الطعون المنصبة على الشكليات المرتبطة بشكل وتشكيل مجلس الوصاية وبين الطعون المتعلقة بالموضوع.
وأمام هذا التضارب، حسمت محكمة النقض في قرار لها بتاريخ 2015 الصادر عن غرفتيها الإدارية والمدنية لتؤكد أن قرارات مجلس الوصاية تعتبر قرارات إدارية قابلة للطعن بإلغاء بمقتضى الفصل 118 من دستور 2011.
وحسب اعتقادنا فإن الاختصاصات الممنوحة لمجلس الوصاية وطبيعة القرارات التي يصدرها والتي تغير المراكز القانونية للأشخاص يجعل منها قرارات إدارية قابلة للطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية دون التمييز بين طبيعتها.
إضافة إلى أن القانون 41 في فصليه 8 و20 جاء زمنيا بعد ظهير 1919 وفقهيا القانون اللاحق يلغي السابق.
وختاما، إن المنازعات المتعلقة بالجماعات السلالية تكتسي طابعا خاصا للارتباطات الكبيرة لهذا النوع من الأراضي الذي يمثل رصيدا عقاريا مهما بمسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتجويد ظروف عيش أفراد الجماعات السلالية.
ونؤكد من موقفنا أن النصوص القانونية المتطورة لا تكفي وحدها للتدبير السليم لأراضي الجموع، وأن الأمر يستدعي مقاربة شمولية قادرة على تقديم تخطيط توقعي على مستوى عالي يمكننا من تنزيل فعلي حكيم للأوراش المرسومة.





